العدد : ١٥١٨٦ - الاثنين ٢١ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٦ - الاثنين ٢١ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ صفر ١٤٤١هـ

الاسلامي

تأمــلات في سير الصحابة والصحابيات أُبــي بـن كـعـب رضـي اللـه عـنــه

الجمعة ٠٣ يونيو ٢٠١٦ - 03:00



أبي بن كعب.. اسمه ولقبه وصفته:
هو أُبيّ بن كعب بن قيس الأنصاري الخزرجي, له كنيتان: أبو المنذر؛ كناه بها النبي, وأبو الطفيل؛ كناه بها عمر بن الخطاب بابنه الطفيل. وأمه صهيلة بنت النجار, وهي عمة أبي طلحة الأنصاري. وكان أُبيّ أبيض الرأس واللحية لا يخضب (أي لا يـُغير لونهما بالحناء أو غيرها).
إسلام أبي بن كعب:
كان ممن أسلم مبكرًا, وقد شهد بيعة العقبة الثانية, وبعد الهجرة آخى الرسول بينه وبين سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل.
أثر الرسول في تربية أبي بن كعب:
روى الإمام أحمد بسنده عن أبي هريرة, عن أبي بن كعب قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(ألا أعلمك سورة ما أنزل في التوراة ولا في الزبور ولا في الإنجيل ولا في القرآن مثلها؟ «قلت: بلى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فإني أرجو ألا أخرج من ذلك الباب حتى تعلمها) ثم قام رسول الله فقمت معه, فأخذ بيدي فجعل يحدثني حتى بلغ قرب الباب. قال: فذكّرته فقلت: يا رسول الله, السورة التي قلت لي. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فكيف تقرأ إذا قمت تصلي؟)» فقرأ بفاتحة الكتاب, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(هي هي, وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيتُه).
ملامح من شخصية أبي بن كعب:
عميد قرّاء الصحابة: روى البخاري بسنده عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: قَالَ النَّبِيُّ لأُبَيٍّ:-(إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ) {لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} قَالَ: وَسَمَّانِي؟! قَالَ: «نَعَمْ», فَبَكَى فكان ممن جمعوا القرآن على عهد رسول الله؛ ففي البخاري بسنده عن قتادة قال: سألت أنس بن مالك: من جمع القرآن على عهد النبي؟ قال: أربعة كلهم من الأنصار: أبي بن كعب, ومعاذ بن جبل, وزيد بن ثابت, وأبو زيد رضي الله عنهم جميعًا.
وقد شهد له الرسول بأنه أقرأ الأمة؛ فعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أرحم أمتي بأمتي أبو بكر, وأشدهم في أمر الله عمر, وأصدقهم حياء عثمان وأقرؤهم لكتاب الله أُبيّ بن كعب, وأفرضهم زيد بن ثابت, وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل, ألا وإن لكل أمة أمينًا, وإن أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح).
ويشهد له رسول الله بسعة علمه: ففي صحيح مسلم بسنده عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أبا المنذر، أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟) «قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال صلى الله عليه وسلم: (يا أبا المنذر, أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟) قال: قلت: «اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ». قال: فضرب في صدري وقال: (وَاللَّهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ). وقد أخذ عن أُبيّ قراءة القرآن: ابنُ عباس, وأبو هريرة, وعبدُ الله بن السائب.
إن أبا المنذر الذي هنأه الرسول الكريم بما أنعم الله عليه من علم وفهم هو أبيّ بن كعب الصحابي الجليل.. هو أنصاري من الخزرج, شهد العقبة, وبدرا, وبقية المشاهد وبلغ من المسلمين الأوائل منزلة رفيعة, ومكانا عاليًا, حتى لقد قال عنه أمير المؤمنين عمر رضي الله عنهما:
«أبيّ سيّد المسلمين» وكان أبيّ بن كعب في مقدمة الذين يكتبون الوحي, ويكتبون الرسائل، وكان من حفظة القرآن الكريم, وترتيله, وفهم آياته, قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما:
