العدد : ١٥٤٠٨ - السبت ٣٠ مايو ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٧ شوّال ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٠٨ - السبت ٣٠ مايو ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٧ شوّال ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

ميزانية الأسرة

بقلم: د. زكريا خنجي

الأحد ١٢ يونيو ٢٠١٦ - 03:00



كثيرًا ما أسأل -إن لم يكن في كل الدورات التدريبية التي أقيمها والاستشارات الإدارية التي أقدمها فإنه يكون في معظمها- عن كيفية وضع خطة مالية مناسبة للأسرة، وكيف يمكن وضع ميزانية الأسرة بحيث يمكن للأسرة أن تنفق على قدر مواردها المالية؟ وما الأمور التي ينبغي أخذها في الاعتبار عند فعل ذلك؟
الميزانية اسم مشتق من الميزان ويقصد به التوازن واعتدال كفتي الميزان بين الإيرادات والنفقات، بمعنى آخر الميزانية المنزلية هي خطة مالية تساعد الأسرة على الموازنة بين الدخل والنفقات، بحيث لا تزيد النفقات على مستوى الدخل فتضطر الأسرة عندئذ إلى الاستدانة. وهذا يعني أن الميزانية المنزلية هي ببساطة وباختصار التخطيط لتحديد طريقة استعمال الدخل المالي للأسرة في فترة زمنية محددة، بحيث لا تؤدي بها إلى الاستدانة وبالتالي تراكم الديون التي يصعب فيما بعد الفكاك منها.
وللأسف في جعبتي كثير من القصص التي تمت روايتها من كثير من ربات الأسر الراغبات وغير الراغبات في تنظيم ميزانية الأسر، فنأخذ بعض التجارب السلبية وبعض التجارب الإيجابية، منها:
تقول أحدى المشاركات «مشكلتي عظيمة جدًا، فأنا مهووسة بالشراء، حتى إن خزائن البيت امتلأت بالأدوات والمواد الجديدة التي لم نستخدمها بعد، وأحيانًا أحاول توفير مبلغ بسيط من راتبي، وما إن أذهب إلى السوق مع أبنائي حتى نقضي جميعًا على هذا المبلغ في بضع ساعات، وتمر عليّ بعدها أوقات أكون فيها في أمس الحاجة إلى المال فلا أجده».
تقول أخرى: «لا أحب أكل المطاعم، ولكن يعتبر عشقًا عظيمًا لزوجي وأبنائي، وسواء كنا في المنزل أو خارجه فإنه لا يأكل إلا من المطعم فيتصل بهم فيجلبون الطعام إلى المنزل، وهذه الخدمة المعروفة بخدمة التوصيل التي هدمت البيوت، وإذا نبهته إلى التوفير يقول: لماذا نحرم أنفسنا من شيء نشتهيه؟ ولذلك، ذهبت أموالنا كلها على أكل المطاعم».
هذه بعض القصص السلبية، دعونا نقرأ بعض القصص الإيجابية.
تذكر إحداهن فكرة من أجل التوفير تقول «أكتب ورقة بالاحتياجات الضرورية للمنزل، وبين فترة وأخرى أحاول حذف ما لا أحتاج إليه، وإذا ذهبت إلى السوق أحاول شراء ما هو مكتوب فقط من دون التطرق إلى المغريات الأخرى، وكانت هذه طريقة رائعة وفرت من خلالها مصروفات المنزل بشكل واضح».
