العدد : ١٥١٨٤ - السبت ١٩ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٠ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٤ - السبت ١٩ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٠ صفر ١٤٤١هـ

الاسلامي

الشاعر محمد إقبال فيلسوفًا (2)

بقلم: عبداللطيف الجوهري

الجمعة ٢٧ مايو ٢٠١٦ - 03:00



} من أجل هذا نقول إن مفكرنا الكبير كان فيلسوفًا مصلحًا بشر بفلسفة القوة والنهضة والأمل وبعث الحيوية والصحوة في الأمة الإسلامية بل تعدى تأثيره أمة الإسلام ليؤثر في الفكر العالمي، دعاه الملك الأفغاني نادرخان إلى كابول ونزل ضيفًا عليه فأهدى إليه إقبال نسخة من القرآن الكريم وقدمها إليه قائلاً: «إن هذا الكتاب رأس مال أهل الحق، في ضميره الحياة، وفيه نهاية كل بداية، وبقوته كان عليٌّ فاتحَ خير، فبكي الملك وقال: «لقد أتى على نادرخان زمانٌ وما لهُ أنيسٌ سوى القرآن، وهو الذي فتحت قوته كل باب» (6).
انطلق إقبال في فلسفته إذن من الذات ليؤكد حرية الإرادة والمسؤولية الفردية في مواجهة فلسفات الضعف والخنوع والاستسلام باسم القدر والجبر في ذات الوقت الذي يؤكد فيه ارتباط الفرد بالمجموع ويرى «أن الانتقال من نطاق الفردية إلى نطاق الجماعة أو المجتمع لا يتم إلا بالعمل والكفاح». «إن التواصل بين أفراد المجتمع لا يمكن أن يتحقق إلا بالعمل والحركة لا الكسل والخمول، إن هذا الكفاح والعمل ينقلنا من الفوضى إلى النظام» (7).
كما انتقد إقبال الفلسفة اليونانية القديمة وقام بتقييم تَفاعُل الفرق الإسلامية والمتكلمين معها وتأثرهم بها أحيانًا نراه يقف موقف الناقد البصير من الفلسفة الغربية المعاصرة فيجادل شهوبنهاور ويرد عليه وعلى القائلين بعبثية الوجود ويؤكد أن الوجود لغايةٍ ساميةٍ وأن الموت ليس نهاية المطاف ويثور إقبال ويشتعل غضبه فيوجه كلامه إلى أصحاب هذا الاتجاه قائلاً: ويْحكُم!.. أَمِنَ المعقول أن يخلقنا الله عبثًا؟ أمِنَ المعقول أن تظل الشمس والسماوات والأرض مدى الدهر وطول الأبد، ثم نندثر نحن بهذه السرعة فلا تقوم لنا قائمة بعد ذلك؟ (8).
ولجهد إقبال الكبير وطول باعه في استيعاب وتمحيص ونقد الفلسفات القديمة والحديثة كان حريًا بمكانة عالية وقدر عظيم وسط فلاسفة العالم قديمه وحديثه على السواء. يقول الدكتـور عاطف العراقي: «وإذا كان إقبال قد اهتم اهتمامًا رئيسيًّا في مؤلفاته ورسائله بقضية التجديد، فإنه يمكن القول إن نقطة البداية في فكره الفلسفي حول التجديد إنما تتمثل في الذاتية. إن بداية التفكير نحو قدرة الله في ذات الإنسان. فمن عرف نفسه عرف ربه. لقد أراد محمد إقبال أن يبدأ الطريق من ذاته بحيث ينطلق إلى الله تعالى. فالله غاية الغايات ومنتهى الآمال» (9).
بلغ شاعرنا محمد إقبال أن أحد أصدقائه القرشيين مفتون بالفلسفة وقد أثرت فيه تأثيرًا كبيرًا حتى زلزلت عقائده زلزالاً شديدًا.
فكتب إليه يقول في إحدى قصائده: أنا رجل كما تعرف أرجع في أصلي إلى «سومنات» المعبد الوثني المعروف في الهند. وكان آبائي من عُبَّاد اللات ومناة، وإن أسرتي عريقة في البرهمية.. وأنت تجري في عروقك دماء الهاشميين وتنتمي إلى سيد الأولين والآخرين. وقد امتزجت الفلسفة بلحمي ودمي، وجرتْ مني مجرى الروح، ورغم ذلك كله فإني أقول: إن الحكمة الفلسفية ليست إلا حجابًا للحقيقة، وإنها لا تزيد صاحبها إلا بُعدًا عن صميم الحياة وإن بحوثها وتدقيقاتها تقضي على روح العمل، هذا هيجل الذي تبالغ في تقديره صدفته خالية من اللؤلؤ..، وإن نظامه ليس إلا وَهْمًا من الأوهام.. لقد انطفأت شُعلة القلب في حياتك أيها السيد، وفقدت شخصيتك فأصبحت أسيرًا لـ «برجسون».
إن البشرية تريد أن تَعْلم كيف تُتقِنُ حياتها، وكيف تخلد شخصيتها، إن بني آدم يطلبون الثبات، ويطلبون دستورًا للحياة ولكن الفلسفة لا تساعدهم على ذلك... إن المؤمن إذا نادى الآفاق بأذانه أشرق العالم واستيقظ الكون، إن الدين هو الذي ينظم الحياة، وإنه لا يكتسب إلا من إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام، ومن الغريب أن من اقتنص أشعة الشمس لم يعرف كيف ينير ليله، وأن من بحث عن مسالك النجوم لم يستطع أن يسافر في بيداء أفكاره (10).
وفي آخر رحلته مع الحياة وقبل وفاته بستة أشهر كانت زيارة مولانـا أبي الحسن الندوي لإقبال في لاهور في السادس عشر من رمضان سنة 1356 هـ الموافق الثاني والعشرين من نوفمبر سنة 1937م ومن بين ما حكاه عن هذه الزيارة ونقله عنه قول إقبال عن الفلسفة: «إن علوم الطبيعــة تلتقي مع الإسلام على الجد والعمل والبعــد عن البحـــوث الفلسفيـــة التي لا جدوى فيها، وقد ظلــت هذه الروح متغلغلة في المجتمع الإسلامي قرنين وقد بقي متمسكًا بالعقيدة والعمل والسيرة والخلق حتى طغت عليه الفلسفة الإغريقية، وتحدث عن الفلسفة الإلهية، وكيف شغلت الشرق واستهلكت قواه، وذكر أن أوروبا إنما نهضت وملكت العالم لما ثارت على هذه الفلسفة أي فلسفة ما بعد الطبيعة، وبدأت تشتغل بعلوم الطبيعة المُجدية المنتجة، ولكن قد حدث وثار من المسائل في هذا العصر ما يخاف معه أن ترجع أوروبا القهقرى، وذكر أن العقل العربي كان أقوى على إساغته الإسلام إساغة صحيحة وأجدر بحمل أمانته» (11).
(6) الندوي. روائع إقبال ص 22.
(7) دكتور أسدي. محمد إقبال ص 36.
(8) الكيلاني. إقبال الشاعر الثائر ص 58، 59
(9) خالد أسدي. محمد إقبال. ص 34.
(10) د. أسدي. محمد إقبال ص 56، 57.
(11) الندوي. روائع إقبال. ص 6، 7.






كلمات دالة

aak_news