العدد : ١٥١٨٦ - الاثنين ٢١ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٦ - الاثنين ٢١ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ صفر ١٤٤١هـ

الاسلامي

الدكتور عبد الحميد سعيد..
المجاهـد الكبـير المـفترى علـيـه (4)

بقلم: د. غريب جمعة

الجمعة ٠٣ يونيو ٢٠١٦ - 03:00



ذكرنا في الحلقة السابقة أن الدكتور عبدالحميد تعرض لما يجرى في الجامعة من كتب وأراء وأقوال تساعد على نشر الإلحاد بدعوى حرية الفكر واعترض على نظرية فصل الدين عن التعليم.
كل ذلك في مواجهة وزير المعارف الذي كان حاضرا في تلك الجلسة وعندئذ قال وزير المعارف:
هل لحضرة النائب أن يذكر أمثلة لما يقول؟
وانظر أخي القاري إلى جرأة الدكتور عبدالحميد عند إجابته عن سؤال وزير المعارف وهو من هو حينئذ. لقد قال الرجل في صراحة وجرأة أدهشت الجميع حتى اتهموه بالتهور!!
«أرجو من معالي وزير المعارف ألا يقاطعني!! فإن كان معاليه يجهل الأمثلة التي يطالبني بذكرها، والتي تثبت الاعتداء على الدين والفضيلة والأخلاق في كلية الآداب فلا يصح أن يبقى في كرسي الوزارة، وليت هذا الفساد كان مقصورا على الجامعة، بل تعداها إلى المدارس المصرية، بل تسرب إلى بعض البلاد العربية، أنا لا أريد الحجر على حرية الرأي بل أقول إن لها حدودا يجب ألا تتعداها، فإذا تعدتها قضينا على النظام والأخلاق».
هذا هو سبب اتهام عبدالحميد سعيد بأنه يحمي معاقل الرجعية. ومن العجب أن كاتبا فاضلا من خارج مجلس النواب وجَّه سؤالا إلى وزير المعارف على صفحات الجرائد هو:
«أي كتاب يطعن في المسيح عليه السلام أو في الإنجيل أبيح تقريره في جامعات إنجلترا وباريس، وهي جامعات الفكر الحر في رأي من يؤيدون هذا الاتجاه؟! (وبالطبع لا إجابة).
ونقول: هل تعتبر المواجهة بالحقيقة للمسؤول ولو كان وزيرا وعدم الرضا عن هذه الحقيقة تعتبر تهورا ورجعية أم أنها نصرة للحق وتصحيح للفكر وتقويم للمسار؟
ومن العجب أن الذين اتهموا الرجل بالرجعية والتهور نسوا تماما أنه حصل على درجة الدكتوراه في القانون من باريس!!
قد ذكرنا أن الرجل كان صاحب عقيدة راسخة وغيرة شديدة على دينه ووطنه وصاحب رغبة جارفة في أن يخدمهما ولكنه نظر إلى الأحزاب السياسية فوجد أن لكل حزب منها شأنا يغنيه وكل حزب بما لديهم فرحون وإليه يدعون. ولا يكاد أي حزب منها يفكر في شيء يتصل بالإسلام كما وجد أن الجمعيات غير الإسلامية مثل جمعية الشبان المسيحية وغيرها من جمعيات الطوائف الأخرى تحتل مواقع متميزة في قلب العاصمة وتؤدي عملها في صمت وجد وتعلن عن محاضراتها العامة وهي محاضرات ظاهرها تثقيف رواد تلك الجمعيات وباطنها يبعد تماما عن التقاليد الإسلامية بل ربما يجافيها وفي نفس الوقت يمجد التقاليد الأوروبية ويغري الشباب بها.
