العدد : ١٥٣٥٧ - الخميس ٠٩ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٦ شعبان ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٥٧ - الخميس ٠٩ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٦ شعبان ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

الإسلام والتسامح

بقلم الشريف: د.محمد بن فارس الحسين

السبت ٢١ مايو ٢٠١٦ - 03:00



زعم الكثيرون أن الإسلام نُشر بالسيف، وزعموا أن الإسلام جاء ليرهب الناس ويحرمهم من حقوقهم ويسلبهم حريتهم، ونسوا أن الله تعالى هو من شرع لهم هذه الحقوق فليس من حق أحد أياً يكن أن يسلب إنسانا حقه مهما كانت ديانته ومعتقداته، فما بالك بالمسلمين الذين أمرهم الله تعالى بالإحسان والبر لغير المسلمين قال تعالى «لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ».
إن المطّلع على سيرة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وصحابته ليرى معنى التسامح متجسداً في العديد من المواقف التي بيّنت لنا عظم الإسلام ورحمته ببني البشر ومدى الرقي الذي عامل به رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام من خالفهم وحتى من آذاهم وحاربهم.
فلرسولنا الكريم الكثير من المواقف التي تشهد على مدى تسامحه مع النصارى؛ فقد استقبل وفد نصارى الحبشة، وأكرمهم بنفسه وقال: «إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين، فأحب أن أُكرمهم بنفسي». كما أن الرسول كان يحضر ولائم أهل الكتاب ويشيع جنائزهم، ويعود مرضاهم، ويزورهم، ويكرمهم حتى روي أنه لما زاره وفد نصارى نجران فرش لهم عباءته، ودعاهم إلى الجلوس.
ولقد رسَّخ الإسلام تحت مظلة التسامح أنه لا ينبغي لأحد أن يدخل الإسلام مُكرهاً ، فالعقل والقلب معاً يجب أن يستقبلا العقيدة بشكلٍ جليٍّ لا لبس فيه من غير خوف ولا غموض قال تعالى «لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ».
كما أن الإسلام نظر لغير المسلمين على أنهم بشر يجب مجادلتهم بالحسنى، فقال الله تعالى «وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ».
وبهذه التعاليم السمحة أرسى الإسلام قواعد التعامل مع غير المسلمين والتي بُنيت على أسس التسامح والتعايش وجعل من سيرة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم مثالاً لهذا المعنى، فقد علمنا رسول الله معنى التسامح في العديد من المواقف ومنها على سبيل المثال:
يوم جاءت فاطمة، وهي صغيرة السِّنِّ رضي الله عنها وأرضاها إلى أبيها، تشتكي لطـْمَ أبي جهلٍ لها - لطمها أبو جهل - فقال لها المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم : «اذهبى إلى أبي سفيان واشتكي له» وذهبت إلى أبي سفيان، وقالت له القصة، فأخذها أبو سفيان وكان مشركاً، وقال لها :الطمي أبا جهلٍ كما لطمك، فلطمته وعادت، فأخبرت النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك، فرفع يديه إلى السماء وقال: «اللهم لا تنسها لأبي سفيان». يقول ابن عباس: فما أظنّ أنَّ إسلام أبي سفيان إلا استجابةً لدعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذه.
إن النصوص القرآنية حثت على التسامح والصفح عن المسيئين وجعلت أجر ذلك عظيماً عند الله قال تعالى «لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ».
وقال تعالى «قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ».
ودعانا الإسلام إلى التخلق بالأخلاق الحسنة؛ فهو أساس الرسالة المحمدية، فقال عليه الصلاة والسلام «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق». ورب العزة سبحانه وتعالى يصفه في كتابه بقوله «وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ». وحسن الخلق هو من أعظم ما يتقرب به العبد من ربه ومن نبيه صلى الله عليه وسلم حيث قال عليه السلام «إن أحبكم إليّ وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحسنكم أخلاقاً».
كما أن الإسلام يدعو إلى الرفق وعدم القسوة ونبذ العنف، فقد خاطب الله عز وجل نبيه قائلاً «وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ». فهو يحثه في هذه الآية على مقابلة الإساءة بالإحسان فهو أحرى وأجدر لإنهاء العداء وتأليف القلوب.
وإذا نظرنا إلى سيرة الصحابة الكرام نجدهم وقد اتبعوا المنهج القرآني في التسامح سائرين على خطى نبيهم صلى الله عليه وسلم، فمن منا لا يعلم قصة الصحابي الجليل خبيب بن عدي الذي أسره كفار قريش ليقتلوه صلباً، وعندما أخبر الكفار خبيباً أن ساعة قتله قد اقتربت طلب منهم أن يعطوه موساً لكي يحلق شعره. وبينما هو يحلق شعره إذ زحف أحد أطفال الكفار إليه فوضع خبيب الطفل على فخذه فلما رأت أم الطفل ذلك فزعت فزعاً شديداً لأن خبيب في تلك اللحظة كان بإمكانه أن يقتل الطفل انتقاما من كفار قريش أو أن يأسر ذلك الطفل ليطالب بإطلاق سراحه، لكنه قال لأم الطفل حين أتت إليه «أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك إن شاء الله». تلك هي أخلاق الصحابة التي استقوها من القرآن الكريم ومن حياة معلمهم نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم.
فإذا تمعنا في جوهر الإسلام وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته نجد أن الإسلام انتشر بأخلاق المجاهدين الذين فتحوا البلاد الإسلامية والذين التزموا قول الله تعالى «وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا» واتبعوا وصايا رسول الله لهم حيث قال «لا تغدروا ولا تغلوا ولا تقتلوا وليداً ولا امرأة ولا كبيراً فانياً ولا منعزلاً بصومعة ولا تقربوا نخلاً ولا تقطعوا شجراً ولا تهدموا بناءً».
j أكاديمي متخصص في العلوم الشرعية
وتنمية الموارد البشرية.
Dr.Mohamedfaris@yahoo.com





كلمات دالة

aak_news