العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

الاسلامي

من وحي الإسلام الإسلام ومفهوم تأصيل الرأي وظاهرة التقليد المقيت (2)

بقلم: يوسف الملا

الجمعة ٢٠ مايو ٢٠١٦ - 03:00



ذكرنا في الحلقة السابقة أن الفلسفة عندما تكون مقتصرة على مقولات المفكرين, فإنها تأخذ منحى بعيدا عن نصوص الشريعة وروحها, وبالتالي لا تعدو أن تكون مجرد افتراضيات يطلقها الفكر, وأن عاش صاحبه في ظلال الثقافة الإسلامية حينا. وفي هذه الحلقة نحاول التحدث عن أهمية إشراقة القلب والروح والثبات على ناصية الحق والعدل بعيدا عن التقليد الأعمى.
الإسلام يضع حجر الأساس العام للاجتهاد:
يجمع علماء الإسلام الأجلاء على أن الاجتهاد حركة علمية بناءة احتضنها التشريع الإسلامي ليصبح فيما بعد مرتكزا مهمًّا من مرتكزات الحضارة الإسلامية لا غنى عنه, ومسلكا من مسالك الحفاظ على خلود الدين الحنيف, وسبيلا واضحا لتحقيق العبودية لله عز وجل والاخلاص للشرع الإلهي وصلاحيته للتطبيق في كل مكان وزمان عن طريق إيجاد حكم لما لم يرد فيه نص صريح.
ومعرفة تلك الاحكام التشريعية واستنباطها تكون تارة بالقياس, وأخرى بالرأي وإجماع الصحابة إلى جانب الشورى, وكلها روافد للمعرفة الفقهية تلتقي في مصب واحد وتتدفق من خضم كبير هو الشريعة الإسلامية.
ويرى الفقهاء المسلمون أن أكثر ما يظهر به إعمال العقل الإنساني هنا نطاق التعرف على أحكام الدين المختلفة في مجالين مهمين لهما أثرهما البالغ في إثراء التشريع:
1 – معرفة المقاصد والأهداف من جملة النصوص الشرعية.
2 – استنباط واستخراج أحكام الوقائع المستجدة لم يرد بذاتها نص صريح.
ويرى الأئمة الاعلام أن الاجتهاد ملكة يقتدر بها العالم أو الفقيه على استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية.. وفى هذا المجال يجدر بنا أن نتذكر تعريف الإمام أبي حامد الغزالي رحمه الله للاجتهاد حيث يقول: (إن الاجتهاد في عرف الفقهاء مخصوص ببذل المجتهد وسعه في طلب العلم بأحكام الشريعة) (كتاب المستصفى).
بينما يرى بعض الفقهاء أمثال الفقيه ابن الحاجب في مؤلفه (منتهى الوصول والأمل) والقاضي البيضاوي (منهاج الوصول إلى علم الأصول) والفقيه أبي إسحاق الشيرازي (كتاب اللمع) بأن الاجتهاد في عرف الفقهاء هو: (استفراغ الوسع وبذل المجهود في طلب الحكم الشرعي).
أما الفقيه العالم الكمال بن الهمام فيقول ان الاجتهاد يعني: (بذل الطاقة في تحصيل حكم شرعي عقليا كان أو نقليا, قطعيا كان أو ظنيا) (تيسير التحرير ج4).
هناك نماذج جليلة وجديرة بالثناء للاجتهاد الفردي لدى الصحابة رضوان الله عنهم في العهد النبوي الأول ونذكر منها هنا على سبيل المثال لا الحصر:
} الصحابي الجليل معاذ بن جبل رضي الله عنه أرسله النبي صلى الله عليه وسلم عاملا على أهل اليمن فسأله بما تحكم؟ فقال بكتاب الله, فسأله إن لم تجد فيه حكمًا؟ قال: بسنة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم ثم سأله: إن لم تجد حكما؟ فذكر معاذ أنه سيتبع اجتماع الصحابة الكرام. قال: وإن لم تجد؟ قال: اجتهد ورأيي ولا آلو, فأقره الرسول عليه الصلاة والسلام.
} كما نرى قضاء الصحابي عبدالله بن مسعود رضي الله عنه عندما سئل عن رجل تزوج امرأة, ولم يفرض لها صداقا, ولم يدخل بها حتى مات, فقال ابن مسعود: لها مثل صداق نسائها (مثيلاتها) لا وكس ولا شطط (أي نقص ولا جور) وعليها العدة ولها الميراث. (أعلام الموقعين).
* قضاء الصحابي الكبير زيد بن ثابت عندما سأله عكرمة فيمن مات عن زوج وأبوين؟ فقال زيد رضي الله عنه: للزوج النصف وللأم الثلث ما بقي وللأب بقية المال فقال عكرمة: تجده في كتاب الله؟ أو تقول برأيك؟ قال زيد: أقول برأيي ولا أفضل أما على أب. (أعلام الموقعين).
} اجتماع الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي الله عنه, عندما حد شارب الخمر من أربعين إلى ثمانين جلدة, وقال كلمته المشهورة: (إنه إذا شرب الشخص سكر, وإذا سكر هذي, وإذا هذي افترى) فأشار الامام علي على الخليفة, عمر بن الخطاب رضي الله عنه بحد المفتري ثمانين جلدة قياسًا على حد الفرية (نيل الأوطان).
