العدد : ١٥٤٨٢ - الأربعاء ١٢ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٢ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٨٢ - الأربعاء ١٢ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٢ ذو الحجة ١٤٤١هـ

أبيض وأسود

هشام الزياني

riffa3al3z@gmail.com

وثيقة القضاء من عمر إلى أبي موسى الأشعري..!



 لا توجد فضيلة أجمل من إعادة الحق إلى صاحب الحق، ولا تحمد القوة والسلطة في موضع أكثر من موضع نزع الباطل من الجاني وإعطائه لصاحب الحق، فالقوة هنا تصبح في أجمل مواقعها، حين تعيد الحق إلى صاحبه، وتنزعه من يد الباطل.
للقضاء مكانة كبيرة في الاسلام، فهو ملاذ المتخاصمين، وهو حصن العدل الذي يقوّم الاعوجاج والتعديات، ويحفظ حقوق المجتمع الناس.
توقفت كثيرا وأنا أهم بقراءة رسالة الخليفة الراشد العادل عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين كان أمير المؤمنين، وأراد ان يولي قاضيا من صحابة رسول الله (ص) الكرام على القضاء في الكوفة والبصرة، كان ذلك في سنة 21 للهجرة.
الرسالة التي بعثها عمر أصبحت وثيقة مهمة للقضاء، ومرجعا أصيلا للفقه، حتى ان هذه الوثيقة ترجمت الى ثلاث لغات هي الانجليزية، والفرنسية والالمانية لما لها من أهمية في ترسيخ أصول وقواعد التقاضي وحفظ حقوق الناس.
هذه رسالة عمر بن الخطاب الى أبي موسى الأشعري (رضى الله عنهما) حين ولاه قضاء الكوفة والبصرة قال في الرسالة:
«ان القضاء فريضةٌ محكمةٌ، وسنةٌ متبعةٌ، فافهم إذا أدلي إليك، فإنه لا ينفع تكلّمٌ بحق لا نفاذ له.
وآسِ بين الناس في وجهك ومجلسك وقضائك، حتى لا يطمع شريفٌ في حيفك، ولا ييأس ضعيفٌ من عدلك.
البينة على مَن ادعى، واليمين على من أنكر، والصلح جائزٌ بين المسلمين، إلا صلحًا أحلّ حرامًا، أو حرّم حلالًا، ومن ادعى حقًّا غائبًا أو بينةً فاضرب له أمدًا ينتهي إليه، فإن جاء ببينةٍ أعطيته بحقه، فإن أعجزه ذلك استحللت عليه القضية، فإن ذلك أبلغ في العذر وأجلى للعمى.
ولا يمنعك من قضاءٍ قضيته اليوم فراجعت فيه لرأيك وهديت فيه لرشدك أن تراجع الحق، لأن الحق قديمٌ، لا يبطل الحق شيء، ومراجعة الحق خيرٌ من التمادي في الباطل.
والمسلمون عدولٌ، بعضهم على بعضٍ في الشهادة، إلا مجلودا في حدٍّ أو مجربا عليه شهادة الزور، أو ظنينا في ولاءٍ أو قرابةٍ، فإن الله -عز وجل- تولى من العباد السرائر، وستر عليهم الحدود إلا بالبينات والأيمان.
ثم الفهم الفهم فيما أدلي إليك مما ليس في قرآنٍ ولا سنةٍ، ثم قايس الأمور عند ذلك، واعرف الأمثال والأشباه، ثم اعمد إلى أحبها إلى الله فيما ترى، وأشبهها بالحق، وإياك والغضب والقلق والضجر والتأذي بالناس عند الخصومة والتنكر.
فإنَّ القضاء في مواطن الحق يوجب الله له الأجر، ويحسن به الذخر، فمن خلصت نيته في الحق ولو كان على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزيَّن لهم بما ليس في قلبه شانه الله، فإن الله -تبارك وتعالى- لا يقبل من العباد إلا ما كان له خالصًا».
انتهت هذه الوثيقة المهمة في القضاء والتي سطرها الخليفة العادل عمر بن الخطاب، وأحسبها من أفضل ما تم تأصيله في شأنه مهم كالقضاء بين الناس.
وددت لو ان هذه الوثيقة تدرس بين فترة وأخرى للقضاة، ففيها ما فيها من معان ومن ثوابت، ومن أصول تزيد من مدارك وفهم القاضي والذي يتولى أمر إعادة الحقوق الى المتخاصمين.
لا نريد ان نقول أكثر في هذا الشأن، فالقضاء اليوم يحكم بين الناس بالقانون الوضعي، بينما ليس هذا حديثنا اليوم، وإنما ما يقلق الناس أكثر هو إطالة أمد التقاضي في المحاكم، فيصبح صاحب الحق وكأنه هو من أجرم، وينتظر سنوات (.....) ليبت في أمر قضيته ويعود إليه الحق.
نتمنى اليوم ان يعجل في البتّ في قضايا الناس في المحاكم، وان يكون العدل (ووثيقة عمر) نصب عين القاضي، فرغم مكانة القاضي مجتمعيا فإن المسؤولية على عاتقه جسيمة، وعظيمة، فغدا يقف الجميع أمام ملك الملوك الذي يعدل ولا يظلم، والحذر ان يقف القاضي أمام ملك الملوك وقد ظلم إنسانا بعلم.









riffa3al3z@gmail.com


إقرأ أيضا لـ"هشام الزياني"

aak_news