كما أن الجمعيات الإسلامية القائمة مثل جمعية المواساة وجمعية الهداية والجمعية الخيرية الإسلامية تدور محاضراتها في فلك يكاد يكون واحدا وهو الوعظ والتوجيه الأخلاقي أما دور الإسلام في إنقاذ البشرية وهدايتها إلى أمرها الراشد وسبيلها القاصد ونظام الحكم والعلاقات الدولية إلى كل ذلك لم يتعرض له الوعاظ في تلك الجمعيات، فبدأ يتحدث عن إنشاء جمعية تتناول هذه الأغراض وعرض فكرته على مشاهير عصره أمثال: السيد محب الدين الخطيب والشيخ عبدالعزيز جاويش وأحمد باشا تيمور واقترح أن يطلق على هذه الجمعية اسم: «جمعية الشبان المسلمين» وقد أدهشه تجاوب الجميع مع فكرته في فتره وجيزة جعلت الجمعية حقيقة واقعة وأقيمت حفلة بمناسبة إنشاء هذه الجمعية افتتحها العلامة الجليل الشيخ الخضر حسين، حيث أوضح فيها ببيانه الرائع ورأيه السديد ومنطقه أهداف الجمعية وما ينتظر أن يتحقق على يديها، وقد جاء في هذه الكلمة:
«إذا قالوا لكم ــ أي المناهضون للجمعية ــ إن رابطتكم هذه ستؤثر على الوحدة القومية والرابطة الوطنية فأرشدوهم إلى الجمعيات غير الإسلامية الموجودة في البلد، فحسبهم إذا رأوها أن يكون ذلك جوابا، كما أفاض في الحديث عن عالمية الإسلام مبينا أنه الدين الوحيد الذي نجح في تطبيق معنى الإخاء خارج حدود الممالك، وحواجز الجنسيات حتى صار المراكشي أخا المصري، بمجرد كونهما مسلمين، فيستطيعان أن يتحدثا في أنظمة الأحوال الشخصية وحياة الأسرة وغيرها».
وكأنما كانت الجمعية هوى صادف قلوبا خالية فتمكن منها، فانتشرت فروعها في أنحاء مصر والشام والعراق وغيرها وأصبح مركزها العام بالقاهرة ممرا ومقرا لكل زعيم ومجاهد إسلامي يزور القاهرة فيلقى أهلا بأهل وإخوة بإخوة وأحبابا بأحباب.
وقد تعهد الدكتور عبدالحميد بالترحيب التام بضيوف الجمعية الذين ينزلهم منزلا كريما في سخاء يد وسماحة نفس وكرم لا يبارى مبتغيا بذلك وجه ربه الأعلى.. ولا نزكيه على الله. وجعل من قاعة المحاضرات بها منبرا عالميا عاليا تجلجل أصوات الإعلام من فوقه من أمثال عبدالعزيز الثعالبي التونسي، ومولانا شوكت علي الزعيم الهندي والمجاهد الكبير الحاج أمين الحسيني الزعيم الفلسطيني ومحمد مرمديوك الإنجليزي الذي اعتنق الإسلام والداعية العالمي عبدالرشيد إبراهيم داعية الإسلام في اليابان وغيرها والحسن العربي بوعباد العالم المغربي وغيرهم كثير.
وبدأت الجمعية رسالتها الكبيرة في ثبات وتوفيق من الله عز وجل، وتعددت مؤتمراتها السنوية المهمة برئاسة رئيسها الدكتور عبدالحميد سعيد الذي اختاره الجميع رئيسا مدى الحياة، وكانت موضوعات المؤتمرات هي الأمراض الاجتماعية والعلل الأخلاقية التي يعاني منها العالم الإسلامي شرقا وغربا وكيف يمكن علاج تلك العلل والأمراض كما حدث عند قيام الحكومة الإيطالية بإغلاق الزوايا السنوسية، وقيام حكومة أتاتورك في أنقرة بإغلاق ثمانين مسجدا، وما تمارسه حكومة الاتحاد السوفيتي من بطش واضطهاد للمسلمين وترحيلهم وطردهم من أوطانهم ومصادرة الأوقاف وممتلكاتها العامة.
وهكذا تبحث هذه الموضوعات الخطيرة في المؤتمر ثم يصدر المؤتمر قراراته مستنكرا هذا العدوان مُظهرا للعالم الإسلامي ما كان غائبا عنه داعيا إلى التناصر والتآزر بين أبنائه لدفع هذا العدوان الظلوم الغشوم.
وإلى حلقة قادمة إن شاء الله.






كلمات دالة

aak_news