وتتحدث أخرى عن طريقتها في شد الحزام وكيف أقنعت أبناءها وزوجها بذلك فقالت «كنا قد بدأنا في بناء منزل العمر، ولظروف مادية توقفنا عن ذلك، إلا أننا مازلنا نمارس التبذير في كل شيء حتى فكرت في الأمر بجدية، إلى متى ونحن على هذه الحال؟ عندها طلبت من أبنائي وزوجي أن نفكر معًا في حلمنا المشترك وهو إنهاء هذا البيت والعيش فيه بعيدًا عن تعب الإيجار والتنقل من مكان إلى آخر. وبالفعل تركنا أكل المطاعم واقتصرنا على أكل المنزل، نحرص على أن يكون استخدام الهاتف النقال للضرورة، وإن سألنا عن الأقرباء فمن دون إطالة وقيل وقال، تركنا المستوصفات الخاصة، وصرنا نتعالج في المستشفيات الحكومية، اشترينا الملابس ذات السعر المتواضع، لأننا في الغالب نحب التغيير بشكل دائم؛ وبذلك استطعنا توفير 100 دينار من مصروفنا الشهري في الشهر الأول، وأنا أعتبرتها بداية جيدة ونجاحا مؤقتا ولكنه مستمر».
ربما وأنت تقرأ الآن تشعر أنك توافقنا الرأي حول موضوع الاستهلاك غير العقلاني، وربما تختلف معنا، ولكن في كل الأحوال يمكننا أن نناقش معك بعض النقاط التي تساعدنا على حساب ميزانية الأسرة، وهي خطوات عملية وبسيطة، ولكنها تؤتي أكلها بعد حين، وهي كالتالي:
الخطوة الأولى: هي الرغبة في التغيير وتهيئة كل أفراد الأسرة لهذا التغيير؛ فمن أهم الأمور في موضوع ميزانية الأسرة أن نعرف أنه لا يوجد أحد يمتلك العصا السحرية التي تمكنك أنت وأسرتك من تنظيم ميزانيتها، والسبب يعود إليك أنت وأسرتك فإن كنتم تريدون بالفعل تنظيم تلك الميزانية فإنها سوف تنتظم، وإلا فإنك مهما حاولت وحاولت واتبعت أفضل الطرق التي وضعها كبار المنظمين لميزانية الأسرة فإنها سوف تفشل بين يديك، والسبب أنك وأسرتك لا تريدون في الحقيقة تنظيم ميزانيتكم وإنما تريدون أن تعيشوا من غير تنظيم، عشعش فيكم ترهل الاستهلاك، والهدر، والبذر من غير تفكير أو عقلانية، وبالتالي تفشل جميع الأفكار والخطط.
فلا يمكن أن يضع أحد الوالدين أو كلاهما تلك الخطة أو على أقل تقدير الرغبة والسعي للتغيير من غير أن يوافق عليها بقية أفراد الأسرة، فإن وافقوا عليها فإنه يمكن أن نتبع بقية الخطوات، وإلا فإنّ الخطة ستفشل شئنا ذلك أم أبينا. ومن أهم الأمور التي يجب مناقشتها مع أفراد الأسرة أهمية وضع ميزانية استهلاك للأسرة وأهدافها.
الخطوة الثانية: كتابة الإيرادات، لنجاح إدارة الأسرة المالية ينبغي كتابة كل دخل أفراد الأسرة، سواء كانت راتبًا شهريًا، أو دخلاً إضافيًا مثل إيجار عقار، أو ميراث، أو عائد استثماري أو أي شيء آخر، المهم أنه يسهم بصورة شهرية وثابتة في دخل الأسرة.
الخطوة الثالثة: اعزل مبلغا ثابتا للادخار مهما كان هذا المبلغ قليلاً، وأدخله في حساب خاص في البنك الذي تتعامل معه، وهذا يجب أن يتم قبل أن تفكر في المصروفات.
الخطوة الرابعة: أكتب كل مصروفات أفراد العائلة، واقسمها على نوعين أو عدة أنواع بحسب ما تجد، وربما يجب أن تبدأ بالقروض الدائمة، قرض البيت أو إيجار البيت أو الشقة التي تسكن فيها، قرض السيارة، مبلغ قدره (..) للمشروبات والمأكولات، مبلغ قدره (..) لتعليم الأبناء، أدوية ومستشفيات، فواتير الكهرباء والماء، تحديد مصاريف الأبناء وما إلى ذلك لنعتبر أن هذه المصروفات ثابتة ومهمة لذلك لا يمكن تجاهلها أو إهمالها مهما كانت الظروف.
