العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

الاسلامي

وكذلك جعلناكم أمة وسطا

بقلم: د/ علي أبو هاشم

الجمعة ٢٧ مايو ٢٠١٦ - 03:00



تحدث القرآن الكريم عن تحويل القبلة، ليرد على كذب المفترين والحاقدين من اليهود والنصارى والمشركين والمنافقين، حيث أكّد سبحانه وتعالى أن الجهات كلها ملك لله وهو يوجه عباده حيث أراد، يقول تعالى: «قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم». سورة البقرة: 142، والمؤمن أينما يوجهه الله توجه، وفي ثنايا الحديث عن تحويل القبلة سجل الحق سبحانه في كتابه ما خص به الأمة حيث جعلها أمة وسطا، وشاهدة على الأمم، وما أعظمها من شهادة، وما أعظمها من منزلة، يقول تعالى: «وكذلك جعلناكم أُمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا». سورة البقرة:143، يقول ابن كثير. رحمه الله تعالى: إنما حَوّلناكم إلى قبلة إبراهيم، عليه السلام، واخترناها لكم لنجعلكم خيار الأمم، لتكونوا يوم القيامة شُهَداء على الأمم؛ لأن الجميع معترفون لكم بالفضل. والوسط هاهنا: الخيار والأجود، كما يقال: قريش أوسطُ العرب نسبًا ودارًا، أي: خيرها. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وسطا في قومه، أي: أشرفهم نسبا، ومنه الصلاة الوسطى، التي هي أفضل الصلوات، وهي العصر، كما ثبت في الصحاح وغيرها، ولما جعل الله هذه الأمة وسطًا خَصَّها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب، كما قال تعالى: «هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إبراهيم هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ». الحج: 78، يقول القرطبي: في تفسيره للآية: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا. المعنى: وكما أن الكعبة وسط الأرض كذلك جعلناكم أمة وسطا، أي جعلناكم دون الأنبياء وفوق الأمم. والوسط: العدل، وأصل هذا أن أحمد الأشياء أوسطها. وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قوله تعالى: «وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا». قال: (عدلا). وأوسط الأمم. أي: أعدلهم وخيرهم. وقال زهير:
هم وسط يرضى الأنام بحكمهم... إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم.
وكما ثبت في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: قال. رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يُدعى نوح عليه السلام يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم. فيقول لأمته هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير. فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فيشهدون أنه قد بلغ، ويكون الرسول عليكم شهيدا فذلك قوله عز وجل: «وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا». وذكر هذا الحديث مطولا ابن المبارك بمعناه، والأمة الوسط هي التي تنهج الوسط في الاعتقاد فلا تغلوا في التجرد الروحي، كما فعلت النصارى. يقول تعالى: «ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها». الحديد:27، والأمة الوسط هي التي لا تغلو في الارتكاس المادي، من الشهوات والملذات، كما هو حال أهل الشرك والضلال، وكما يروج له الماديون في عصرنا الحاضر. فقالوا كما قال القرآن عنهم في قوله تعالى: «وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين». الأنعام: 29، وإنما الأمة الوسط تتبع منهج الرسالة التي أرسل الله بها رسوله، وهو منهج الفطرة المستقيمة الخالية من العيوب والتشوهات. يقول تعالى: «فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون. منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين». الروم: 30-31، إن المنهج الوسط هو المنهج المتكامل الذي يجمع بين متطلبات الروح والجسد، فتعطي لكل ذي حق حقه، من دون إفراط أو تفريط، في قصد وتناسق واتزان يؤدي إلى الاعتدال في كل شيء، كما ورد في السنة فيما رواه البخاري. آخَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فَرَأَى أم الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً فَقَالَ لَهَا مَا شَأْنُكِ قَالَتْ أَخُوكَ أبو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا فَجَاءَ أبو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا فَقَالَ: كُلْ قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ قَالَ: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ قَالَ: فَأَكَلَ فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أبو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ قَالَ: نَمْ فَنَامَ ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ فَقَالَ: نَمْ فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ سَلْمَانُ قُمِ الآنَ فَصَلَّيَا فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: صَدَقَ سَلْمَانُ. فأقره الرسول. إن الوسطية في الإسلام هي سر انتشار الإسلام، وسر قوته وعظمته، لأن الوسطية تعني التيسير، وتعني الاعتدال في كل شيء، الاعتدال في العقيدة كما قال تعالى: «فلذلك فادع واستقم كما أُمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأُمرت لأعدل بينكم». الشورى:15، كما أن الوسطية تعني أداء العبادة على الوجه الصحيح، من دون زيادة أو نقصان، يقول تعالى: وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إبراهيم هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ». الحج: 78، يقول القرطبي في تفسير قوله تعالى: وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ. قيل: عنى به جهاد الكفار. وقيل: هو إشارة إلى امتثال جميع ما أمر الله به، والانتهاء عن كل ما نهى الله عنه، أي جاهدوا أنفسكم في طاعة الله وردوها عن الهوى، وجاهدوا الشيطان في رد وسوسته، والظلمة في رد ظلمهم، والكافرين في رد كفرهم. والوسطية تعني الاعتدال في النفقة دون إسراف أو تقتير. يقول تعالى: «والذين إذا أنفقوا لم يُسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما». الفرقان:67، وهكذا فالأمة الإسلامية جعلها الله وسطا في كل شيء فكانت ومازالت خير الأمم.






كلمات دالة

aak_news