العدد : ١٥٣٥٧ - الخميس ٠٩ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٦ شعبان ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٥٧ - الخميس ٠٩ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٦ شعبان ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

الإسلام.. والتنمية المستدامة!

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ٢٢ مايو ٢٠١٦ - 03:30



تهتم الأمم كما يهتم الأفراد بتنمية قدراتهم الاقتصادية، حتى يكون دخلهم أكبر من مصروفاتهم، ومتى تحقق ذلك صار من الممكن تحقيق فائض يحقق للأمة أو للأفراد تنمية في مواردهم لتفي هذه الموارد بحاجاتهم، وتكون هناك تنمية مستدامة، أما حين يكون الدخل أقل من المصروفات، فإن الأمة أو الأفراد سوف يواجهون عجزاً اقتصادياً في حياتهم، ولن تستطيع الأمة أو الأفراد تنمية قدراتهم الاقتصادية، وإذا كان هذا يصح في الحياة الدنيا، أفلا يصح في الحياة الأخرى؟، بمعنى أن الإنسان فرداً كان أو جماعة يعمل جاهداً على تنمية قدراته المالية لتفي بحاجاته، وما يزيد على حاجاته كالرفاهية وغيرها، وهو يبذل هذا الجهد في حياة قصيرة وموقوتة، ويهمل التخطيط والإعداد والاستعداد لحياة أبدية لا يفوته فيها نعيمها، ولا يفوت هو هذا النعيم، ألا تستحق هذه الحياة الطويلة والمتيقنة الخالدة أن يخطط لها الإنسان، ويبذل عمره كله في سبيل الاستعداد لها؟!
دعونا أولاً نرجع إلى القرآن الكريم، كتاب الإسلام الخالد، ومعجزته الكبرى من بين معجزات الأنبياء والرسل الكرام (صلوات الله وسلامه عليهم)، يقول تعالى عن الحياة الدنيا وعن حقيقتها التي يجب ألا تغيب عن بال الإنسان: «كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور» آل عمران/185.
هذه هي الحياة الدنيا، وهذه هي حقيقتها عند الله تعالى وفي القرآن الكريم، البقاء فيها موقوت، ومغادرتها أمر لا بد منه، ولا يستطيع الإنسان مهما كانت قوته، ومهما كان سلطانه أن يمتنع عن ذلك، وإذا كنّا نعمل كل ما نستطيع، ونبذل قصارى جهودنا في سبيل دنيا فانية، أعمارنا فيها قصيرة، وزينتها موهومة، وملذّاتها خداع وسراب أليس من المنطق أن نبذل أضعاف ذلك للحياة الخالدة، يقول تعالى عن الحياة الأخرى: «وما الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون» العنكبوت/64.
والآية الجليلة من سورة العنكبوت. تقيم المقارنة بين الدنيا والآخرة في سياق واحد لتكشف لنا الفرق الشاسع بين الدنيا والآخرة على اعتبار أن الدنيا دار ممر، وأن الآخرة دار مقر وإقامة دائمة عبر القرآن عن ذلك بقوله تعالى: «قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد» آل عمران/15.
ورغم أن الدنيا دار ممر، وأنها فانية فإنها مزرعة الآخرة من زرع فيها فسوف يحصد يوم القيامة، ومن أهملها، فسوف يعض أصابع الندم والحسرة، وهي مطية يمتطيها الإنسان ليبلغ بها الآخرة، فإن أجهدها ونفقت بين يديه، فلن يبلغ غايته التي يريد، ويحقق أمنيته التي يتمنى.
بعد هذا البيان الواضح والصريح لكل من الحياة الدنيا والحياة الآخرة تعالوا نقرأ في القرآن الكريم، ونتدبر بعض ما جاء فيه من أحاديث عن مشاريع التنمية للدنيا والآخرة، في الدنيا بركة في المال والأهل والولد، وفي الآخرة نجاة وفلاح وسعادة دائمة في الجنة، فلنقرأ قوله تعالى عن الزكاة لندرك أن هذه العبادة ليست عبادة طقوسية عادية يؤديها المسلم وهو غافل عن أسرارها، لا يشعر بعطاءاتها وبركتها، يقول تعالى: «خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم» التوبة/103.
أي عطاء جليل نأخذه من هذه العبادة العظيمة، إنه تطهير في كل شأن من شؤوننا، وبركة ونماء فيما بقي من مال بعد دفع الزكاة، وقوة شرائية للأموال المزكاة، ودعاء من الرسول (صلى الله عليه وسلم)، ومعلوم أن دعاء الرسول (صلوات ربي وسلامه عليه) مقبول عند الله تعالى، ونتيجته مضمونة، فأي عاقل يعرض عليه مثل هذا المشروع الاستثماري، ويدعى إلى المشاركة فيه، فيفوت هذه الفرصة الذهبية التي تحول حياة الإنسان إلى خير وبركة في الدنيا، ونجاة وسعادة في الآخرة.
