العدد : ١٥٠٥٩ - الأحد ١٦ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ١٣ شوّال ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٥٩ - الأحد ١٦ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ١٣ شوّال ١٤٤٠هـ

شرق و غرب

السياسية الإيرانية بعد الاتفاق النووي.. من يحكم في طهران؟

الأربعاء ٠١ يونيو ٢٠١٦ - 03:00



تكاد شوارع العاصمة الإيرانية طهران تختنق. هذه العاصمة تشهد حاليا حملة دعائية عبر اللافتات التي تنتشر في الشوارع. يظهر في هذه اللافتات مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية علي خامنئي وقد كتب إلى جانب صورته الكبيرة المعممة شعار hj تمدح فضائل «اقتصاد المقاومة». يبدو أن النظام الثيوقراطي الحاكم في طهران غير مستعد اليوم لطي صفحة أيام العزلة التي واجه خلالها الغرب.
لا شك أن كل من كان يأمل أن يسهم في الاتفاق النووي – الذي أبرم في 14 يوليو 2015 ما بين نظام طهران ودول مجموعة 5+1 – في تقوية تيار الإصلاحيين على حساب المحافظين من رجال الدين وحلفائهم قد أسقط في يديه وبدأ يعيد النظر في أفكاره وتوقعاته.
لم يحقق الاتفاق النووي حتى الآن الآمال المعلقة عليه. فقد قيل لعلي خامنئي إن الاتفاق النووي سينعكس إيجابيا على الاقتصادي الإيراني المتدهور وينهي العقوبات الدولية المفروضة على الجمهورية الإسلامية ويسهم في إعادة ادماج البلاد في النظام المالي العالمي. إن ما تحقق حتى اليوم يظل متواضعا. فهل بدأت ردة الفعل؟
صحيح أن صادرات النفط الإيرانية قد ارتفعت بنسبة 60% منذ أن تقرر رسميا رفع العقوبات عن طهران في شهر يناير 2016. صحيح أيضا أن الوفود التجارية الإيرانية والغربية ظلت تتدفق في الاتجاهين غير أن نظام طهران لا يزال يجد صعوبة كبيرة ويصطدم بعقبات متعددة لاستعادة أمواله من الخارج وتحويل مذكرات التفاهم إلى صفقات وعقود حقيقية.
رغم أن وزير الخارجية الأمريكي جون كيري يشدد على أن الطريق باتت مفتوحة للتجارة المشروعة مع إيران فإن المسؤولين في الخزانة الأمريكية يعتبرون أن أي تعاملات «تطول» الولايات المتحدة الأمريكية –مثل التعامل التجاري بالدولار مع إيران– من شأنها أن تنتهك العقوبات الأمريكية المتبقية وخاصة إذا كانت هذه الصفقات والمعاملات التجارية تتم مع كيانات وجماعات مثل الجيش الإيراني أو الحرس الثوري الإيراني. نظرا إلى التعتيم الكبيرة الذي تتسم به السياسة الإيرانية، فإن هذه القيود قد تشمل أي شركة كبيرة.
في غياب الضمانات الكبيرة، فضلت كبرى البنوك العالمية النأي بنفسها حتى الآن عن دخول السوق الإيرانية وقد أخذت العبرة من العقوبات المالية الباهظة التي سلطت على مصرفBNP-Paribas سنة 2014 والتي بلغت 9 مليارات دولار.


