العدد : ١٥١٨٦ - الاثنين ٢١ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٦ - الاثنين ٢١ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ صفر ١٤٤١هـ

الاسلامي

أيـــــــن الـخـــــلل؟ (2)

بقلم: أ. د. أمين عبداللطيف المليجي

الجمعة ٠٣ يونيو ٢٠١٦ - 03:00




كنا قد بدأنا الحديث في المقالة الماضية، وطرحنا أسئلة حول ما يحدث من أحداث مرتبطة بالفكر الذي يحمله بعض الشباب، وقد تطرف بهم هذا الفكر، وتساءلنا عن الأسباب، وقلنا أين الخلل؟ ليس جدلا ولكن محاولة لفهم الأسباب للوصول إلى علاج للمشكلة، ثم انتقلنا إلى سؤال أعمق، هل الخلل في العقيدة؟ أم فيمن يحملون فكرا معينا من أهل العقيدة؟ ثم بدأنا بمناقشة السؤال حول العقيدة، وطرحنا عدة أسئلة، وقد جاء الرد على هذه الأسئلة من المصدرين الأساسيين للعقيدة، وهما كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وقد وصلنا إلى سؤال وهو هل العقيدة تدعو إلى قتل الناس وترويع الآمنين وتخويفهم، أم تدعو إلى حفظ أرواح الناس وعدم ترويعهم أو تخويفهم؟ وذكرنا قول الحق سبحانه للرد على ذلك «وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالحَقّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سُلْطَـنًا فَلاَ يُسْرِف فّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا(الإسراء:33)»، وكذلك موضوع ترويع الآمنين وتخويفهم نجد أن الإسلام نهى عن ذلك، وكانت تعاليم الرسول للفاتحين بألا يقتلوا شيخا كبيرا أو طفلا أو امرأة ولا يقتلوا المسالمين من الناس، وألا يقطعوا شجرة، وقصة الرجل الذي أتى إلى الرسول يطالبه بدين له على الرسول، ثم أغلظ القول للرسول، وقال له أنتم قوم مطل، أي لا تؤدوا الدين في وقته، وكان سيدنا عمر رضي الله عنه حاضرا، فأراد أن ينهى الرجل ولكن بشدة روعت الرجل، فما كان من الرسول إلا أن أمر سيدنا عمر بأن يأخذ الرجل إلى بيت المال يعطيه حقه ثم يزيد قدرا آخر من المال قدر ما روع الرجل وأخافه، ثم أرجع إلى أمر السلام والتعارف، ونسأل، هل أمرت العقيدة بعدم التعارف ومقاطعة الناس، أم أمرت بالتعارف بين الناس؟ نجد الرد في قوله تعالى «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» (الحجرات: 13). فهل بعد ذلك يأتي من يقول لا تلقوا السلام على غير المسلمين حتى يلقوا هم، هل هذا كلام يقبله عقل؟ كيف لا ألقي السلام على زميلي في العمل وقد يصل الأمر إلى أننا نجلس سويا وقتا طويلا؟ وقد علمنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن نلقي السلام ونحن في وضع يسمح بأن نلقيه أولا، فإن كنا واقفين نلقي السلام على من يقعد، وإذا كنا نمشي فإننا نلقي السلام على من يقف، وإذا كنا راكبين فإننا نلقي السلام على الماشي والجالس، وهكذا يتضح لنا أن من يقول عكس ذلك فقد جانبه الصواب، فكيف يكون الحال إذا لم تلق السلام على زميلك؟ سوف يترتب على ذلك أمور كثيرة، منها فساد العلاقة بين زملاء العمل، فيقل التعاون وتقل الفائدة المطلوبة من العمل، وصيغة السلام هنا تقدر بقدرها، فالمسلم يعرف ما سوف تسلم به عليه، أما غير المسلم فلا يعرف، وهنا يجب أن نعرف طريقة السلام التي يعرفها غير المسلم ونسلم عليه بها، وهنا يتحقق ما أمر به الحق وهو أنه خلقنا شعوبا وقبائل مختلفة لكي نتعارف ونتعاون، والعقيدة لله سبحانه، حتى أنه جاء بها بعد التعارف بين الشعوب أولا، ثم ترك مسألة الإيمان اختيارا، كما قال سبحانه «وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ» (الكهف: 29) كأن الله سبحانه يحثنا ويأمرنا أولا بالمعرفة والتعاون مع الناس في الخير لنفع البشرية، مثلا التعاون في البحث العلمي الذي يتم بيني وبين الباحث غير المسلم، سوف تكون ثمرته لكل البشرية إن كان دواء أو منتجا غذائيا أو غيره يفيد البشرية كلها، بعد ذلك سوف يقدر الحق كل شخص بقدر معرفته به، فهل نتمهل ونفكر قليلا ونحن نتكلم في هذه الأمور ونلقيها جزافا بين الناس، لأن الناس مختلفة ليس كلهم على قدر من المعرفة والعلم يستطيعون به تمحيص الأمور، ومعرفة إذا كان ما يقال هو الصواب أم لا، ومن هؤلاء الناس الشباب الصغير الذي يكون في مرحلة التعليم، ويكون عقله متنقلا بين الأفكار، لا يعرف حقها من باطلها، ماذا يكون الحال عندما يسمع أو يقرأ هؤلاء الشباب عن عدم جواز السلام على غير المسلمين وأن نتركهم حتى يبدأوا بالسلام؟ هذا أمر يبني حواجز صلبة في العقول ويجعلنا في عزلة مصطنعة، وتكون النتيجة وخيمة على شباب يأخذ هذا الفكر ويتطرف به، ويكون سهلا بعد ذلك أن يُملى عليه فكر بعينه أشد خطرا، ويكون سهلا إقناعه بأن قتل الناس من غير المسلمين حلال وسوف يوصله للجنة، وغير ذلك من الأفكار التي تجعل العقل لا يقبل فكرة التعايش أو السلام، طالما أنك زرعت في عقله أنه لا يجوز السلام على غير المسلمين حتى يبدأوا بالسلام، وهذا مخالف لكل ما أمر الحق ورسوله به من معرفة الناس ومعاملتهم معاملة حسنة كريمة، وزيارتهم ومعاودتهم إذا مرضوا، والسؤال عنهم وتهنئتهم في أعيادهم، فكر يحرم على المرأة قيادة السيارة ويحلل لها الركوب مع سائق من غير أهلها ويأمنها معه؟!!! هل هذا شيء يقبله عقل يفكر؟ فكر لا يقبل المرأة أن تحكم، وقد ذكر الحق في كتابه الكريم عكس ذلك، وأعطى مثالا يحتذى به لبلقيس ملكة سبأ؟ هذا الفكر المتأصل في العقول من أزمنة بعيدة يجب أن نهجره، ولا نجعله ينتشر بين الناس، فكر جعل المسلمين في عزلة عن العالم، وهم غير ذلك، للأسف الشديد قليل ممن يحملون هذا الفكر، ولكن بأفعالهم يجعلون الأمر كأن كل المسلمين كذلك، وإذا نظرنا إلى عدد المسلمين حول العالم نجدهم قد تجاوز المليار ونصف المليار، ونسبة من يحمل فكرا كالذي نناقشه لا تصل إلى 1% بل أقل، عرفنا الآن الإجابة عن السؤال الثاني، وهو هل الخلل في فكر أصحاب العقيدة؟ أعتقد أنَّ الإجابة واضحة، وما علينا إلا أن نعمل العقل ولا نتركه فريسة أفكار لا تمت إلى الإسلام بصلة، وهذا دور أهل العلم الحق، أن يجتهدوا ليبينوا للناس الفكر الصحيح، ثم يأتي دور أولي الأمر بمساعدة أهل العلم بكل ما يحتاجون إليه من وسائل تعينهم على اجتهادهم وسعيهم لتصحيح الفكر المضلل الذي لا يقود إلى خير أبدا.






كلمات دالة

aak_news