العدد : ١٥١٢٤ - الثلاثاء ٢٠ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥١٢٤ - الثلاثاء ٢٠ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

بريد القراء

«الإلحاد.. ناقوس الخطر»

السبت ٢١ مايو ٢٠١٦ - 03:00



الإلحاد كظاهرة تفشت في جسد المجتمع لها ما لها من الأسباب والتبعات التي جعلت منها مصيدة تلاحق الباحثين عن الاعتدال وحرية الرأي والفكر التي افتقدها الكثير لعدة أسباب، مما جعلهم يجدون أنه لا سبيل للحصول على ما يريدونه إلا اتباع دين يبيح لهم كثيرا من الأمور التي تتوافق مع رغباتهم، من دون وعي منهم بمضامين الدين الإسلامي واليُسر الذي يحمله في كثير من هذه الرغبات إذا ما فهموه فهماً صحيحاً، وتفقهوا في أحكامه بعيداً عن التشدد.
وإننا لو ما نظرنا حولنا لوجدنا الكثير ممن ذهبوا خلف هذه الظاهرة بإعجاب يليه تبعية كاملة أو بتحول جذري ابتداءً، ومما لا شك فيه أن لكل ظاهرة أسبابا لوقوعها، ولو بحثنا جاهدين عن هذه الأسباب لوجدناها أسبابا حقيقة تشجع الشباب على ترك دينهم نتيجة للأحداث التي يرونها حولهم وخاصة ممن يضعف الإيمان في قلبه.
فالأسباب كثيرة في هذا الجانب والتي يتحمل تبعاتها أطراف عدة منها الفرد والأسرة والمجتمع، فعندما أجالس من سلك هذا الطريق أجد البعض منهم ينحدر من أسر ذات التزام بالدين وتشدد كبير، فأتعجب.. كيف لشخص أن يصبح ملحداً في بيئة ملتزمة؟!.. فوجدت أن الالتزام قد يكون نافعاً وقد يكون بعكس ما أُريد له، فنجد التطرف والتشدد في كثير من المسائل والعمل على التلقين والإقحام لأحكام الشرع بالقوة في أذهان الأبناء مما يؤدي بهم الى انفجار وشيك نتيجة لهذا الضغط المتراكم في وجه التعصب الذي لم يأمر به ديننا الحنيف، وإنما كل هذا ناتج عن سوء فهم وطريقة خاطئة يتبعها الآباء والمربون بحجة الحفاظ على أبنائهم من الضياع، فيؤدي ذلك إلى مهالك حتمية.. وعليه يذهب الابن للبحث عن حرية وإنصات وإجابات لتساؤلاته ونمط معيشي معتدل ووسطي، فيسعى باحثاً عن كل هذا مما قد يجعله لا يجد سبيلا لذلك إلا بالابتعاد عن الدين الذي خُيل له أنه ذاك الذي تلقاه في بيئته، فكثير من الأبناء يحفظ القرآن الكريم ويتربى على أداء العبادات نتيجة ضغط يُمارس عليه وليس بإرادة منه وطيب نفس.
ومن الأسباب كذلك التساؤلات التي تطرق أذهان بعض الشباب والتي تحتاج الى إجابات وافية وشافية، في حين أنها تُقابل بالتخويف والكبت وعدم الترحيب بالحوار، فتأتي ردة الفعل أسوأ مما أُريد لها.
إلى جانب ذلك.. من المعضلات التي تواجه فئة الشباب الخطاب الديني التعبوي التخويفي الذي يصور الإسلام على أنه دين عنف وحرب واقتتال، فيغرس مفاهيم الكراهية باسم الدين ضد كل من لا ينتمي الى الإسلام، مما يترجم ذلك واقعاً عملياً في حياة الناس عند الاختلاط بمن يختلفون عنهم ديناً ومذهباً في مختلف المواقع، ويتولد من ذلك نفور وبغض منافيان للفطرة السليمة تجاه الإنسانية. والجدير بالذكر ان أغلب من توجه ضدهم الكراهية هم أشخاص أحسنوا للبشر في عدة مجالات كالطب والتعليم والمجال الخدمي بشتى أنواعه، وهذه من القضايا المؤثرة في ترك الدين واللجوء الى الإلحاد لظن منهم أنه الأنسب والأكثر إنسانية، بينما الإلحاد محطم للإنسانية التي تكون فيها كرامة الإنسان بالاستناد إلى الإيمان بخالق منحه الكرامة.
وإذا ما تحدثنا عن أسباب أخرى نرى أن من أهمها تقديس الأشخاص والعلماء حتى يصل بهم الأمر الى مراتب عليا كأنهم معصومون، فتحصل ردة فعل نتيجة هذا التقديس تبرر النفور من الدين، وغير ذلك فيما يتعلق بالمرأة التي يصور لها أعداء الدين أنها واقعة تحت قيود العادات والتقاليد البعيدة عن التحضر، وسطوة الشهوات التي تبحث عن مبرر وتهرب من وخز الضمير، فباللجوء الى الإلحاد يمكن الهرب من كل ما من شأنه تأنيب للضمير، إذا يسبق الحديث التخويفي والتهديد من المعاصي الوعظ اللين وتذكير الناس بمهالك هذا الفعل وعواقبه، وما هي السبل للوقاية منه، وأن حكمة الله في تحريم بعض الأمور عائدة بالنفع علينا وليس تقييدا لحرية الإنسان كما يتردد على مسامعنا.