أعادت شبكة المعاملات البنكية العالمية SWIFT ربط خدماتها بإيران غير أنه لم يتم حتى الآن تفعيلها وهو ما جعل أحد كبار المسؤولين الإيرانيين يصف الأمر بأنه عبارة عن «طريق سريعة سيارة لا يستخدمها أحد» في إشارة إلى شبكة SWIFT التي لم تبدأ نشاطها في الجمهورية الإسلامية. لا يزال الزوار الذين يسافرون إلى إيران يجدون أنفسهم مجبرين على حمل مبالغ مالية نقدية بما أن بطاقات الائتمان التي تعتبر أكثر أمانا غير معمول بها في إيران حتى الآن.
لم يخف مديرو الأموال الإيرانيون سعادتهم قبل سنة من الآن عندما تم الكشف عن التفاصيل الأولية للاتفاق النووية غير أنهم باتوا اليوم كمن يندب حظه المنكود في ظل غياب أي انتعاش للنشاط المالي والتجاري. أما المستثمرون الأمريكيون الذي يزورون إيران لا يتركون بطاقاتهم خوفا من أي تداعيات قد تطولهم لاحقا.
رغم أن إيران حافظت على استقرارها النسبي وسط حالة عدم الاستقرار في المنطقة ورغم أن الجمهورية الإسلامية تملك طبقة متعلمة وشبكة متطورة من الطرقات ورغم أنها تمتلك من المقومات ما يجعلها تتحول إلى مركز للمال والأعمال في المنطقة فإن أغلب الشركات الغربية الكبرى لا تزال تجد أن العمل في إيران لا يزال محفوفا بالأخطار. قلة فقط يتوقعون أي تغيير في ظل الانتخابات الأمريكية الراهنة وحتى بعد مرور عدة أشهر من الآن.
يبدو أن علي خامنئي بدأ ينقلب على حكومة الرئيس حسن روحاني الذي قال في البداية إن الاتفاق النووي سوف يسهم في تدفق استثمارات بقيمة 50 مليار دولار على إيران ويدفع الحكومات الأجنبية إلى رفع قرارات تجميد الأرصدة الإيرانية، الأمر الذي سيساعد الجمهورية الإسلامية على تحقيق نسبة نمو سنوية تصل إلى 8% سنويا.
يقول محافظ البنك المركزي الإيراني ولي الله سيف: «لقد كنا نعتقد أن الاتفاق النووي سينعش العلاقات مع المصارف والبنوك بشكل فوري بمجرد الإعلان عن إبرامه». أبدى الكثير من رجال الأعمال أيضا إحباطهم مثل هذا المحلل المختص في الأسواق المالية: «الغريب أنهم لم يتفاوضوا بشأن آليات إعادة اندماج إيران في الأسواق المالية العالمية بعد تطبيق الاتفاق النووي بين طهران ومجموعة 5+1 والغريب أيضا أنهم لم يحددوا البنوك التي ستحول الأموال المجمدة وقيمة المبالغ والتاريخ المحدد لذلك. لم يتوان المستشارون المقربون من علي خامنئي في توجيه الانتقادات واتهم بانعدام الكفاءة وهم يعتبرون أن الرئيس روحاني قد يكون سقط في الجب الذي حفره له الأمريكان.
يبدو أن علي خامنئي يسعى في هذه المرحلة إلى تقييد ولجم الرئيس حسن روحاني. فقد كان الرئيس روحاني يعتزم زيارة بلجيكا والنمسا أواخر شهر ابريل الماضي غير أن الزيارتين ألغيتا في آخر لحظة.
خاطب محافظ البنك المركزي الإيراني ولي الله سيف المستثمرين ورجال المال والأعمال لدى مشاركته في مؤتمر عقد في لندن في مطلع شهر مايو 2016 قائلا: «أدعوكم لزيارة إيران والاطلاع على كل شيء عن كثب». عمد الرجال الموالون لعلي خامنئي إلى عرقلة الغربيين الذين دعاهم مكتب الرئيس روحاني لزيارة إيران. بدد علي خامنئي أيضا الآمال في إمكانية إنهاء حالة «العزلة الثورية»، من ذلك مثلا أنه انتقد مؤخرا تدريس اللغة الإنجليزية.
