العدد : ١٥١٨٦ - الاثنين ٢١ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٦ - الاثنين ٢١ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ صفر ١٤٤١هـ

الاسلامي

من وحي الإسلام
الإسلام ومفهوم تأصيل الرأي وظاهرة التقليد المقيت (3)

بقلم: يوسف الملا

الجمعة ٢٧ مايو ٢٠١٦ - 03:00



تحدثنا في الحلقة السابقة عن أن الاجتهاد ملكة يقتدر بها العالم القدير والفقيه الجدير على استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، وقلنا أيضا: إن ما نزل فيه الوحي من عند الله لم يجز عليه الصلاة والسلام له أن يجتهد فيه أو يشاور فيه الأمة وبذلك يبطل الرأي والقياس وغيره، وفي هذه الحلقة نحاول أن نتناول أهمية الشورى في المجتمع الإسلامي.
الشورى ركيزة في المجتمع المسلم:
تعتبر الشورى ركيزة مهمة من ركائز المجتمع المسلم، ودعامة من دعامات الحكم الإسلامي، فيما تقرر الحرية الفكرية، ويصان التعبير، ويمنح الفرد الحصانة الكاملة والمكانة اللائقة للإدلاء برأيه ووجهة نظره فى كل مسألة تهم المجتمع وتمس الصالح العام.
وقد تحدث القرآن الكريم من خلال آياته الجليلة منوهًا بهذه الخصلة الحسنة، فأنزل الله تبارك وتعالى على رسوله الكريم سورة كاملة مفصلة تحمل شعار (الشورى).. وهذه السورة تحث المؤمنين فى واقعها على نبذ الفرقة والتشتت، وتدعوهم إلى بذل الجهد لجمع الكلمة، واستنباط الأحكام الشرعية لتوحيد الآراء، وائتلاف القلوب على الهدي والخير والتعاون.
قال تعالي: «والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شوري بينهم، ومما رزقناهم ينفقون، والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون» (سورة الشورى الآية 38).
ولقد كان تبادل الآراء والأفكار سمة ظاهرة للمسلمين في المجتمع النبوي المتماسك، لأن الشورى في حقيقتها وسيلة فعالة لتلقيح العقول، وتلاقي الأهداف، واستجماع الآراء، واستجلاء خاصية الأفكار لتوحيد الوجدان والأفئدة.
وكان رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم يدرك في قرارة نفسه مدى حاجة الصحابة إلى الشورى لتوحيد آرائهم حول القضايا في حياتهم، ومع أن النبي كان أتقاهم وأخشاهم لله، إلا أنه لم يكن يستأثر برأي يراه، بل كان يعرضه من حين إلى آخر على صحابته الأخيار، ويشاورهم في الأمور التي تستحق المشورة، فيما لم ينزل فيها أي حكم شرعي صريح على اعتبار أن استشارته أمر من الله عز وجل، وليس من باب الاستئناس.
قال تعالي: «فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم فى الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله، إن الله يحب المتوكلين» (آل عمران الآية 159).
ويذكر الأستاذ عباس محمود العقاد -رحمه الله- في معرض بحثه عن (الإسلام والنظم الاجتماعية) قائلاً: (إن النبي عليه الصلاة والسلام سئل عن معنى (العزم) في هذه الآية فقال: «مشاورة أهل الرأي ثم اتباعهم»، (كتاب ما يقال عن الإسلام).
إن الآية الكريمة توحي بجلاء عمل الوزير مع الأمير، أو أصحاب الرأي السديد مع القيادة الصالحة التي تسوس الأمة، وتذكير الرسول لنا حيث يقول عليه الصلاة والسلام: (إذا أراد الله بالأمير خيرا جعل له وزير صدق، إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه، وإذا أراد الله به غير ذلك جعل له وزير سوء إذا نسي لم يذكره، وإن ذكر لم يعنه) (رواه أبوداود).
إن الشورى عنوان التقدم الحضاري، ودليل على الرقي الإنساني من أجل نهضة المجتمع في مضمار العلم والعمل، ولهذا كان الإسلام سباقا في نظامه السياسي والاجتماعي حيث تقوم ولاية الأمر على أساس الشورى بعد العودة إلى كتاب الله والسنة المطهرة واتفاق الإمام والرعية، ولا ضير في ذلك إن اتبعوا فى منهجهم السياسي أي نظام صالح يقوم على التقوى والعدل والخير.
ولقد كان النبي عليه الصلاة والسلام على جلال قدره ونفاذ بصيرته وبعد نظره لا يستبد برأي مهما كان حجمه، إذا استبان له وجه الحق، في حين كانت استشارته لأصحابه يقصد منها تقريب وجهة نظرهم وتحميسهم على اعتبار أن المشورة تلقيح للعقول والأفكار.
كان المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام بما أوتي من فضل ورحمة وحكمة يدعو إلى مجتمع مثالي تقوم دعائمه على المحبة والإيثار والتعاون والسماحة.
يقول عليه الصلاة والسلام: «إذا كانت أمراؤكم خياركم وأغنياؤكم سمحاؤكم وأمركم شورى بينكم، فظهر الأرض خير لكم من بطنها، وإذا كانت أمراؤكم شراركم وأغنياؤكم بخلاؤكم وأمركم إلى نسائكم، فبطن الأرض خير لكم من ظهرها»، (رواه الترمذي والنسائي).
