العدد : ١٥١٥٦ - السبت ٢١ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٦ - السبت ٢١ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ محرّم ١٤٤١هـ

شرق و غرب

هل يرأس مروان البرغوثي السلطة الفلسطينية؟

بقلم: بيتر سمولر

السبت ٢٨ مايو ٢٠١٦ - 03:00



ظل المناضل الفلسطيني مروان البرغوثي حبيسا خلف القضبان في السجون الإسرائيلية منذ سنة 2002 وهو يعتبر أشهر المعتقلين الفلسطيني كما أنه مرشح بقوة لخلافة محمود عباس على رأس السلطة الفلسطينية. في الزنزانة رقم 28، في المبنى الثالث في سجن «حداريم» يقبع مروان البرغوثي مع معتقلين فلسطينيين آخرين غير أنه أكثرهم شغفا بمطالعة الكتب. فهو يلتهم الكتب التهاما في زنزانته، سواء بالعربية أو بالعبرية أو بالانجليزية. مروان البرغوثي شغوف أيضا بالشعر إضافة إلى كتب سير القادة الاسرائيليين البارزين لأنه يريد ان يفهم طريقة تفكيرهم.
يبلغ مروان البرغوثي السادسة والخمسين من عمره وهو يهتم بلياقته البدنية حيث إنه يمارس رياضة المشي والعدو، كما أنه يلتقي محاميه مرة واحدة أسبوعيا كما يلتقي مرة واحدة كل أسبوعين زوجته فدوى التي ظلت سندا قويا له، وهي تمده بآخر أخبار أبنائه الأربعة الذين تسهر على رعايتهم وتربيتهم وتعليمهم في غياب والدهم.
خلال الأعوام الأربعة عشر الماضية التي أمضاها في السجن لم يسمح لمروان البرغوثي بمقابلة أبنائه إلا مرات تعدّ على أصابع اليد. تزدان العديد من الجدران في الضفة الغربية بصور مروان البرغوثي وهي تذكر أبناءه الأربعة بأن أباهم لا يزال يحتل مكانة خاصة لا مثيل لها في الشارع الفلسطيني. يعتبر مروان البرغوثي من أوائل السجناء وهو «المقاوم» الشرس وهو الذي يعتبر الأكثر احتراما في صفوف الشارع الفلسطيني -وخاصة الشباب منهم- وهو من الشخصيات الفلسطينية القليلة جدا التي لم تفقد مصداقيتها أو تستهدف بالانتقادات.
يقول مروان البرغوثي: «سأخرج من السجن عاجلا أو آجلا. ستضطر إسرائيل إلى اطلاق سراحي وبقية المساجين؟ تاريخيا، خلال العقود القليلة الماضية، أفرج عن السجناء إما من خلال عمليات تبادل المعتقلين أو من خلال المسارات السياسية».
في شهر مارس الماضي، رفضت المحكمة العليا الإسرائيلية طلبا تقدمت به صحيفة هاآرتس لإجراء حوار صحفي مع مروان البرغوثي في سجنه حيث ان المحكمة اعتبرت أنه يتعين على السجين أن يتقدم بنفسه بمثل هذا الطلب وهو أمر غير منطقي لأن مروان البرغوثي لا يعترف أصلا بشرعية العدالة الإسرائيلية.
في سنة 2004، حكم على مروان البرغوثي بالسجن المؤبد خمس مرات مع الحبس الانفرادي المؤبد ايضا. كان مروان البرغوثي قبل اعتقاله مسؤولا عن التنظيم، وهو أحد الأجنحة المسلحة في حركة فتح، التي تمثل العمود الفقري في منظمة التحرير الفلسطينية. اعتبرته اسرائيل مسؤولا مباشرا عن إعطاء الأوامر لتنفيذ العديد من العمليات الانتحارية خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية في الفترة ما بين سنتي 2000 و2004.
في موفى سنة 2013 أطلقت حملة دولية من أجل ترشيح مروان البرغوثي لنيل جائزة نوبل للسلام وقد اكتسبت هذه الحملة زخما كبيرا هذه السنة. يذكر ان الأرجنتيني أدولفو بيريز اسكيفيل، الفائز بجائزة لنوبل سنة 1980 هو الذي اقترح اسم مروان البرغوثي لترشيحه لنيل جائزة نوبل للسلام.
لا شك أن فرص مروان البرغوثي في الفوز بجائزة نوبل للسلام تعتبر محدودة غير أن هذه الحملة تسلط الضوء على الواقع المأساوي الذي يعيشه الفلسطينيون في الأراضي المحتلة. يكاد مروان البرغوثي يحظى بإجماع مختلف الأطراف والفئات في المجتمع الفلسطيني حيث ان الكثيرين يعتبرونه «نيلسون مانديلا الفلسطيني».
