العدد : ١٥٠٦٩ - الأربعاء ٢٦ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ شوّال ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٦٩ - الأربعاء ٢٦ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ شوّال ١٤٤٠هـ

شرق و غرب

صــراع في صلب الحضارة العربية

بقلم: انطون لاجارديا

الخميس ٠٢ يونيو ٢٠١٦ - 03:00



قبل مائة سنة من الآن أبرمت بريطانيا وفرنسا في كنف السرية التامة معاهدة سايكس بيكو التي قلمت أظافر الامبراطورية العثمانية. لا يزال التاريخ العربي يكتب حتى اليوم بالدم. في هذا المقال يركز الكاتب أنطون لاجارديا على تحليل مواطن فشل الدول العربية في المنطقة.
في منطقة جبلية قاحلة تطل على سهول نينوى في العراق يطالعك دير السريان الأرثوذكس -مار متى- وهو يقف شاهدا على المخاض العسير الذي يعيشه اليوم العالم العربي. يعود بناء هذا الدير الصغير إلى القرن الرابع وهو يوجد على مقربة من مدينة الموصل وهو يعتبر بمثابة الحدود الجغرافية الطبيعية. فهناك تنتهي سهول بلاد ما بين النهرين وتبدأ سلسلة جبال «زجروس» وهنا أيضا ينتهي المزارعون العرب إلى حيث تبدأ مناطق القبائل الكردية. أما من الناحية الأخرى فنرى الجبال الصخرية المترامية التي تبدأ من العراق لتصل إلى سلطنة عمان وهي تعتبر من أغنى المناطق النفطية.
لقد شهد دير «مار متى» تعاقب الكثير من الجوش مثل الساسانيين والعرب والسلاجقة والمغول والصفويين والعثمانيين. أما البريطانيون فقد ضموا مدينة الموصل إلى الكيان الجديد – العراق – الذي انبثق عن معاهدة سايكس بيكو وقد حكمها البريطانيون بعد أن قام الأوروبيون بتمزيق أوصال الإمبراطورية العثمانية عقب نهاية الحرب العالمية الأولى (1914-1918). ظل العراق منذ نشأته يعاني من الصراعات والاضطرابات والقلاقل الدامية.


