العدد : ١٥٣٥٤ - الاثنين ٠٦ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٣ شعبان ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٥٤ - الاثنين ٠٦ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٣ شعبان ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

من مفكرة سفير عربي في اليابان الشرق الأوسط ومهزلة العقل البشري

بقلم: د. خليل حسن

السبت ٢١ مايو ٢٠١٦ - 03:00



ليسمح لي عزيزي القارئ أن أناقش في هذا المقال التعليقات العديدة التي طرحها القراء، في مقال شهر أبريل الماضي «أتطرف إسلامي أم أسلمة للتطرف»؟ وأرجو ان يكون القلب مفتوحا والصدر واسعا لهذا النقاش، وليكن واضحا جدا أن القصد من هذه الكتابة وهذا الحوار هو خلق مجتمع شرق أوسطي مسالم وسعيد وتناغمي مبدع ومنتج، يمكن أن يتحول إلى سوق اقتصادية ناجحة، لتتطور التكنولوجيا فيه، وتصنع خيرة البضائع، وتوفر وظائف متطورة لشبابه، كما نجح الاتحاد الأوروبي بدوله الثماني والعشرين، وأمريكا بولاياتها الواحدة والخمسين، كما تحاول الدول الآسيوية والدول الإفريقية ودول أمريكا اللاتينية خلق أسواق مستقبلية منتجة. وقد عرضت وجهة نظر الاقتصادي الغربي اناتول كاليتسكي في التحديات التي تعيشها الرأسمالية العالمية في المرحلة الرابعة من تاريخها، بعد أن أثار تباين الثراء غضبا عولميا مخيفا، وبعد أن حذر المسئولون في كل مكان شعوبهم من ركود اقتصادي متوقع، بالرغم من توافر التكنولوجيات الجديدة، وعمليات إدماج المليارات من العمال الإضافيين في الأسواق العالمية، والتي خلقت الفرص التي ينبغي لها أن تعني المزيد من الازدهار في العقود المقبلة. لذلك ليس من المستغرب إذاً أن تثور ثائرة الناخبين، حيث يستشعر الناس أن قادتهم يملكون الأدوات الاقتصادية القوية الكفيلة بتعزيز مستويات المعيشة، حيث من الممكن طباعة النقود، وتوزيعها بشكل مباشر على المواطنين، ومن الممكن رفع الحد الأدنى للأجور للحدّ من التفاوت بين الناس، وبوسع الحكومات أن تزيد من استثماراتها في البنية الأساسية والإبداع بتكاليف لا تتجاوز الصِفر، بل من الممكن أن يعمل التنظيم المصرفي على تشجيع الإقراض بدلاً من تقييده.
ولكن نشر مثل هذه السياسات الجذرية يعني رفض النظريات التي هيمنت على الاقتصاد منذ ثمانينيات القرن العشرين، ولتتلخص الرسالة التي تبثها الثورات الشعبوية اليوم بأن على المسئولين أن يمزقوا دليل اللوائح التنظيمية الذي تعودوا العمل به، بل أن يعملوا على تشجيع ثورة في الفِكر الاقتصادي، وإذا رفضوا ذلك، فمن المؤكد أن «وحشا فظا» سوف يفيق أخيرا، لكي يقوم بهذه المهمة بالنيابة عنهم. وقد طرحنا السؤال التالي: هل هذا «الوحش» كان داعش الشرق أوسطي، أو حزب لوبين الفاشي الأوروبي، أم سيكون الملياردير الجمهوري الأمريكي دونالد ترامب، أم الاشتراكي الديمقراطي الفقير برني ساندرز؟ كما طرحنا أسئلة أخرى: هل فعلا يمثل داعش التطرف الإسلامي؟ أم ألصق الإسلام في وحشية داعش؟ وما سبب هذه الوحشية المقيتة؟ هل هي جينات وراثية مريضة؟ أم هي تبعات ظروف سياسية ومعيشية في المعاناة من البطالة والفقر والجهل والمرض؟ أم المعضلة ثقافة إيديولوجية طائفية سقيمة؟ ومن هم وراء هذه الثقافة؟ وقد لفت نظري أن معظم تعليقات القراء الأعزاء المتضادة، ركزت على الجانب الديني من السؤال، وتناست الجانب الفلسفي أو الاقتصادي الأهم. وقد شعرت في هذه التعليقات سيكولوجية غضب شديدة بين الفئتين المتحاورتين، لتعبر عنها من خلال الهجوم العنيف وخاصة على الثقافة الإسلامية أو على الثقافة المسيحية. وأرجو أن يتفهم القارئ العزيز سبب استخدامي الثقافة الإسلامية لا الدين الإسلامي، أو الثقافة المسيحية لا الدين المسيحي، لأن الثقافة الدينية هي نتاج تفاعل وتمازج المجتمع مع الرسالة الدينية، وتختلف تفاعل المجتمعات مع مختلف الأديان، بحسب الظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتاريخية والطبيعية والتربوية التي تعيشها.