يقول الدبلوماسي الفلسطيني السابق ماجد باميا الذي يتولى مهمة التنسيق: «هذه أكبر حملة من نوعها في تاريخ الشعب الفلسطيني. لم يكن أي أحد يتصور أننا سننجح في تعبئة كل هذا التأييد للمساجين. لقد كنا نعتقد أن المؤقف الاسرائيلي الذي يشدد على أمن اليهود هو الذي ستكون له الغلبة لكن العكس هو الذي حدث. لقد أصدرت المحكمة الاسرائيلية أحكاما جائرة بالسجن ضد مروان البرغوثي وأثبتت بالتالي أن القضاء لا يعدو أن يكون مجرد أداة من أدوات الاحتلال الاستيطاني اليهودي».
يذكر أن مروان البرغوثي قد كان من مؤيدي اتفاقيات أوسلو التي أبرمت بين إسرائيل والفلسطينيين في سنة 1993 غير أنه يعتبر اليوم أن المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين قد دخلت في مأزق حقيقي وبات يصعب إحياؤها. لا يرفض مروان البرغوثي من حيث المبدأ المقاومة الفلسطينية ضد الدولة العبرية التي تحتل الأراضي الفلسطينية غير أنه يعتبر أن الفترة الحالية لا تسمح بممارسة الحق في النضال المسلح.
يعتبر مروان البرغوثي أن الهجمات بالسكاكين التي بدأ الفلسطينيون يشنونها منذ شهر أكتوبر 2015 غير مجدية بالمرة بما أنها لا تندرج بحسب رأيه في إطار استراتيجية شاملة. يقول مروان البرغوثي: «نحن نؤمن بالجمع ما بين المقاومة الشعبية على الأرض وحركة المقاطعة ضد اسرائيل. نحن نطالب بفرض عقوبات على إسرائيل والعمل على عزلها في المجتمع الدولي حتى تضطر إلى إنهاء واقع الاحتلال المرير في الأراضي الفلسطينية منذ سنة 1967 والسماح بالتالي بقيام الدولة الفلسطينية المستقلة وذات السيادة وعاصمتها القدس الشرقية».
مروان البرغوثي.. المثال الحي الذي يحتذى!
يحلم مروان البرغوثي بالوحدة الوطنية بين مختلف الفرقاء الفلسطينيين حتى يتسنى تجاوز الخلافات والانقسامات بين الفصائل الفلسطينية المختلفة وقطع العلاقات والروابط مع اسرائيل التي تحول السلطة الفلسطينية بحسب رأيه إلى إدارة لخدمتها والخضوع لها. إن هذه التطلعات التي يعبر عنها مروان البرغوثي من سجنه تعكس مزاج الشعب الفلسطيني.
أظهرت نتائج استطلاع للرأي أجراه المركز الفلسطيني للسياسة والبحوث في شهر مارس 2016 – والذي يوجد مقره في مدينة رام الله بالضفة الغربية – أن 33% من الفلسطينيين يريدون من مروان البرغوثي أن يخلف محمود عباس على رأس السلطة الفلسطينية، في مقابل 24% من الأصوات المؤيدة للزعيم السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية.
يقول قدورة فارس، رئيس نادي السجناء الفلسطينيين وأحد المقربين من مروان البرغوثي: «إن مروان البرغوثي يعتبر اليوم مثلا أعلى. يجب على الحركة الوطنية الفلسطينية أن تستعيد هويتها التي خذلها وقوضها الكثيرون، حتى وإن تطلب الأمر تعيين مروان البرغوثي على رأس السلطة الفلسطينية وهو في السجن. لأن تعيينه في هذا الوضع سيرد الاعتبار لآلية اتخاذ القرارات الحاسمة بشكل جماعي».
إن مثل هذا السيناريو من شأنه أن يمثل صداعا كبيرا يقضّ مضجع إسرائيل ويسبب ضغوطا غير مسبوقة على الدولة العبرية. أما مختلف المسائل الأخرى –وخاصة تلك المتعلقة باستشراء الفساد– فهي ستصبح ثانية بسبب الوضع الاستثنائي الذي يعيش فيه مروان البرغوثي والذي لا يمكنه أن يفعل الشيء الكثير في هذا الصدد.