أصبح دير «مار متى» يقف اليوم شاهدا على تفكك الدولة العراقية وتقويض النظام العربي الحديث. هماك تطلعك لافتات كبيرة كتب عليها «لا إله إلا الله» وهي تعتبر بمثابة الحدود الفاصلة ما بين عالمين بدآ يظهران من تحت الأنقاض والركام. فعلى الجهة الغربية يوجد التنظيم المتعطش للدماء والذي يسمي نفسه «الدولة الإسلامية في العراق والشام» – والذي يعرف لدى أغلب العرب فقط باسم تنظيم «داعش» والذي يسيطر على مدينة الموصل ومناطق أخرى كثيرة على طول نهري دجلة والفرات وصولا إلى الرقة ودير الزور في سوريا المجاورة.
أما إلى جهة الشرق فإننا نجد المقاتلين الأكراد المعروفين باسم «البشمركة» والذين يسيطرون على مدن اربيل والسليمانية وكركوك والجبال القريبة منهم. فتنظيم داعش يزعم أنه يطبق «شرع الله» على الأرض ويسعى إلى إعادة إحياء الخلافة الإسلامية. أما من الجهة الأخرى فإننا نجد الأكراد الذين يعيشون خليطا من الديمقراطية الحديثة الممزوجة بالنزعة القومية وهم يأملون أن يتمكنوا قريبا من إقامة دولتهم المستقلة الخاصة بهم.
تحول نظرك إلى أعلى فتسمع أزيز طائرة أمريكية من دون طيار بينما تتوالى الانفجارات البعيدة. الموصل هي ثاني أكبر المدن العراقية بعد العاصمة بغداد وهي تعتبر «الجائزة الكبرى» في هذه الحرب غير أن الغموض يلف مصيرها.
قد يكون مقاتلو تنظيم داعش الذين يسيطرون على مدينة الموصل يعانون من نقص العتاد والذخيرة جراء الحصار المضروب عليهم على أن استعدادهم للموت في عمليات انتحارية يمثل أكبر أسلحتهم الفتاكة. يقول الجنرال يهرام ياسين وهو قائد كردي محلي: «إن إمكانيات ومواد وقوات البشمركة محدودة غير أنها تقف اليوم في الواجهة وتدافع عن الانسانية جمعاء والعالم الديمقراطي».
قبل قرن من الزمن وفي يوم 16 مايو 1916، أبرمت القوى الأوروبية في كنف السرية معاهدة سايكس بيكو التي مهدت لقيام الدول العربية الحديثة في حدودها الحالية. لم تدرك القوى الأوروبية أنها خلفت وراءها نظاما بائسا يحمل الكثير من القنابل الموقوتة والعوامل التي تشعل الحروب وتؤجج الصراعات المزمنة وتدفع للانقلابات.
من المفارقات العجيبة أن العرب يشكون الفقر والخصاصة في منطقة مترعة بثروات نفطية وطبيعية هائلة لكن يمارس فيها القمع باسم العزة والعظمة العربية. إن الأرض العربية هي الأرض التي نزلت فيها الأديان السماوية الثلاثة (اليهودية، المسيحية والإسلام) غير أنها أنجبت أيضا الكثير من الناس الذين يقتلون ويزهقون الأنفس باسم الرب.
هذا العالم المفزع بصدد التفكك والتلاشي غير أن النظام الذي سيحل محله سيكون أسوأ من سابقه. لقد عمدت الولايات المتحدة الأمريكية إلى إسقاط نظام صدام حسين سنة 2003 غير أنها أغرقت العراق في الفتنة الطائفية البغيضة. أما في سوريا فإن دولة بشار الأسد تقتل شعبها وتقصفه المدنيين الأبرياء بالغازات السامة في الحرب الأهلية التي تداخلت تدريجيا مع الحرب الأهلية الدامية في العراق. انقسمت ليبيا أيضا بين حكومتين متنافستين. أما في اليمن فإن الصورة تبدو متشعبة.
في بعض الأجزاء من المنطقة العربية أصبحت الأطراف التي لا ترتقي إلى وضع الدولة أو قل من الدولة نفسها فيما تفككت القوات التي كانت تابعة لبعض الدول العربية إلى مليشيات تمارس القتل والنهب فيما تفاقمت الفتن والنزعات الطائفية التي تنخر كيان المنطقة العربية.
تفاقم الصراع بين الدول العربية – وخاصة منها الخليجية – من ناحية وإيران من ناحية ثانية ودخلت الأطراف الدولية، حيث إنَّ الولايات المتحدة الأمريكية ترسل المزيد من القوى العسكرية الخاصة وتكثف من غاراتها الجوية ضد مواقع تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام –داعش- بينما دفعت روسيا بقواتها لمساندة نظام بشار الأسد للحيلولة دون انهياره.
إن ما نشهده اليوم في المنطقة العربية ليس بصراع بين الحضارات بقدر ما هو صراع داخل الحضارة الواحدة. لقد بدأ العرب يتحولون تدريجيا إلى أمة من اللاجئين والمنفيين والمهاجرين.
هناك عوامل عديدة تفسر انهيار النظام العربي لكن يمكن أن نبرز العوامل التالية لما لها من أهمية:
فشل نظام الحكم السياسي الشمولي في المنطقة العربية – رغم أن الأنظمة الوراثية والملكية قد صمدت أكثر من الأنظمة الجمهورية العربية.
نظام الدولة الريعية العربية الذي يقوم على الموارد الطبيعية. أصبح اليوم على الدول العربية الاستمرار في هذا النظام الريعي – سواء في الدول العربية النفطية أو غيرها.
احتدام الصراع حول مكان العامل الديني في السياسة.
التدخلات الأمريكية المتتالية التي تعاقبت على الشرق الأوسط والتي زعزعت الاستقرار العربي والإقليمي كما أن سياسية الانواء التي انتهجها الرئيس الحالي باراك أوباما قد زادت الطين بلة.
ظل العرب يعاني من أزمة الشرعية حيث إنَّ الكثير من الدول العربية ينظر إليها على أنها وليدة الاستعمار. لذلك فقد سعى دعاة القومية العربية والإسلام السياسي وصولا إلى السلفية الجهادية اليوم إلى إزالة الحدود التي كرستها معاهدة سايكس بيكو وفرضتها على المنطقة العربية.
جاء الزعيم جمال عبدالناصر إلى الحكم سنة 1952 بعد الإطاحة بنظام الملك فاروق وقد وعد بتحقيق الوحدة العربية وتحرير فلسطين غير أن ذلك لم يتحقق. باستثناء الأنظمة النفطية الخليجية التي شيدت المدن الحديثة في قلب الصحراء فإن أغلب النظم الاقتصادية العربية الأخرى لم تستطع أن تحقق الرخاء الدائم والمستدام. فشلت هذه الدول في الاستفادة من العولمة.
سعت بعض الأنظمة إلى محاكاة النموذج الصيني القائم على الجميع ما بين الليبرالية الاقتصادية النسبية والقبضة السياسية الحديدية غير أن الأمر انتهى بها إلى النموذج السوفيتي. في روسيا أدى انهيار الشيوعية إلى قيام رأسمالية فاسدة. أما في العالم العربي فإنّ الليبرالية النسبية التي تحققت في فترة التسعينيات قد أدت إلى تفشي بعض مظاهر الفساد قبل أن تتسبب في تنامي الغضب الشعبي الذي أطاح ببعض النظم.
إيكونوميست




كلمات دالة

aak_news