وهذا الحديث يعد شاملا عندما يتناول النظام السياسي وعلى رأسه الأمراء والمسؤولون في الدولة حتى يستغرق أصغر مسؤول، كما يعرض للنظام الاقتصادي ويعبر عنه بالأغنياء وأصحاب التجارة والمصالح والاستثمار فى حين يتطرق إلى النظام الاجتماعي، وما يمثله من قوامة الرجل مع عدم إغفال مشاركة المرأة فى أخذ الرأي في إدارة شؤون الأسرة والمجتمع.
بين القدوة الحسنة والتقليد المقيت:
جاءت الشريعة الإسلامية داعية إلى حرية التفكير، وتحرير العقول من الأوهام والأساطير والمفاهيم البالية والعادات المستهجنة، فنبذت كل ما لا يقبله العقل على اعتبار أن التفكير المنطقي السليم لا يمكن أن يقبل الأشياء على علاتها لأن العقل مناط التكليف والمسؤولية.
وحين تعرض الأشياء والأحداث على العقل عليه أن يتأكّد من صحتها، فإن آمن بشيء منها كان ذلك محل الإيمان، أما إذا كان غير ذلك وجب إلغاؤه، لأن الشريعة لا تبيح له أن يقول مقالا أو يأتي فعلا إلا بعد التفكير فيه مليا، وإلا أصبح ذلك تقليدا بغير علم. عن الصحابي حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تكونوا إمعة، تقولون: إن أحسن الناس أحسنا وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤوا ألا تظلموا» (رواه الترمذي).
هناك الآيات التي تطالب المؤمن بالتأمل والتعقل، وبذل الجهد الفكري المتجدد فيما يتعلق بالعبادة والذكر والمعاملات وغير ذلك من أمور الدنيا والدين.
قال تعالي: «إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب* الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض..) سورة آل عمران الآية 190-191).
إن معرفة الله عز وجل والوجود والمخلوقات وغير ذلك من الكائنات تعتمد اعتمادا أساسيا على استثارة تفكير البشر وإيقاظ عقولهم واتخاذ القرارات من دون اللجوء إلى التحيز والتقليد والتعصب لأنها تقود إلى الباطل وسوء التصرف والإخلال بالسلوك الذي يعرض صاحبه للمساءلة ثم العقاب.
عن الصحابي الجليل بن مطعم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية» (رواه أبوداود) (الكنز الثمين من أحاديث النبي الأمين لأبي الفضل الصديق الحسني).
إن الإسلام يرفض التقليد الأعمى بصوره الاجتماعية والثقافية والسياسية، والذي يدفع صاحبه إلى الضلالة والانحراف ويجعل الفرد رهن أهوائه ورغباته الجامحة، أو ينساق خلف توجهات الآخرين فيلغي بذلك عقله.
يرى بعض الباحثين أن هناك نوعين من التقليد: منه ما هو سيئ، ومنه ما هو حسن.. والتقليد الحسن يعتمد اعتمادا كليًّا على العلم النافع والحضور، وهو ما يعرف اصطلاحا بالأسوة الحسنة، إن التقليد الحسن يقوم على أسس متوازنة من المعرفة والفضيلة والذي يقود صاحبه إلى القدوة الطيبة وهذا ما يعبر عنه القرآن الكريم بقوله: «لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً» (سورة الأحزاب الآية 21).
إن التقليد الحسن والتفكير السليم لا يتناقضان إذا التقيا معا، وعملا معا، بل يكمل أحدهما الآخر، ويكون نتاجهما تجديد فى معطيات الحياة واتجاهات الأفراد في المجتمع.
ويشير الدكتور محمد الشاهد إلى أثر التقليد الحسن والقدوة الصالحة قائلاً: (والتقليد على علم يحتم تحصيل العلم واستيعاب جميع مراحل تطوره، ويسمح بالتجديد المستمر المستنير الذي شرعت له طرق ومناهج إسلامية أشهرها الاجتهاد، وتلك ميزة خاصة يتميز بها تقليد المنهج الإلهي ويفتقدها كل منهج بشري). (رحلة الفكر الإسلامي من التأثر إلى التأزم).
ولا ريب أن التقليد الأعمى لثقافة ما في مجتمع آخر مرفوض رفضا تاما من الإسلام فقد جاء الإسلام لينهى عن تقليد الجهالات التي كانت سائدة قبل بزوغ فجره في المجتمع العربي الجاهلي.
كما أن الإسلام يرفض كل ما يناهض الحكمة ويبلد العقل أو يخل بالأخلاق الكريمة، فلا يمكن أن يدع الأمور على علاتها من دون ضوابط واتساق، كما يرفض فى الوقت ذاته الاحتجاج بما يفعله الآباء كدليل على صحة ما يقوم به الأبناء إذا كان الأمر خارجا عن نطاق الشريعة.
قال تعالى: «وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون» (سورة المائدة الآية 104).
إن المجتمعات التي تبني منهجها الاجتماعي والسياسي على فكر بال أو فكر مستعار من المجتمعات الغربية، فإنها لا تقيم مجتمعا أصيلا سويا وإن ادعت أنها تسعى إلى التجديد، وإنما هي في الواقع مجتمعات مجزأة بين القديم البالي والتغريب المستعار، إن التجديد الذي لا يكون في إطار الإسلام فهو تغريب مهما اشتمل على عادات الحداثة.
عن الصحابي الجليل عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لتركبن سنن مَن قبلكم شبرا بشير وذراعا بذراع، حتى لو أن أحدهم دخل جحر ضب لدخلتم، وحتى لو أن أحدهم جامع امرأته بالطريق لفعلتموه» (رواه الحاكم في المستدرك).






كلمات دالة

aak_news