فقد عانت شعوب منطقة الشرق الأوسط من تحدّ تاريخي حافل، منذ حضارة الاغريق والفرس والرومان، الى الحضارة الإسلامية والعثمانية، وإلى ما بعدها من الاستعمار الغربي، وإلى حركات التحرر والاستقلال، حتى مراحل الثورات والانقلابات الوطنية والقومية والاشتركية والدينية. ولا شك أن هذه الإرهاصات، مع تحدياتها المزمنة، أثرت على العقلية الشرق أوسطية، وقد حاولت أن أتفهم ماهية هذا العقل وغضبه، وتأثير هذه التحديات التاريخية والمجتمعية على تطور نموه، وقد وجدت ضالتي في كتاب لعالم الاجتماع العراقي البروفيسور علي الوردي بعنوان «مهزلة العقل البشري». وليسمح لي عزيزي القارئ بمناقشة بعض أفكار هذا الكتاب القيم.
يبدأ الدكتور الوردي بعرض القصة الفلسفية، «حي بن يقظان»، التي كتبها ابن طفيل، في القرن الثاني عشر، والتي تتحدث عن قصة خيالية لإنسان ولد وترعرع في جزيرة منعزلة، فأرضعته ظبية، لينمو وحيدا فيها حتى بلغ مبلغ الرجال، وتوصل بتفكيره المجرد إلى الكثير من الحقائق الكونية التي توصل إليها الفلاسفة العظام من قبل. فبذلك تصور ابن طفيل أن العقل البشري جهاز فطري، ينمو من تلقاء ذاته، فلا حاجة إلى التدريس والتلقين، وحينما ينمو هذا العقل بعيدا عن سخافات المجتمع وأباطيله يصبح أسلم تفكيرا وأصح استنتاجا. ويصف الدكتور الوردي هذه القصة بأنها «خرافة خيالية، وفرضية خاطئة»، ويثبت ذلك بقصة أخرى واقعية حدثت في الهند. فقد عثر فعلا في عام 1927 على طفل هندي في العاشرة من العمر في عرين للذئاب، وكان عقله وسلوكه يشبهان الذئاب تماما، ينبح ويأكل الحشيش ويمشي على الأربع، ويعضّ البشر. ويعلق الوردي على ذلك بقوله: «فالإنسان لا ينمو عقله إلا في حدود القالب الذي يصنعه المجتمع له، فالمفكرون القدماء درسوا أفانين الفلسفة من كتب توارثوها، وأخذوا يحفظون ما قيل فيها ويجترونه ثم يتقيأونه على تلامذتهم، وبذلك يضعون عقولهم وعقول تلامذتهم في تلك القوالب من حيث لا يشعرون. بل يعتقدون أن ما اعتادوه من الآراء أمر لا يقبل الجدل، فهو خالد وثابت، بل هو الحق الذي لا ريب فيه، ذلك لأنه قد اكتشفه العقل وآمن به على مرور الأجيال فلا مجال للشك عندهم. ومن مزايا عصرنا أن الحقيقة المطلقة استبدلت بسلطان النسبية، فما هو حق في نظرك باطل في نظر غيرك. والتحدي هو أن العقل يفكر استنادا على بعض المقاييس والمعلومات السابقة، كما أنه من الصعب أن يفكر على أساس غير مألوف».
