العدد : ١٥١٨٢ - الخميس ١٧ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٢ - الخميس ١٧ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ صفر ١٤٤١هـ

الاسلامي

الدكتور عبدالحميد سعيد المجاهد العظيم المفترى عليه (2)

بقلم: د. غريب جمعة

الجمعة ٢٠ مايو ٢٠١٦ - 03:00



عرفنا أن الرجل ذاق مرارة الجوع والتشرد أثناء الحرب العالمية الأولى وتنقل بين إسطنبول وسويسرا وإيطاليا، كل ذلك في سبيل القضية المصرية من دون كلل أو ملل.
حتى إذا وضعت الحرب أوزارها عاد إلى مصر مع مجموعة من المجاهدين وكانت طريق عودتهم مخوفة حيث إن إنجلترا تقعد لهم كل مرصد لأنها تعتبرهم أعداءها الذين لجأوا إلى ألمانيا هربا من بطشها. وألمانيا في ذلك الوقت عدو لانجلترا ولكن الله تعالى من واسع فضله كتب للعائدين سلامة الوصول.
كانت النفوس في مصر عند عودة الدكتور/ عبدالحميد كالمراجل التي تغلي بالثورة على الاحتلال البريطاني ولم يكن هناك مفر من إعلان الجهاد الحاسم، وكان منزل أبيه الكبير مقرا للثائرين في أحلك أيام الثورة لأن والده إبراهيم باشا سعيد قد اختير رئيسا للجنة الوفد المركزية بعد اعتقال سعد زغلول، وقام الرجل – على الرغم من شيخوخته بجهود جبارة بذل فيها ماله وصحته وجاهه فكافأته السلطات العسكرية باعتقاله مع محمود باشا سليمان زميله في القيادة وقد رأى القائد العام للسلطة شيخوختهما البالغة إذ إن كلا منهما قد تجاوز الخامسة والثمانين فأمرهما بضرورة مغادرة القاهرة إلى مزارعهما خارج العاصمة، فردّا عليه في شجاعة الأبطال: إن القاهرة وطنهما ولن يتركها أي منهما، فأمهلهما أربعا وعشرين ساعة فلم ينفذا ما أمرهما به فأمر باعتقالهما في ثكنات قصر النيل.
وتسلم الدكتور/ عبدالحميد قيادة الثائرين بعد اعتقال والده على الرغم من أنه من كبار رجال الحزب الوطني وليس من أعضاء لجنة الوفد المركزية التي يترأسها أبوه، ولكن اتفاق الآراء من أجل مصلحة الوطن والوقوف في وجه البطش الانجليزي يرتفع فوق الحزبية بكافة صورها عندما تخلص النوايا وترتفع النفوس فوق الأنانية البغيضة. وهكذا أصبح قائد مقاومة عنيفة ضد الاحتلال لا تعرف المهادنة مهما كانت التضحيات. وفي هذه الأيام تم إعلان الدستور وقام البرلمان الوطني بعد انتخاب حر، وتقدم الرجل إلى الانتخابات الأولى لمجلس النواب عن دائرة مركز كفر الشيخ عام 1923م فنجح فيها، واشترك في المؤتمر الوطني عام 1926م ممثلا للحزب الوطني، وقد نجح في انتخابات مجلس النواب واختير عضوا فيه لأكثر من دورة كان في إحداها وكيلا للمجلس، وكيلا مهيبا يملأ كرسيه تقديرا وشجاعة وصراحة ووطنية.
والحق انه قد جاهد جهادا كبيرا وأبلى بلاء حسنا أثناء عضويته لمجلس النواب حيث جند نفسه للدفاع عن حقوق العرب والمسلمين، فكانت بطولة لسانه كفاء لبطولته في ميادين الحرب مقاتلا مع أبطال ليبيا، والبلقان، والأناضول ضد العدوان الأوروبي الغاشم وكانت ثروة أبيه الطائلة خير معين له لإغاثة الجرحى من الأبطال وشراء ما يستطيع من عدد القتال. ولم يفعل الرجل كما يفعل غيره في مثل هذه الثروات فيبعثرونها في النوادي الصاخبة والحفلات الماجنة ورحلات المتعة والاصطياف شرقا وغربا، بل كان الرجل على النقيض من ذلك تماما لأنه عرف أن له رسالة لا بدَّ أن يؤديها على أحسن الوجوه.
