العدد : ١٥١٨٦ - الاثنين ٢١ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٦ - الاثنين ٢١ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ صفر ١٤٤١هـ

الاسلامي

رفقًا بالتائبين (3)

بقلم: عبدالسلام محمد وحيد عمري

الجمعة ٢٧ مايو ٢٠١٦ - 03:00



إذا تأملنا في الحالات السابقة وهي شرب الخمر الذي ثبت بشهادة الشهود وأما حالتا الزنا فثبتتا بالإقرار، نلاحظ أن النبي تعامل مع الحالات بكل رفق ولما وجب تطبيق الحد لم يعنف النبي صلى الله عليه وسلم أحدًا من المذنبين أو ينتقصهم لأنهم على التوحيد، ولأن الحدود كفارات، أما الخوارج ومن نهج نهجهم فإن أسهل شيء عندهم التكفير للعصاة ولا حول ولا قوة إلا بالله، إن من عظيم لطف الله بالعصاة والمذنبين إذا تابوا فإنه يقبلهم ويتوب عليهم ويحفزهم على التوبة والرجوع إليه بتبديل سيئاتهم حسنات قال الله تعالى في صفة عباد الرحمن: «وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا(68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا(69) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا(70)» (الفرقان:68-70). إن الإسلام وضع الإجراءات الوقائية التي إن عمل بها المسلم يصون نفسه عن الزنا وكل ما حرم الله قال تعالى: «وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً» (الإسراء: 32)، عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تُتْبِعْ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ فَإِنَّمَا لَكَ الْأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الْآخِرَةُ» (رواه أحمد). كما أن النبي صلى الله عليه وسلم يعالج التوهج عن الشباب بضوابط أخلاقية تمنع المسلم من الوقوع في الزنا إنها القناعة العقلية التي عندها يقف كل عاقل وقفات تحول بينه وبين الوقوع في المعصية بصفة عامة وعدم الوقوع في الزنا بصفة خاصة، وتصور معي هذا الشاب الذي تجري دماء الشهوة في عروقه ويريد أن يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في الزنا أو بعبارة أخرى يريد الشاب ترخيصا وتصريحا بالزنا فكيف تعامل معه النبي صلى الله وسلم؟ إنه لم يعنفه.. لم يغضب.. لم يتهمه بكذا أو كذا.. بل أقام عليه الحجة وولّد عنده قناعة بأن يبتعد عن الزنا بالكلية، بل لا يفكر في الوقوع فيه بأي حال من الأحوال - عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: «إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ قَالُوا مَهْ مَهْ فَقَالَ ادْنُهْ فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا قَالَ فَجَلَسَ، قَالَ: أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟ قَالَ لَا وَاللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟ قَالَ لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟ قَالَ لَا وَاللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟ قَالَ لَا وَاللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟ قَالَ لَا وَاللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ، قَالَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ وَطَهِّرْ قَلْبَهُ وَحَصِّنْ فَرْجَهُ. فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إلى شَيْءٍ» رواه أحمد. فالنبي صلى الله عليه وسلم، رفيق ورحيم بأمته، فلا يجوز بأي حال من الأحوال تقنيط الناس وتنفيرهم من التوبة والرجوع إلى الله كما لا يجوز تكفير أحد من المسلمين مادام على التوحيد. ما أجمل من فتح باب أمل قبول التوبة أمام العصاة والمذنبين حتى ومن أسرف على نفسه في المعصية، روي أنه لحق بني إسرائيل قحط على عهد موسى عليه السلام فاجتمع الناس إليه فقالوا: يا كليم الله، ادع لنا ربك أن يسقينا الغيث، فقام معهم وخرجوا إلى الصحراء وهم سبعون ألفًا أو يزيدون فقال موسى عليه السلام: إلهي، اسقنا غيثك، وانشر علينا رحمتك وارحمنا بالأطفال الرضع والبهائم الرتع والمشايخ الركع، فما زادت السماء إلا تقشعًا والشمس إلا حرارة، فقال موسى: إلهي إن كان قد خلق جاهي عندك فبجاه النبي الأمي محمد الذي تبعثه في آخر الزمان! فأوحى الله إليه: منك النداء ومني البلاغ فقام مناديًا وقال: يا أيها العبد العاصي الذي يبارز الله منذ أربعين سنة! اخرج من بين أظهرنا فبك منعنا المطر فقام العبد العاصي فنظر ذات اليمين وذات الشمال فلم ير أحدًا خرج فعلم أنه المطلوب فقال في نفسه: إن أنا خرجت من بين هذا الخلق افتضحت على رؤوس بني إسرائيل وإن قعدت معهم منعوا لأجلي فأدخل رأسه في ثيابه نادمًا على فعاله وقال: إلهي وسيدي! عصيتك أربعين سنة وأمهلتني وقد أتيتك طائعًا فاقبلني فلم يستتم الكلام حتى ارتفعت سحابة بيضاء فأمطرت كأفواه القرب، فقال موسى إلهي وسيدي! بماذا سقيتنا وما خرج من بين أظهرنا أحد؟ فقال: يا موسى! سقيتكم بالذي به منعتكم، فقال إلهي! أرني هذا العبد الطائع فقال: يا موسى! إني لم أفضحه وهو يعصيني، أأفضحه وهو يطيعني؟! يا موسى إني أبغض النمامين أفأكون نمامًا؟ (ابن قدامة). فمن تاب الله عليه يعقد العزم على ألا يعود إلى المعصية مرة أخرى لأن من يتمادى من دون توبة فإن الله يكشف ستره عنه وأن يندم على ما فعل ويرد الحقوق لأصحابها أو يتحلل منهم. هذا وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.






كلمات دالة

aak_news