يعتبر فارس قدورة أنه لا بد من قيام حركة مقاومة وطنية شعبية من أجل تسميم حياة المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة وهو يقول في هذا الصدد: «الخبز، الكهرباء، النقل المدرسي، هذه أساسيات الحياة اليومية. يجب أن نقوض أسس حياتهم اليومية ونخرب قنواتهم ونقطع طرقاتهم ونقطع الكوابل الكهربائية».
أبدى مروان البرغوثي تحفظه على اعتماد مثل هذه الاستراتيجية. يتخذ أحمد غنيم المقرب أيضا من مروان البرغوثي موقفا متحفظا من مثل هذه الاستراتيجية: «لا يمكن أن نضغط على زر حتى تبدأ هذه الحركة وندفع الناس للقيام بمثل هذه الأعمال».
يحرص مروان البرغوثي على عدم الدخول في تنافس علني مع رئيس السلطة الفلسطينية الحالي محمود عباس. غير أنه ينتقد بشدة طريقته وسياسته في إدارة شؤون السلطة الفلسطينية التي ظل يرأسها منذ وفاة الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات. يقول مروان البرغوثي: «لا أعتقد أن شعبيتي تزعج أبو مازن -كنية محمود عباس- فهو لا ينوي الترشح للانتخابات القادمة وقد أعلن ذلك بنفسه في عديد من المرات». لكن هل يفي محمود عباس بوعوده ويتنحى فعلا عن رئاسة السلطة الفلسطينية؟ أما المشكلة الحقيقية فهي تتعلق بما إذا كانت السلطة الفلسطينية تنوي إجراء هذه الانتخابات التي ظلت مسألة مؤجلة على مدى الأعوام الماضية.
لقد أفرغ النظام السياسي الفلسطيني من كل شرعية. فقد راح محمود عباس، البالغ 81 سنة من العمر، يحكم قبضته على السلطة الفلسطينية رغم تصاعد الانتقادات، حتى من داخل الموالين له، ضد أسلوبه في إدارة شؤون السلطة الفلسطينية.
في شهر ابريل 2016، أصدر محمود عباس مرسوما أنشأ بموجبه المحكمة الدستورية الفلسطينية غير أن الكثيرين اعتبروا أن هذه المحكمة الدستورية ستكون البوابة التي سيعمد من خلالها محمود عباس إلى التمديد لنفسه في السلطة.
يعيب مروان البرغوثي على السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس استمرارها في التنسيق الأمني مع إسرائيل. يظل هذا التنسيق الأمني قويا رغم أن حركة فتح تظل تهدد بالقطيعة. يقول مروان البرغوثي: «لم يسبق أبدا في التاريخ أن طلب من شعب يعيش تحت الاحتلال أن يقدم الخدمات الأمنية لدولة الاحتلال.. إن التنسيق الأمني ألحق ضررا كبيرا بالشعب الفلسطيني.. لقد قدم أبو مازن لإسرائيل إحدى عشرة سنة كاملة من التنسيق الأمني الكامل غير المسبوق. لقد استغلت إسرائيل التنسيق الأمني لتوسيع المستوطنات ومصادرة الأراضي وتهويد القدس ومواصلة الحصار المضروب على قطاع غزة حيث تفاقمت البطالة واستشرى الفقر».
يمتاز مروان البرغوثي عن غيره من شخصيات وكوادر حركة فتح بقدرته على تجاوز الحرب مع حركة حماس، والتي ظلت قائمة منذ سنة 2007. تعتبر حماس أن مروان البرغوثي يمكن فعلا أن يكون المرشح الأبرز لخلافة محمود عباس على رأس السلطة الفلسطينية.
تقول فدوى البرغوثي: يريد مروان البرغوثي استراتيجية حقيقية تكون مقبولة من كل الفصائل الفلسطينية. كان مروان يطبق هذه الاستراتيجية عندما كان يقود الانتفاضة الفلسطينية الثانية. إن الوحدة الفلسطينية ستتحقق وتتعزز عندما يخرج مروان البرغوثي من سجنه.
سافرت فدوى البرغوثي إلى تونس والقاهرة كمبعوثة شخصية كما أنها التقت ممثلين عن حركة حماس. أجرى بعض المقربين من مروان البرغوثي أيضا مفاوضات سرية في نهاية شهر ديسمبر 2015 في الدوحة ثم مع نهاية شهر يناير في مدينة إسطنبول في تركيا مع ممثلين عن حركة حماس. في الربيع الماضي أجريت مفاوضات رسمية ما بين وفدين يمثلان حركتي فتح وحماس في الدوحة بقطر.