المشروع الآخر، هو مشروع يخص أهل الحاجة من الفقراء من الذين دفعتهم ظروفهم الصعبة أن يمدوا أيديهم يطلبون القرض الحسن، وهؤلاء سأل الله تعالى أهل الثراء من الأغنياء أن يبادروا إلى مساعدتهم، يقول سبحانه وتعالى: «من ذَا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون» البقرة/245.
فانظروا إلى هذه الدعوة الكريمة، وإلى هذا التشجيع العظيم للدخول في مثل هذا المشاريع، ولقد ضمن الحق سبحانه هذا القرض لأنه سبحانه هو الضامن للفقير، «.. ومن أوفى بعهده من الله..» التوبة/111.
وأنت أيها الغني الذي أنعم الله تعالى عليك بنعمه الجليلة حين تقرض الفقير، فإنك في الحقيقة تتعامل مع الله تعالى ألم يقل لك الله سبحانه: «من ذَا الذي يقرض الله قرضاً حسناً..» ولم يقل: من ذَا الذي يقرض الفقير قرضاً حسناً، فالمعاملة في أصلها مع الله تعالى، ويا له من شرف عظيم، وتكريم ما بعده تكريم أن تكون شريكاً مع الله تعالى في هذا المشروع الاستثماري العظيم، فهل بعد ذلك تتخلف أيها الغني عن المشاركة في هذا المشروع وأمثاله؟!
وفضلاً عن ذلك، فإن الله تعالى هو الذي كفل الفقير في هذه المعاملة، وهذا يعني أن سداد القرض مضمون، واسأل الله تعالى ألا يستطيع الفقير سداد القرض لتنال بذلك الأرباح الكثيرة المضاعفة، وهذا ما وعد الله تعالى به صاحب القرض حين قال سبحانه: «..فيضاعفه له أضعافاً كثيرة»، وانظروا حجم الأرباح، قال سبحانه: يضاعفه له، ثم قال: أضعافاً، وإذا نكرت الكلمة، فهذا يفيد الكثرة، اقرأوا قوله تعالى: «فإن مع العسر يسرا (5) إن مع العسر يسرا(6)» (الشرح).
فقد جاءت كلمة العسر معرفة بأل التعريف، وهذا يعني أن العسر الأول هو نفس العسر الثاني أما اليسر، فقد جاء نكرة وهذا يعني أن اليسر جاء مرتين والعسر مرة واحدة، وقال العلماء: لن يغلب عسر يسرين، ثم بعد ذلك قال سبحانه: كثيرة، أي أن الاضعاف كثيرة وليست قليلة، فانظروا إلى هذا الخير الوفير والعميم، فمن منا يتخلف عن المسارعة إلى المشاركة في مثل هذه المشاريع بعد كل هذا الذي علمناه؟!
وإليك مشروع استثماري إيماني آخر ندبنا إليه الحق سبحانه وتعالى، وطلب منا المسارعة اليه ليس بسبب قلة الأسهم المعروضة، أو لأن وقت الاكتتاب فيه له وقت محدود، بل لأن عمر الإنسان هو المحدود ولا يعلم متى يفاجئه الموت فهي فرصة ذهبية إذا ذهبت  فلن تعود، يقول تعالى: «وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين (133) الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين (134)» آل عمران.
المسارعة هنا مطلوبة، وهي سباق مع الزمن، زمن الإنسان أي عمره، وليس زمن الدنيا، ويتميّز هذا المشروع عن غيره من المشروعات في ضخامة العوائد الجزيلة، والجوائز العظيمة، المهم أن عامل الوقت له أهميته العظمى وعلى الإنسان ألا يسوف حتى لا تفوته هذه الفرصة، فيندم حيث لا ينفع الندم.
وهناك مشاريع للتنمية المستدامة التي يظل عطاؤها متدفقاً رغم وفاة صاحب المشروع، عن أبي هريرة (رضي الله عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» رواه مسلم، وأخرجه برقم (1632).
حين يموت الإنسان، ويترك واحدة من هذه الثلاث، فهو قد أنشأ مشروعاً استثمارياً تنموياً تنميته مستدامة بعد وفاته، ويظل ريع هذا المشروع يسجل له في صحائف أعماله يوم القيامة، فترجح كفة حسناته على كفة سيئاته حتى لو كانت سيئاته وقت وفاته أكثر من حسناته، فبفضل هذا المشروع التنموي الدائم، سوف ينعم بالجنة وما فيها من نعيم.
هذا بإيجاز شديد بعض المشاريع القرآنية في مجال التنمية في الدنيا والآخرة، فسارعوا إلى الاشتراك فيها بالقدر الذي تستطيعون ولو بشق تمرة أو بكلمة طيبة.

aalbinfalah@gmail.com





كلمات دالة

aak_news