كما يعرض البروفيسور الوردي حوارا لأينشتاين يقول فيه: «مشكلة العقل البشري أنه يريد إخضاع الكون للمقايس النسبية التي اعتادها، بل ويعتبرها حقائق مطلقة وخالدة، ومثل ذلك مفهوم الزمان، الذي اعتاد الناس فهمه كلحظات عابرة من ثوان ودقائق وساعات، وهي في الواقع مشكلة فلسفية تشبه مشكلة المكان. فأين يبدأ الزمان والمكان، في هذا الفضاء التي تسبح فيه الأجرام السماوية؟ وأين ينتهي؟ الفضاء ليس مكونا من ثلاثة أبعاد، الطول والعرض والارتفاع، بل هو فضاء محدب يلف على نفسه ويصبح مثل الكرة، ومكون من أربعة أبعاد، والكون ينحني نحو البعد الرابع وهو الزمان. لتفتح هذه النظرية مفهوم «الزمكان» ليتحول الزمان الى بعد فضائي رابع، لخط يمتد بين ايدينا، ونحن نمر عليه في حياتنا خطوة خطوة، أي هو لا يمر بنا كما تمر الثواني والدقائق، بل ليصبح الإنسان فيه كراكب دراجة، ينظر الى الأرض فيراها تتحرك تحته مسرعة، كأنها تمرّ به، والواقع أنه هو الذي يمر عليها وهي واقفة. فالزمان بماضيه، وحاضره، ومستقبله، خط ممتد في الكون، بينما الإنسان واقف في مكانه لا يأتي ولا يذهب».
ويعرض الدكتور الوردي الواقع الشرق أوسطي، فيقول: «الكل يبحث عن الحقيقة، ولكن ليس هناك حقيقة، وإنما كلها فرضيات نسبية. ومع الأسف هذه المقولة نسفت ليس فقط العلوم الطبيعية، بل أيضا العلوم الاجتماعية، التي تضم تاريخنا الديني والسياسي، وعلاقة تفكيرنا الشرق أوسطي بالفلاسفة الاغريق، من سقراط وافلاطون حتى ارسطو. فتحليلات تفكيرنا مرتبطة بالتحليل الأرسطوطاليسي، ليعتقد ابن طفيل وأمثاله من المفكرين القدماء بأن الإنسان إذا اتبع في تفكيره القياس المنطقي الذي جاء به أرسطو بدقة، فإنه يصل حتما إلى الحقيقة التي تصح في كل زمان ومكان. ولو نظرنا إلى هذا القياس الأرسطوطاليسي، وجدنا أنه يقوم على ثلاثة أركان: المقدمة الكبرى: كل إنسان فان، ومقدمة صغرى: سقراط إنسان، ونتيجة: إذن سقراط فان. فمن المفروض إذا كانت المقدمتان صحيحتين فالنتيجة ستكون صحيحة، والذي يعتمد أساسا أساسه على المقدمة الكبرى، والتي تستند على البديهيات المجتمعية المألوفة، والتحدي الكبير هو في مدى حقيقة هذه البديهيات المجتمعية المألوفة، ليتضح لنا مدى تفاهة هذا القياس برمته. وكما قالها وليم جيمس: الحقيقة ليست إلا فرضية يفترضها الإنسان كي يستعين بها على حل مشكلات الحياة. ومن مهازل الأمور أن نرى الحقيقة النسبية الآن مسيطرة على البحوث الطبيعية، بينما أصحابنا لا يزالون يؤمنون بالحقيقة المطلقة، حتى في بحوثهم الاجتماعية والفكرية الخاصة، بل نراها واضحة في بحوثهم التاريخية. فهم إذا أحبوا رجلا في التاريخ رجعوا إلى كل عمل قام به أو فكرة فاه بها، وأخذوا يجمعون الأدلة العقلية والنقلية للبرهنة على صحتها وصلاحها في كل زمان ومكان، اما الذي يكرهونه فكل أعماله وأقواله باطلة حتى تلك التي وجدوا مثلها عند رجلهم المحبوب».