ومن ذلك، الأفكار والروايات الكتب التي تقع في متناول الجميع من دون رقابة في ما تحويه من أساليب متقنة وعاطفة جياشة لتلميع هذا الفكر ودغدغة مشاعر وأحاسيس الكثير من الذين يبحثون عن الإنصاف والإعجاب والشهرة، فتقع في متناول ممن لا يوجد لديهم تحصين كافٍ يمكنه من خلاله تمحيص الكتب وأخذ المفيد منها وترك ما دون ذلك، حتى لا يحدث تأثر سريع وتشرب للأفكار من دون تقليب النظر فيها، حيث تصور للشاب المسلم بأنه واقع تحت قيود فرضها عليه المجتمع والمتسلطون باسم الدين يجب أن يخرج منها ليرى النور الذي يوهمونه به، جاهلين بأن النور هو نور الإسلام، وما دونه إنما هو ظلمات تهوي بالإنسان للشتات والضياع.. ومما يسهل استقطاب الشباب لهذه الأفكار ما يعانيه من اضطرابات نفسية واكتئاب يكسبها من الأفكار السلبية التي تسيطر على الإنسان وتحدث لديه شكوكا مربكة لا يمكن تجاوزها.
وعليه.. فإن ما تم ذكره آنفاً بعض من الأسباب التي قد تعمل على أن يميل الشباب المسلم بعيداً عن المياه الهادئة المنجية والغوص به في ظلمات البحور.
ولذا.. فإن الحلول تقع على عاتق الجميع ابتداءً من الفرد نفسه في المحافظة على كل ما من شأنه أن يعزز الإيمان في نفسه، وأن يفهم الإسلام فهماً صحيحاً فيأخذ الموعظة ممن عُرف عنهم الاعتدال والوسطية بعيداً عن التلاطم بين أمواج عاتية من الدعاة، والدور الأكبر يقع على الأسرة في اتباع أسلوب تربوي إسلامي معتدل، يتقبل الرأي ويحاور ويبين ويوضح للابن حقيقة الأمور ويجيب عن تساؤلاته بشكل مقنع من دون إملاءات قسرية وتعبئة خاطئة في نفوس الأبناء من دون توضيح للأسباب والنتائج المترتبة على كل عمل. ومن الضروري كذلك أن يهتم الدعاة والمربون والمفكرون بهذا الجانب وتقبل الحوار مع الشباب المتسائل والترحيب بالأسئلة أيّاً كانت بالأخذ والعطاء لا بإعطاء موعظة والاكتفاء بذلك والتعامل بطريقة أستاذية.
وهنا لا ينبغي بأي حال أن نغفل عن دور التربية المتضامنة بين الأسرة والمدرسة والمسجد ووسائل الإعلام ورعاية الشباب والأندية الثقافية إذ ان الإلحاد ظاهرة منتشرة في الغرب وستنتقل إلينا ضمن ما نستورده من هناك وما لم يكن لدينا حلول وقائية فلن نستطيع أن نقاومه بكفاءة مهما كان لدينا من تدين وأناس صالحين. إن تشرب شبابنا لأخلاق الغرب ولباسهم وطريقة عيشهم سوف تصاحبه معتقداتهم وأفكارهم.
ومما نحن بحاجة إليه تحسين الخطاب الديني الإرشادي الذي يعزز مفهوم المحبة والإخاء والدعوة الى الدين بالتي هي أحسن وعدم خلق الكراهية والعنف في أوساط المجتمع وخاصة الشباب والمراهقين.
كما أنه يقع على عاتق المجتمع متابعة كل ما من شأنه إحداث اضطرابات فكرية في نفوس الشباب من المجلات والكتب وجعلها في متناول القارئ من دون متابعة وتمحيص والعلم بما تحويه من أفكار مؤثرة في نفوس الشباب مما يجعلهم لقمة سهلة للانقياد خلف هذه الظاهرة، حيث ان هذا الأسلوب متبع من قِبل منظمات تساعد على نشر الفكر الإلحادي منتهزة الفرصة التي يعاني منها الشاب المسلم من اضطرابات نفسية وفكرية حتى تشككه فيما هو عليه وتربط ما يحصل للأمة وما تعانيه الشعوب الإسلامية بالبطلان الديني، فالملحد هو إنسان تعرض لمؤثرات تسببت في بناء شخصيته وأثرت في تكوينه الفكري مع جانبه العقدي ليظهر على سلوكه ويصبغ تصرفاته وعلاقاته الاجتماعية وطريقة إشباعه لحاجاته حتى أصبحت له مبادئ واتجاهات وأفكار توجه سلوكه وتصرفاته وتشكل مذهبه في الحياة والعلاقات. لهذا.. فمجتمعاتنا في غالبيتها مكونة من الشباب الذي ربما يتعرض للقلق الوجودي، مما يسهل اختراق أذهانهم بهذه الظاهرة رغم تدينه مع عدم وجود تحصين وموانع مناسبة لضغوط العولمة وإغراءات الحياة المادية.
هشام اليافعي






كلمات دالة

aak_news