العدد : ١٥١٨٦ - الاثنين ٢١ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٦ - الاثنين ٢١ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ صفر ١٤٤١هـ

الاسلامي

لقمان الحكيم (1-2)

بقلم: حسن علي البنفلاح

الجمعة ٢٠ مايو ٢٠١٦ - 03:00



ذكر القرآن الكريم لقمان بالاسم ضمن ترتيل إحدى آياته «وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فإنّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ(12)»، بل أكثر من ذلك فقد كرّمه الله سبحانه وتعالى بأن أطلق اسمه على سورة من سور القرآن الحكيم وهي سورة لقمان وترتيبها في الكتاب الحكيم 31، ويعد هذا دليل ساطع على مكانة هذا الرجل الحكيم لما تحلى به من عظمة في الفكر وعلو في الشأن في ذلك العصر القديم الذي لم يشتهر أحد بمثل ما اشتهر به هذا الرجل من رجاحة العقل وحصافة الفكر حتى لُقِّب في ذلك الزمان بلقمان الحكيم.
ورد في الروايات أن اسمه لقمان بن ياعور ويقال إنه ابن أخت أيوب أو ابن خالته، كان من ساكني أسوان بمصر وقيل عنه تارة إنه نجار، وأخرى إنه خياط، كما قيل عنه إنه كان راعيا، وقد عاصر زمن داوود عليه السلام، وأظهر خلال نشأته الزهد والحكمة في السلوك والتصرف حتى طال به العمر إلى أيام يونس بن متى عليه السلام، ولم يشر القرآن الكريم تحديدا إلى عصر هذا الرجل العظيم.
كانت وصايا لقمان التي جاء ذكرها في إحدى سور القرآن الكريم تدل على حكمته وعمق فكره، ورجاحة عقله، ففي هذه الوصايا الموجهة أساسا إلى ابنه برزت حكمته وبعد نظره وما تحلى به من قيم أخلاقية وإنسانية عظيمة أرادها زادا معينا في الحياة لابنه ولكل الأجيال القادمة، حيث اعتبرت هذه الوصايا لدى معظم المسلمين وغيرهم من المؤرخين من أروع ما قيل في مجال الحكمة والموعظة الحسنة والقيم الأخلاقية العظيمة الواجب الاسترشاد بها في كل زمان ومكان، ذلك أنها كلها تصب في مجرى القيم الإنسانية الرفيعة والمبادئ السلوكية الراقية، وبحسب ما جاء في كتب التفسير فإن لقمان كان أبسط وأطيب مملوك لسيده، ولكنه كان أرفع مقاما وأجلّ قدرا عند الله سبحانه وتعالى حيث وهبه الحكمة حتى صار أحكم عباد الله في ذلك العصر الغابر، وتقول بعض الروايات إن رسول الله صلى الله عليه وسلم تحدث عنه فقال في شأنه «إن لقمان كان عبدا كثير التفكر، حسن الظن، كثير الصمت، أحب الله فأحبه الله، فمنّ عليه بالحكمة».
كما تقول روايات أخرى إنه نودي بالخلافة قبل داوود، فقيل له يا لقمان، لو جعلك الله خليفة تحكم هل لك أن تحكم بين الناس بالحق؟ فقال لهم: «لو قدّر لي ربي عز وجل هذا لقبلت، فإني أعلم أنه إن فعلت ذلك أعانني وعلمني وعصمني، وإن خيّرني ربي قبلت العافية ولا أسأل البلاء، فقالت له الملائكة: يا لقمان لِمَ؟ قال: لأن الحاكم بأشد المنازل وأكدرها، يغشاه الظلم من كل مكان فيخذل أو يعان، فإن أصاب فالأحرى أن ينجو، وإن أخطأ ضل طريق الجنة. ومن يكون في الدنيا ذليلاً خير من أن يكون شريفًا ضائعًا، ومن يختار الدنيا على الآخرة فاتته الدنيا ولا يصير إلى ملك الآخرة». فعجبت الملائكة من حسن منطقه فنام وإذا بالحكمة تملأ جوانحه فيتكلم بها أينما حل.