ولعل قارئا يسأل: ماذا كان من الرجل أثناء تواجده في مجلس النواب حتى تقول إنه جاهد جهادا كبيرا وأبلى بلاء حسنا؟
نقول:
لقد وقف يزأر كالأسد في بيانه الذي ألقاه بتاريخ 28/3/1932م في مجلس النواب متناولا فيه موقف الدكتور/ طه حسين تجاه القرآن الكريم حيث أملى على طلابه في كلية الآداب بحثا قال فيه ما نصه ونحن ننقله – وإن طال بعض الشيء حتى تتم الصورة التي نعرضها:
«لا شك أن الباحث الناقد والمفكر الجريء الذي لا يفرق في نقده بين القرآن وبين أي كتاب آخر يلاحظ أن في القرآن أسلوبين متعارضين لا تربط الأول بالثاني صلة ولا علاقة، مما يدفعنا إلى الاعتقاد أن هذا الكتاب قد خضع لظروف مختلفة، وتأثر ببيئات متباينة، فهو في القسم المكي منه يمتاز بكل مميزات الأوساط المنحطة» (نعوذ بالله من ذلك التهجم على كتاب الله).
«كما نشاهد في القسم المدني أمارة الثقافة والاستنارة، فإذا أنتم دققتم في النظر وجدتم القسم المكي ينفرد بالعنف والسباب والشدة، والقسوة والغضب، والسباب والوعيد مثل: «تبت يدا أبي لهب وتب، ما أغنى عنه ماله وما كسب، سيصلى نار ذات لهب، وامرأته حمالة الحطب». وأيضا «والعصر إن الإنسان لفي خسر». «فصب عليهم ربك سوط عذاب. أن ربك لبالمرصاد». «كلا لو تعلمون علم اليقين، لترون الجحيم». ويمتاز هذا القسم أيضا بالهروب من المناقشة وبالخلو من المنطق فيقول «قل يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون» و«لكم دينكم ولى دين».
ويمتاز أيضا بتقطع الفكرة واقتضاب المعاني وقصر الآيات والخلو التام من التشريع والقوانين كما يكثر فيه القسم بالشمس والقمر والنجوم والفجر والعصر والليل والنهار والزيتون إلى آخر ما هو جدير بالبيئات الجاهلية الساذجة التي تشبه مكة تأخرا وانحطاطا.
أما القسم المدني فهو هادئ لين وديع مسالم يقابل السوء بالحسنى ويناقش الخصوم بالحجة الهادئة والبرهان الساكن الرزين فيقول «لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا» ويهجر مع أعدائه الترهيب والقسوة ويسلك مسلك الترغيب والتطميع في المكافأة فيقول «قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله» «ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب» كما أن هذا القسم ينفرد بالتشريعات الإسلامية كالمواريث والزواج والطلاق والبيوع، وسائر المعاملات.
ولا شك أن هذا أثرا من آثار التوراة والبيئة اليهودية التي ثقفت المهاجرين في يثرب ثقافة واضحة يشهد بها هذا التغيير الفجائي الذي ظهر على أسلوب القرآن.
أما أفكاره فمنسجمة متسلسلة ترمي أحيانا إلى غايات اجتماعية وأخلاقية، وعلى الجملة فإن ما في هذا القسم المدني من هدوء منطق وتشريع وقصص وتاريخ يدل دلالة صريحة إلى أن الظروف التي أحاطت بهذا الكتاب إبان نشأته قد تطورت تطورا قويا.
هنالك موضوع آخر يجب أن أنبهكم إليه، وهو مسألة هذه الحروف العربية غير المفهومة التي تبتدئ بها بعض السور مثل: (الم، المر، طس، كهيعص، حم، عسق) فهذه كلمات ربما قصد منها التهويل والتعمية أو إظهار القرآن في مظهر مخيف أو هي رموز وضعت لتميز بين المصاحف المختلفة التي كانت موضوعة عند العرب فمثلا: كهيعص رمز لمصحف ابن مسعود، وحم عسق رمز لمصحف ابن عباس وطس رمز لمصحف ابن عمر وهلم جرا ثم ألحقها مرور الزمن بالقرآن فصارت قرآنا». ونكمل هذا الموضوع في الحلقة القادمة إن شاء الله،،،،






كلمات دالة

aak_news