«يا أبيّ بن كعب.. اني أمرت أن أعرض عليك القرآن». وأُبيّ يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما يتلقى أوامره من الوحي.. هنالك سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم في نشوة غامرة: يا رسول الله بأبي أنت وأمي.. وهل ذُكرت لك باسمي؟! «فأجاب الرسول صلى الله عليه نعم باسمك ونسبك في الملأ الأعلى». وطوال سنوات الصحبة وأبيّ بن كعب قريب من رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهل من معينه العذب المعطاء.
وبعد انتقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى ظلّ أبيّ على عهده الوثيق، في عبادته، وفي قوة دينه, وخلقه، وكان دائمًا نذيرًا في قومه، يذكرهم بأيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كانوا عليه من عهد, وسلوك وزهد، ومن كلماته الباهرة التي كان يهتف بها في أصحابه:
«لقد كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجوهنا واحدة.. فلما فارقنا اختلفت وجوهنا يمينا وشمالا».. ولقد ظل مستمسكا بالتقوى، معتصما بالزهد، فلم تستطع الدنيا أن تفتنه أو تخدعه، ذلك أنه كان يرى حقيقتها في نهايتها، فمهما يحيا الإنسان ومهما يتقلب في المناعم والطيبات, فإنه ملاق يومًا يتحول فيه كل ذلك إلى هباء، ولا يجد بين يديه إلا ما عمل من خير, أو ما عمل من سوء.
وكان أُبيّ إذا تحدّث للناس استشرفته الأعناق والأسماع في شوق وإصغاء، ذلك أنه من الذين لم يخافوا في الله أحدًا, ولم يطلبوا من الدنيا غرضًا.
وحين اتسعت بلاد الإسلام, ورأى المسلمين يجاملون ولاتهم في غير حق, وقف يرسل كلماته المـُنذرة: «هلكوا ورب الكعبة.. هلكوا وأهلكوا.. أما اني لا آسى عليهم، ولكن آسى على من يـُهلكون من المسلمين».
وكان على كثرة ورعه وتقاه، يبكي كلما ذكر الله واليوم الآخر.
وكانت آيات القرآن الكريم وهو يرتلها، أو يسمعها, اهتز وارتجف كل كيانه.. وإن آية من تلك الآيات الكريمة كان إذا سمعها أو تلاها يغشاه من الأسى ما لا يوصف.. تلك هي:
(قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم, أو من تحت أرجلكم, أو يلبسكم شيعًا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نـُصـِّرف الآياتِ لقوم يفقهون) سورة الأنعام / الآية 65
كان أكثر ما يخشاه أبيّ على الأمة الإسلامية أن يأتي عليها اليوم الذي يصير بأس أبنائها بينهم شديدا, وكان يسأل الله العافية دائمًا, ولقد أدركها بفضل من الله ونعمة.
ويكتب الوحي لرسول الله
أول من كتب لرسول الله عند مَقدمهِ المدينة أُبي بن كعب, فإذا لم يحضر دعا رسول الله زيد بن ثابت فكتب.
في بيته يُؤتى الحَكَم
عن ابن سيرين قال: اختصم عمر بن الخطاب ومعاذ بن عفراء رضي الله عنهما, فحكَّما أبي بن كعب فأتياه, فقال عمر بن الخطاب: في بيته يُؤتَى الحَكَمُ. فقضى على عمر باليمين فحلف, ثم وهبها له معاذ.
وعن أبي بن كعب قال: كان رسول الله إذا سلم في الوتر قال: «سبحان الملك القدوس».
بعض كلماته:
من أقواله: تعلموا العربية كما تتعلّمون حفظ القرآن. وقوله: الصلاة الوسطى صلاة العصر. وقوله أيضًا: ما ترك عبد شيئًا لا يتركه إلا لله إلا آتاه الله ما هو خير منه من حيث لا يحتسب، ولا تهاون به فأخذه من حيث لا ينبغي له إلا أتاه الله بما هو أشد عليه.
الوصية
قال رجلٌ لأبي بن كعب: (أوصني يا أبا المنذر). قال: (لا تعترض فيما لا يعنيك، واعتزل عدوَّك، واحترس من صديقك، ولا تغبطنَّ حيًّا إلا بما تغبطه به ميتًا، ولا تطلب حاجةً إلى مَنْ لا يُبالي ألا يقضيها لك).
وفاته:
وقد اختلف المؤرخون في سنة وفاته، فقيل: تُوُفِّي في خلافة عمر سنة تسع عشرة هجرية, وقيل: سنة اثنتين وعشرين. وقيل: إنه مات في خلافة عثمان سنة اثنتين وثلاثين هجرية, قال في المستدرك: وهذا أثبت الأقاويل؛ لأن عثمان أمره بأن يجمع القرآن.
عن عبدالله بن أبي نُصير قال: عُدْنا أبي بن كعـب في مرضه –الذي مات فيه- فقال أبي بن كعب: (اللهم إنّي أسألك أن لا تزال الحُمّى مُضارِعةً لجسدِ أبيّ بن كعب حتى يلقاك, لا يمنعه من صيام ولا صلاة ولا حجّ ولا عُمرة ولا جهاد في سبيلك). فلم تفارقه الحمى حتى مات, ولقي ربه مؤمنًا, وآمنًا ومـُثابًا. رضي الله عنه وأرضــاه.
يقول عُتيّ السعديّ: قدمت المدينة وإذا الناس يموج بعضهم في بعـض. فقلت: (ما لي أرى الناس يموج بعضهم في بعض؟) فقالوا: (أما أنت من أهل هذا البلد؟) قلت: (لا) قالوا: (مات اليوم سيد المسلمين، أبيّ بن كعب).
والله تبارك وتعالى أعلى وأعلم.
فؤاد إبراهيم عبيـــد






كلمات دالة

aak_news