أما من الجانب الإسرائيلي فإن الآراء متضاربة على مدى الأعوام الماضية فيما يتعلق بالموقف من مروان البرغوثي. في السجن يعتبر مروان البرغوثي الشهيد الحي. أما خارج السجن فإنه قد يتحول إلى اسم غير متوقع. يعتبر كثير من الإسرائيليين أن مستقبل مروان البرغوثي قد يكون مرتبطا بمستقبل قطاع غزة. في قطاع غزة يوجد أربعة إسرائيليين بين أيدي حماس وهم قد يكونون أمواتا أو أحياء غير أن جثثهم لم يتم إرجاعها إلى الدولة العبرية. في شهر مارس 2016 أعلن الجناح العسكري التابع لحركة حماس أن الإسرائيليين الأربعة الذين يحتجزهم هم على قيد الحياة من دون أن يقدم أي دليل يؤكد ذلك. أما الجيش الإسرائيلي فقد أعلن رسميا أن النقيب هادار جولدن والعريف أورون شاوول قد قتلا في ساحة المعركة أثناء عملية الاجتياح الأخيرة لقطاع غزة في صيف 2014.
أما بالنسبة إلى مصير الإسرائيليين الآخرين فإن الأول من جنسية اثيوبية والثاني من العرب البدو وقد تم القبض عليهما في قطاع غزة وظل مصيرهما منذ ذلك الوقت غامضا وغير معروف. يقول أحد المصادر الإسرائيلية العليمة: «البدوي والاثيوبي ليسا في مثل أهمية الجندي شاليت الذي أطلق سراحه في عميلة تبادل للأسرى مع حركة حماس».
في سنة 2011 لم يتم إدراج اسم مروان البرغوثي ضمن قائمة تضم ألفا من السجناء الذين تقرر الافراج عنهم في صفقة تبادل الأسرى في إطار إطلاق سراح الجندي الإسرائيلي جيلعاد شاليط المختطف في قطاع غزة. في سنة 2016 لا تشكل مسألة الافراج عن مروان البرغوثي أولوية بالنسبة للسلطة الفلسطينية بقيادة الرئيس محمود عباس الذي لم يحسم بعد مسألة بقائه أو تنحيه عن السلطة.
تقول فدوى البرغوثي في هذا الصدد: «لو كان أبو مازن قد بذل الجهود الكافية على مدى الأعوام الأربعة عشر الماضية لما ظل مروان البرغوثي في السجن». لعل ما يزيد في تعقيد الوضع أن خصوم مروان البرغوثي موجودون في داخل حركة فتح نفسها رغم أنه يعتبر الشخصية الأبرز فيها، علما وأنه قد تولى قيادة الجناح الطلابي التابع لحركة فتح الفلسطينية.
في الآونة الأخيرة أبدى الدبلوماسي الفلسطيني المخضرم الدكتور صائب عريقات والقيادي محمد دحلان، الذي يعيش في المنفى والذي يعتبر غريم محمود عباس اللدود، أبديا دعمها لترشيح مروان البرغوثي لرئاسة السلطة الفلسطينية. لا شك أن هذا الموقف الداعم لمروان البرغوثي ينمّ عن حسابات تكتيكية لا تخفى على أحد حيث ان البعض يريد أن يستفيد من الشعبية الكبيرة التي يتمتع بها مروان البرغوثي من وراء قضبان السجن. يكفي أن نعرف موقف جبريل رجوب، رئيس الفيدرالية الفلسطينية لكرة القدم وهو يعتبر أيضا من المتنافسين على خلافة محمود عباس على رأس السلطة الفلسطينية. يقول جبريل رجوب وهو يجلس في مقعده الفاخر الوثير في مكتبه الكائن في مدينة رام الله:
«لا بد من إحداث تغيير جذري في استراتيجية السلطة الفلسطينية. هناك توافق واسع في المجتمع الفلسطيني على ضرورة إحداث التغيير وتغيير الاستراتيجية. يجب أن نتعامل مع المحتل كعدوّ. لا يمكن أن نظل نبني هذه الاستراتيجية بما فيها من تنسيق أمني مع إسرائيل».
عندما سئل عن رأيه في مروان البرغوثي قال جبريل رجوب: «أنا أحترم مروان وآمل أن يكون نلسون مانديلا الفلسطيني الذي سيحصل على جائزة نوبل للسلام، لكنني متخوف أيضا على مصير وأوضاع أكثر من سبعة آلاف سجين فلسطيني آخر، بما في ذلك مروان نفسه. قضيتنا شاملة وليست فردية. كل شخص له الحق في أن يحلم لكن في نهاية الأمر مؤسسات حركة فتح هي التي ستحسم الأمر وتتخذ القرار الفاصل».
لوموند





كلمات دالة

aak_news