لم يكن لقمان نبيا ولا رسولا ولكنه كان رجلا حكيما ووليا من أولياء الله الصالحين، وقد ذكره الله في القرآن وأثنى عليه، وكان في كلامه العظة والعبرة، حيث اشتهر بعظاته لابنه الذي هو أحب الناس إليه، وكأن هذه العظات ليست موجهة لفرد واحد وهو ابن لقمان بقدر ما هي حكم عظيمة تصلح لكل الناس في كل مكان وزمان، ولكل فرد -ذكرا كان أو أنثى- منذ عصر لقمان حتى يومنا هذا، باعتبار أن هذه العظات الأقوى والأعظم والأجلّ فيما قيل في النصح والإرشاد لأخذ العظة والعبرة في الدنيا من أجل سعادة دائمة تبنى على سلوك حسن وفكر صائب. إذن ماذا قال لقمان لابنه وهو يعظه؟
بدأ لقمان يعظ ابنه بأعظم نصيحة يوجهها أب لولده، وكانت ولا تزال تمثل القاعدة الأساسية والطريق الصحيح لبداية مشوار حياة أي ابن عند اكتمال رشده ونضج فكره وهي عدم الشرك بالله «وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ(13)» لقمان. ويأتي الظلم هنا بمعنى الطغيان والعناد والتكبر على الله بالشرك، كما يأتي بمعنى أكل الحقوق والعمل بما لا يرضي الله والإتيان بأعمال تخالف شريعته وتنحرف عن قيم العقيدة الحقة التي أراد الله اتباعها من أجل الخير والحياة السعيدة الهانئة.
واصل لقمان نصحه لابنه فقدم له نصيحة جليلة المقام عظيمة القدر لأهميتها وعظم أجرها عند الله، أوصاه ببر الوالدين ورعايتهما والإحسان إليهما لعظيم أجر هذا العمل بدليل قوله سبحانه وتعالى «وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إلى الْمَصِيرُ(14)» لقمان.
لقد أمر الله الأبناء وألزمهم بطاعة والديهم ورعاية شؤونهم والسهر على راحتهم، كما خص الأم بالرعاية والإحسان لأنها حملت في بطنها الجنين تسعة أشهر، وعانت في ذلك ما عانت من الضعف والوهن والآلام المتلازمة مع الحمل، ثم جاء المولود إلى الدنيا فرعته بالرضاعة، واعتنت به مدة عامين كاملين قبل الفطام، وواصلت السهر عليه طوال الليالي من أجل صحته وسلامة معيشته، ولهذا يكون واجب الابن أو الابنة شكر الرب أولا على هدايته للأم برعايتها لهم والاعتناء بهم، كما يكون الشكر موصولا للوالدين على كل ما قاما به من رعاية وحنان لأبنائهما المقبلين على الحياة. كما عليهم -أي الأبناء- طاعة الوالدين في كل ما يأمران به، إلا في حالة واحدة فقط إذا أمروهم بالشرك بالله سبحانه وتعالى، ففي هذه الحالة عليهم عصيانهما، مع الاحتفاظ بودهما والتواصل معهما ومصاحبتهما في الدنيا بالمعروف والعمل على بذل الخير لهما «وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إلي ثُمَّ إلي مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ(15)» لقمان. نبه لقمان ابنه بأن نصحه أن يضع في اعتباره وبقلب مؤمن صادق قدرة الله على فعل أي أمر من الأمور، وأن يتيقن بإيمان صادق أن الله هو القادر على فعل أي شيء في هذه الدنيا فهو الخالق المدبر وهو اللطيف الخبير بعباده، وضرب له مثلا عظيما يدل بوضوح على قدرة الله في خلقه، فقال له: «انظر لو أن هناك شيئا متناهيا في الصغر كمثقال حبة، فأينما وجدت هذه الحبة سواء كان ذلك في الصخر أو في السماوات أو في الأرض وكانت من نصيبك فإنّ الله قادر على أن يأتي بها إليك «يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أو فِي السَّمَاوَاتِ أو فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ(16)» لقمان، كما قال سبحانه وتعالى «وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)» الأنبياء.






كلمات دالة

aak_news