أصدر علي خامنئي أوامره لأكثر من سبعة آلاف من رجال الشرطة السريين بعدم التردد في تطبيق القوانين الصارمة للجمهورية الإسلامية المتعلقة بالعلاقات والزي الذي ترتديه المرأة. تم القبض على مجموعة جديدة من النشطاء وإيداعهم السجن – ومن بينهم صحفيون مراقبو حقوق الإنسان وعارضات أزياء ظهرن في وسائل التواصل الاجتماعي وهن غير متحجبات. قال أحد الدبلوماسيين العاملين في طهران: «إن الإمبراطورية تحاول أن ترد الفعل».
يرفض الرئيس روحاني في الوقت الراهن الرضوخ انطلاقا من قناعة أنه يمثل ويعكس المزاج العام حتى أنه يبدو هذه الأيام وكأنه زعيم المعارضة الإيرانية، علما أنه رجل دين وسبق له أن ترأس مجلس الأمن القومي الإيراني.
بدأ الرئيس روحاني ونائبه ينأيان بنفسيهما عن كل حديث عن «اقتصاد المقاومة» كما أنه يشدد على مزايا تعلم اللغة الإنجليزية وإتقانها ويؤكّد أهمية الاندماج في اقتصاد العولمة. هذا يعني أن الآخر الوارد من إيران سيبدو وكأنه مصاب بداء الفُصام أو السكيزوفرينيا. فقد راحت وسائل الإعلام والصحف تحتفل بالصفقات التجارية التي تم إبرامها في نفس الوقت الذي تبرز فيه الانتقادات التي ظل يوجهها علي خامنئي ضد ما يسميه الخطط الاستعمارية الغربية.
يجب القول إن هذه المعركة غير متكافئة. فمرشد الجمهورية علي خامنئي يتحكم في القوات المسلحة وقوات الحرس الثوري التي تضم 128 ألف رجل إضافة إلى شبكة واسعة الانطلاق من الجواسيس والشركات المملوكة للدولة والتي تهيمن على مفاصل الاقتصاد الإيراني، من دون أن ننسى الهيمنة على القضاء ووسائل الإعلام الحكومية التي تتنامى ويتسع نطاقها والأجهزة الأخرى التي تتمتع بحق الفيتو في التصدي للمؤسسات المنتخبة من الشعب وإفراغها من كل دور.
أما القرارات التي يتخذها الرئيس حسن روحاني فإنه يتم تعميمها أو تجاهلها من قبل موظفي الدولة الذين عينهم أسلاف الرئيس روحاني الذين سبقوه في الحكم. بل إن الحكومة الإيرانية هي عبارة عن تركيبة ائتلافية كما أنها تضم وزراء يخشون الخصخصة.
يعتقد البعض في معسكر الرئيس حسن روحاني أن أي تغيير حقيقي لن يتحقق قبل وفاة أو تقاعد علي خامنئي. يبلغ مرشد الجمهورية الإسلامية علي خامنئي الآن السادسة والسبعين من عمره ويعتقد أنه مصاب بسرطان البروستاتا.
رغم أن الأوضاع قد لا تسجل أي تحسن في إيران في المستقبل المنظور وقد لا تتطور الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية حتى بعد وفاة علي خامنئي أو تقاعده. فقد جاءتنا الأخبار في الأسبوع الماضي بأن رجل الدين المحافظ أحمد نجاتي، الذي ينحدر من طهران، قد تم تعيينه على رأس مجلس الخبراء الذي سيتولى اختيار المرشد الجديد للجمهورية الإسلامية الإيرانية حين يحين الوقت المحدد.
يقول عضو بارز في غرفة التجارة الإيرانية معلقا على الوضع الراهن في الجمهورية الإسلامية:
«إن الرئيس حسن روحاني يؤمن بالليبرالية الاقتصادية غير أن أفكاره لا تنعكس في هرم السلطة. رغم نجاحه في زيادة عدد البرلمانيين الإصلاحيين فإنه لا يزال يفتقر إلى الأغلبية في المجلس إثر الانتخابات التي أجريت في شهر فبراير الماضي والتي انتهت دورتها الثانية في شهر ابريل 2016.
يتراوح عدد النواب «المستقلون» ما بين 80 و85 نائبا وهم يلعبون دورا مهمًّا في تحقيق بعض التوازن في السلطة وقد يميلون باتجاه معسكر علي خامنئي مثلما أنهم قد يميلون باتجاه معسكر الرئيس حسن روحاني. تحول أحد المراسلين مؤخرا إلى زيارة البرلمان الإيراني ووجد هناك رجل دين من الملالي المحافظين وهو يلقي خطبة عن خطر الجواسيس الانجليز.