وقد بينت الأبحاث التكنولوجية المقطعية التشريحية والوظيفية الحديثة للمخ البشري أن العقل البشري مكون من مئات من المليارات من الخلايا العصبية الميكروسكوبية الصغيرة، وهي الخلايا المسئولة عن التفكير والذكاء الفكري، والذكاء الاجتماعي، والذكاء العاطفي، والذكاء الأخلاقي، والحواس الخمس، والحاسة السادسة المسئولة عن فهمنا لتصرفاتنا وعواطفنا وتفكيرنا الشخصي، والحاسة السابعة المسئولة عن فهمنا لتصرفات وعواطف وتفكير الآخرين، ومراكز حركات الأطراف العلوية والسفلية، ومراكز باقي أعضاء الجسم البشري. وتتكون الخلايا العصبية من جدار بروتيني، وبداخله مادة هلامية، توجد فيها مصانع عديدة، تنتج الطاقة والمواد البروتينية والدهون والسكريات ومواد كيمياوية معقدة جدا، والهرمونات، التي تنظم عمل الوظائف المختلفة في خلايا الجسم. كما توجد في وسط هذه الخلية نواة كروية الشكل بها المورثات، والمكونة من جينات، مشكلة من مادة الحمض النووي الريبي غير المؤكسج، والمعروف بمادة دي. إن. أيه. ويمكن أن نشبه الخلية العصبية بالكومبيوتر، والجينات ببرامج التشغيل الإلكترونية، بينما مادة الدي. إن. إيه. يمكن أن نشبهها بالشفرات الإلكترونية التي تكون برامج تشغيل الكومبيوتر. وحينما يولد الطفل تكون عدد هذه الخلايا العصبية كاملة وتعدّ بمئات المليارات، والمهم في هذا الموضوع هو أن هذه الخلايا العصبية، لكي تقوم بوظائفها بشكل متكامل، يجب أن ترتبط ببعضها البعض، وبباقي أعضاء الجسم، بالألياف العصبية. اي الأسلاك، التي تربط هذه الكومبيوترات العصبية ببعضها البعض، وبباقي أعضاء الجسم، والتي يصل عددها في الإنسان الكهل الى مئات التريليونات. والأهم في كل ذلك هو أن هذه الأسلاك العصبية المعقدة تبدأ نموها واتصالاتها مع الخلايا العصبية، وأعضاء الجسم المختلفة، بعد الولادة، وتستمر حتى الشيخوخة، ولكن أهم مرحلة في تواصل هذه الاسلاك هي السنوات الثلاث الأولى من حياة الطفل، حيث تتم في كل ثانية، انتبه عزيزي القارئ، في كل ثانية، ألف نقطة تواصل في هذه الشبكة العصبية، والتي تحدد المستقبل العقلي والفكري والحركي والعاطفي والإبداعي للطفل. ويعتمد إتقان ودقة تواصل هذه الأسلاك العصبية التي في المخ البشري على الظروف المحيطة بالطفل، من ظروف تربوية وتعليمية وطبيعية وفكرية وثقافية وفنية إلى آخره. وبمعنى آخر، يعتمد تطور العقل البشري على الظروف المحيطة به، والتي تلعب دورا رئيسيا في صحة ودقة ومتانة تواصل الأسلاك العصبية بين بعضها البعض، لتعمل بتناغم وتعاون وتناسق جميل، وبتواصلها مع باقي إحساسات وأعضاء الجسم المختلفة، لتخلق إنسانا مسالما سويا ذكيا متزنا متعاطفا ومبدعا ومنتجا وسعيدا. وإن خذلت الظروف المحيطة هذا الطفل يمكن أن يتحول الى وحش داعشي مفترس، أو كالطفل الهندي الذئب.
ولننهِ المقال بعبارة للدكتور علي الوردي، رحمه الله، تقول: «المفاهيم الجديدة التي يؤمن بها المنطق الحديث هو مفهوم الحركة والتطور، فكل شيء في هذا الكون يتطور من حال إلى حال، ولا رادّ لتطوره، وأصبح من الواجب على الواعظين أن يدرسوا نواميس هذا التطور، قبل أن يمطروا الناس بوابل مواعظهم الرنانة. والمفاهيم الحديثة التي تأتي بها الحضارة الغربية آتية لا ريب فيها، وآن الأوان لفهم الحقيقة قبل فوات الأوان، إذ إن العالم الإسلامي يمرّ اليوم بمرحلة انتقال قاسية، يعاني منها آلاماً تشبه آلام المخاض، فمنذ قرون قريبة كان العالم يعيش في القرون الوسطى، وفجأة جاءت الحضارة الجديدة فأخذت تجرف أمامها معظم المألوف، لذا ففي كل بيت من بيوت المسلمين عراك وجدال بين الجيل القديم والجيل الجديد، ذلك ينظر في الحياة بمنظار القرن العاشر، وهذا يريد أن ينظر إليها بمنظار القرن الحادي والعشرين. فكان ينتظر من المفكرين.. أن يساعدوا قومهم على أزمة المخاض هذه، لكنهم كانوا على العكس من ذلك، يحاولون أن يقفوا في طريق الإصلاح. فلذلك الكتابة هي محاولة لسن قراءة جديدة في مجتمع إسلامي يعيش، بعقلية الماضي، في عصر التطور، الذي يتطلب رؤيا ومفاهيم ثقافة دينية تتماشى وذلك الواقع المُعاش». ولنا لقاء.
j سفير مملكة البحرين في اليابان





كلمات دالة

aak_news