وهناك نوع آخر من المصروفات، وهي المصروفات التي يمكن أن نعتبرها مصروفات ثانوية، مثل: شراء الملابس، ودفع فواتير التلفون والإنترنت، والترفيه والخروج إلى المجمعات التجارية من أجل التسوق والترفيه، وشراء الكماليات مثل استكمال بعض الأثاث وتجميل السيارة والمنزل وما إلى ذلك.
ومن الجدير بالملاحظة أن النوع الثاني من المصروفات والمشتريات يمكن الاستغناء عنه بطريقة أو بأخرى، أو من شهر إلى آخر من أجل تنظيم ميزانية الأسرة بضعة أشهر.
الخطوة الخامسة: الالتزام بالجدول الذي تم الاتفاق عليه للمصروفات، فلا نحول مبلغا ماليا من بند إلى بند آخر، ولا نعطي هذا على حساب ذاك، لذلك يجب أن يضع الزوجان دفترًا خاصًا للحسابات الأسرية ولا يشترط أن يكون على أنظمة المحاسبة المعتمدة، بل المهم أن تبين فيه الإيرادات والمصروفات والتوفير، ليقوم الزوجان بالمتابعة والمراقبة، وإذا كان أحد الزوجين يحب التعامل مع الحاسوب فهناك اليوم عديد من البرامج الخاصة بمتابعة الميزانية الشخصية.
ولكن من ناحية أخرى لا بدَّ أن يكون من يتعامل مع التخطيط والميزانيات مرنًا، وذلك تحسبًا للظروف والطوارئ التي قد تحتاج إليها الأسرة من غير حساب، فيكون مستعدًا لذلك، بحيث يجعل الميزانية تستوعب أي مستجدات طارئة.
الخطوة السادسة: إن المحافظة على ميزانية الأسرة تتطلب معرفة الخطط المستقبلية للعائلة والأهداف التي يسعى الوالدان لتحقيقها حتى يستطيعا أن يدخرا من المصروف ما يلبي حاجات الأسرة المستقبلية من بناء البيت وزواج الأولاد والمصاريف الصحية عند الكبر وغير ذلك.
الخطوة السابعة: يفضل أن نفكر بطريقة إبداعية في التوفير؛ فعلى الزوجين أن يتبنيا أسلوبًا مبتكرًا للتوفير من الإيرادات حتى تكون الميزانية قوية، فمثلاً يسميان أسبوعًا من الأسابيع «لا شيء» بمعنى أن يحاولا التقليل من المصاريف فيه بقدر الإمكان. أو أن يقتطعا مبلغًا معينًا من الإيراد ليدخلاه في حساب معين لا يمس وكأنه مصروف ثابت شهري لكنه يكون للتوفير، أعرف شخصًا لديه أربعة حسابات في البنك، وعندما سألته مرة عن السبب فقال: الحساب الأول، للمصاريف المنزلية، والحساب الثاني أستخدمه للطوارئ، والحساب الثالث للتوفير، والحساب الرابع أدخر فيه للإجازة الصيفية، فقلت له والله إنه إبداع في التوفير.
عمومًا، إن تنظيم ميزانية الأسرة لا يعني أبدًا التقتير على المنزل والعائلة، وإنما في هذا العصر تحتاج الأسرة فيه إلى إعادة التفكير في هذا الموضوع بطريقة أو بأخرى، لذلك شئنا أم أبينا، فإن العصر يفرض علينا شيئًا من هذا التفكير.
ومن جانب آخر ما ذكرناه ما هو إلا بعض الإرشادات في تنظيم ميزانية الأسرة، وعلى ذلك فإن على كل أسرة وعائلة أن توجد لنفسها المنهج المناسب في تنظيم الميزانية، المهم ألا يترك الحبل على الغارب، فتصبح العائلة بعد عدة سنوات تشتكي مذلة الديون.

Zkhunji@hotmail.com





كلمات دالة

aak_news