رغم هذه الأوضاع الراهنة التي لا تبعث على التفاؤل في الوقت الراهن فإن هناك بصيصا من الأمل. فقد ثلاثة أرباع نواب البرلمان السابق مقاعدهم بمن فيهم غلام علي حداد عادل وهو معروف بشدة ولائه لعلي خامنئي.
تقلصت كتلة الملالي في البرلمان الإيراني إلى قرابة 6% فقط من عدد مقاعد البرلمان الإيراني بعد أن كانوا في حدود 12% في آخر انتخابات أجريت سنة 2012 علما أنهم كانوا يسيطرون على أكثر من 60% من المقاعد البرلمانية عقب أول انتخابات تجري في البلاد سنة 1980 أي عقب الإطاحة بنظام الشاه وتولي رجال الدين الملالي مقاليد الحكم في البلاد. للمرة الأولى في تاريخ الجمهورية الإسلامية يفوق عدد النساء النائبات في البرلمان الإيراني عدد النواب من رجال الدين المحافظين.
لقد انتصر علي خامنئي في كل الصراعات على السلطة التي خاضها، بما في ذلك تلك التي خاضها أسلاف الرئيس حسن روحاني والذين تولوا مقاليد الرئاسة، ومن بينهم المتشدد محمود أحمدي نجاد والرئيس الإصلاحي الأسبق محمد خاتمي – علما بأن اسمه ممنوع بأمر من علي خامنئي من النشر). يحظى الرئيس حسن روحاني آية الله علي أكبر هاشمي رفسنجاني، الذي يعتبر من صناع الملوك في إيران.
عقب التجربة الصاروخية البالستية التي أجريت مؤخرا والتي كانت ترمي إلى تفويض وإفشال الزيارات الخارجية التي كان الرئيس حسن روحاني يخطط للقيام بها. يومها بعث أكبر هاشمي رفسنجاني تغريدة فيها أن الأوضاع ستكون أفضل إذا ما راهنت سلطات طهران على الحوار بدل إجراء التجارب الصاروخية. عندها رد علي خامنئي ساخرا: «إن أولئك الذين يقولون إن المستقبل يكمن في المفاوضات بدل الصواريخ إنما هم من الجهلة أو الخونة».
لقد ساءت الأوضاع إلى حد أن الكثير من المراقبين يتساءلون اليوم عما إذا كان علي خامنئي سيسمح للرئيس حسن روحاني بالترشح لفترة رئاسية ثانية حيث إنَّ مجلس تشخيص مصلحة النظام الإيراني قد يقرر منع الرئيس روحاني من الترشح ثانية. تتمثل مشكلة علي خامنئي في غياب أي بديل حقيقي.
يسعى علي خامنئي الآن إلى إصلاح ذات البين مع شخص يشبهه ويحمل نفس أفكاره – أعني الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد على أمل أن يستعيد هذا الأخير شعبيته. رغم أن الطبقة الوسطى تحمل محمود أحمدي نجاد المسؤولية عن تبديد أموال الدولة خلال سنوات الوفرة النفطية فإن الفقراء لا يزالون يدينون له بالمساعدات الاجتماعية وغيرها من الأمور الأخرى.
يقول حامد رضا ترقي، الذي يعرف بولائه الكبير لعلي خامنئي، وهو يسخر من أنصار الرئيس حسن روحاني ويعتبرهم من دعاة الثورة المضادة: «إن محمود أحمدي نجاد أكثر شعبية بعشر مرات من حسن روحاني في مختلف المحافظات».
يتزعم قاسم سليماني فيلق القدس وهي فرقة تابعة لحرس الثورة الإسلامية وقد بدأ البعض يتحدثون عنه كمرشح بديل. فهو يتمتع بشعبية في أوساط الإصلاحيين والمتشددين على حد سواء غير أن الحرس الثوري الإيراني قد يخسر بدخول العمل السياسي.
قد يفقد الناخبون الإيرانيون أنفسهم كل اهتمام بعد أن فقدوا كل أمل في التغيير. رغم أن الإيرانيين قد صوتوا بأعداد كبيرة في الانتخابات التي أجريت مؤخرا فإن الإجراءات التي اتخذها علي خامنئي في الفترة الماضية تعكس مدى محدودية صندوق الانتخابات في تحديد مسار ومستقبل البلاد. لا يؤمن أغلب الإيرانيين بأن التغيير يمكن أن يحدث من الداخل في ظل القوى والمؤسسات المتكلسة التي يتحكم من خلالها رجال الدين الملالي في الأمور وآليات صنع القرارات.
إيكونوميست




كلمات دالة

aak_news