} اجتماع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في منع سهم المؤلفة قلوبهم في عهد أبي بكر رضي الله عنه من مصرف الزكاة فقال قولته المشهورة: كنا أذلاء فأعزنا الله بالإسلام, ولقد أصبح الإسلام عزيزًا وقويا لا يحتاج إلى بذل الأموال لتأليف القلوب, وإذا استغنى المسلمون عن طريق التأليف, فلا يمكن أن يوجد مؤلفة حتى يعطيهم عمر أو يمنعهم. (فتح القدير لابن همام ج2).
وهكذا نجد الرسول الأعظم عليه الصلاة والسلام قد رسم لصحابته الكرام منهجًا للاجتهاد بما امتاز به من سيرة عطرة وأقوال حقه وأفعال قويمة تجلت في أهمية التماس الصفاء في الروح والاشراقة في القلب والثبات على كلمة الحق والعدل, وبذلك وضع حجر الاساس العام للاجتهاد في إصلاح شؤون الأمة. وهكذا يعلمنا الرسول (صلى الله عليه وسلم) حب آل بيته الطيبين الطاهرين وصحابته الأبرار والاقتداء بهم كما يقول: (مثل أصحابي مثل النجوم من اقتدى بشيء منها اهتدى) (رواه الدارمي).
اجتهاد الرسول وهديه الشريف:
بادئ ذي بدء يجب أن ندرك جيدًا ان اجتهاد المصطفى عليه الصلاة والسلام يشكل المصدر الثاني للتشريع لأنه لا يخرج عن نطاق الحق, ولا ينأى عن موطن الخير لأن مصدره الوحي الإلهي, ويتمثل هذا في التكريم الرباني لنبيه صلى عليه وسلم في أن جعله سيد البشرية جمعاء, فاصطفاه لحمل رسالة الإسلام المقدسة وتبليغ دعوته إلى كافة البشر, التي تعتمد على المنهج المستقيم حين ربطها برباط قوي من العقيدة الخاصة والإيمان الصادق.
ويرى العلماء الأفاضل أن اجتهاد الرسول الكريم في الأحكام التي لم ينزل بها الوحي عنوان جلي على صفاء بشريته وصدق إنسانيته.. كانت شخصيته العظيمة تنم عن الوعي المتكامل والادراك التام، فقد كان علما بارزا للهدى ودليلاً على صدق الدعوة إلى توحيد الله عز وجل, ورمزًا للفضيلة والاستقامة من أجل ترسيخ دعائم الإسلام الخالد (اجتهاد الرسول: د. نادية شريف العمري).
قال تعالي: (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله, ولا تكن للخائنين خصيمًا) (سورة النساء الآية 105).
وقد نزلت هذه الآية في ابن ابيرق, وكان قد سرق سرقة ورمى بها رجلا بريئا أي اتهمه بالسرقة. ولم يطلب عليه الصلاة والسلام قط من أصحابه مجدًا شخصيا أو تقديسًا وتعظيمًا أو إطراء لشخصه كما فعله من قبل اليهود والنصارى وأصحاب الملل والعقائد المنحرفة.. وكان يردد كثيرًا قول الله تبارك وتعالي: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي إنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا) (سورة الكهف الآية 11).
وقد اتفق العلماء على أن كل ما نزل فيه الوحي من عند الله لم يجز للرسول عليه الصلاة والسلام أن يشاور فيه الأمة, لأنه إذا جاء النص الشرعي بطل الرأي والقياس أو الاجتهاد الفردي.
قال الامام البخاري رحمه الله (ذهب أكثر أصحابنا إلى قول إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان متعبدا بانتظار الوحي في حادثة ليس فيها وحي, فإن لم ينزل الوحي بعد الانتظار كان ذلك دلالة له بالاجتهاد) (كشف الاسرار شرح أصول البزدوي ج3).
وقد بين تبارك وتعالي لنبيه أن يحكم بين الناس, ولا يلتفت إلى أقوال المنافقين الذين يرغبون عن الحق, ويريدون أن يحكم لهم بما يريدون ولهذا أمره أن يكون حكمه بما أراه الله, وسمي العلم بالرؤية, لأن العلم اليقيني المبرأ عن جهات الريب جار مجرى الرؤية في القوة والظهور (الفخر الرازي ج11).
إن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يجتهد فيما لا نص فيه بعد انتظار الوحي كأمور الحرب ومكائدها وبعض الحوادث الاجتماعية والوقائع, أما إذا جاء النص الشرعي بالوحي, ترك ما وجب عليه من الاجتهاد, وقد ثبت ذلك على سبيل المثال:
أنه صلى الله عليه وسلم أجاب هلال بن أمية حين شهد على زوجته بالزنا وغير ذلك, فقال: (البينة أو حد في ظهرك) كما أفتى لخولة بنت ثعلبة التي ظاهر منها زوجها فاشتكت للنبي صلى الله عليه وسلم فقال لخولة: (ما أحسبه إلا ظاهرة منك, وما أراك إلا قد حرمت عليه) ومازالا يراجعان الرسول عليه الصلاة والسلام حتى نزلت الآيات التي تنسخ الحكمين (صحيح البخاري ومسلم).
فأما هلال فنزلت به آيات (اللعان) (سورة النور), وأما خولة فنزلت بشأنها آيات كفارة الظهار (سورة المجادلة






كلمات دالة

aak_news