العدد : ١٥٣٥٧ - الخميس ٠٩ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٦ شعبان ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٥٧ - الخميس ٠٩ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٦ شعبان ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

عندما انتخب الإنجليز مسلمًا لعمدة لندن!

بقلم: جاسم بونوفل

الجمعة ٢٠ مايو ٢٠١٦ - 03:00



بالرغم من أن الشخص الذي يتبوأ منصب عمودية لندن ليس له دور أو تأثير في السياسة الخارجية البريطانية، فإنّ فوز صادق خان المسلم الذي يتحدر من أصول باكستانية بهذا المنصب قد شغل بال واهتمام الرأي العالمي، وبات موضوعه مادة دسمة لوسائل الإعلام والصحافة في داخل بريطانيا وخارجها بسبب أنه أول مهاجر مسلم يصل إلى هذا المنصب الرفيع في بريطانيا وهذه سابقة تحسب لهذا البلد الأوروبي ولخان شخصيا لأنه استطاع أن ينتزع الفوز من منافسه المحافظ الملياردير «زاك جولد سميث».
لقد أثار هذا الحدث ردود فعل متباينة في الساحتين السياسية والإعلامية الخارجية، وتجسم ذلك في تناول العديد من الكتاب والمحللين عربا وأجانب هذا الموضوع وكانت وجهات نظرهم متباينة حول الأسباب التي أدت إلى وصول «خان» إلى كرسي العمودية. في هذا السياق عزا البعض هذا الفوز إلى الأجواء الديمقراطية التي تتمتع بها بريطانيا والتي لم تفرق بين أبنائها سواء كان هؤلاء من الانجليز أو المهاجرين المتحدرين من أصول آسيوية وهي السبب الرئيس وراء صعود خان إلى هذا المنصب الرفيع ولذلك يرى هؤلاء الكتاب في تعليقاتهم على هذا الحدث أنه انتصار للديمقراطية البريطانية العريقة التي تتماهى قيمها مع قيم الثورة الفرنسية «الإخاء والمساواة والحرية» والتي أتاحت للمهاجرين فرصا متساوية مع غيرهم من السكان الأصليين في الوصول إلى أعلى المناصب في الدولة، وفي هذا السياق لفت نظري تعليق أحد الكتاب العرب على هذا الفوز بقوله: إنه لا يستبعد أن يصل «خان» في المستقبل إلى منصب رئيس الوزراء البريطاني، وهو يذهب إلى هذا الرأي لكي يعبر عن إعجابه الشديد بالديمقراطية الغربية وزهوه بها ويؤكد أن بريطانيا قد جسدتها بالفعل بانتخاب (صادق خان) ولا يفوته في هذا السياق أن يقارن هذا الوضع بما يحدث في عالمنا العربي والإسلامي حيث إنَّ من يصل إلى المناصب العليا في دولنا هو ذلك الشخص المقرب من صانع القرار في هذا البلد أو ذاك وليس لكفاءته. أما الحال في بريطانيا وفي حالة «صادق خان» تحديدًا نجد أن الفرصة متاحة له ولغيره للوصول إلى المناصب العليا عبر جدهم واجتهادهم وكفاءتهم، ومن خلال وجود آلية صعود الفرد في السلم الاجتماعي بالكفاءة وليس غيرها. إذ أن ما أوصل «خان» إلى عمدة لندن هو تمتعه بعدد من الكفايات العلمية والقيادية والسياسية والاجتماعية والتي استطاع من خلالها أن يهزم منافسه المحافظ الملياردير رغم الحملة الضارية التي قادها الأخير ضده والتي حاول من خلالها تشويه صورة «خان» «ووسمه بالتطرف الإسلامي». في المقابل، هناك فريق من الكتاب لم ير في فوز خان بهذا المنصب الرفيع سوى أنه تنازل عن مبادئه ومبادئ آبائه وأجداده حين قبل بقواعد اللعبة السياسية والديمقراطية الغربية وذهب في هذا الاتجاه إلى أبعد مدى حين تبنى سياسة حزبه (العمال) في دعم زواج المثليين وقام بزيارة الكنيس اليهودي بمناسبة ذكرى الهولوكوست واعترض على مقاطعة التبادل التجاري مع «إسرائيل»، وباختصار يعزو هذا الفريق فوز خان إلى الأسباب الآنفة الذكر بمعنى أنه تخلى عن مبادئه ونتيجة لذلك كان الفوز حليفه ولو أنه تمسك بخلفيته الدينية فربما كانت الخسارة من نصيبه. ليس الكتاب والمحللين وحدهم من أدلو بدلوهم حول هذا الحدث حتى السياسيين سواء داخل بريطانيا أو خارجها والطريف في هذا الموضوع هو دخول المرشح الجمهوري للرئاسة الأمريكية دونالد ترامب على الخط من خلال إدلائه بتصريحات حول فوز خان بمنصب عمدة لندن، وعلى خلفية «دخول مسلم إلى الولايات المتحدة» حيث أشار إلى أنه سيستثني «خان» من الحظر الذي روج له في حملاته الانتخابية وبعض تصريحاته الصحفية حول ضرورة حظر المسلمين من دخول أمريكا. لكن «خان» لم يقبل بالعرض «الترامبي» وقام بالرد عليه وكان رده لاذعا بحسب ما أفادت «العربية نت» أنه قال: إن خطة المرشح الرئاسي الأمريكي تعكس «رؤيته التي تتسم بالجهل بالإسلام» وتهدد البلدين بسبب استعداء المسلمين المعتدلين الذين يشكلون التيار الرئيسي في الإسلام، كما يمكن أن يستغلها الإرهابيون لصالحهم. لن ندخل في حرب التصريحات بين «خان» و«ترامب» إلا بما يخدم موضوع هذا المقال. وعلى أية حال فإنّ «خان» رفض دعوة «ترامب» وطالب الأخير بألا يكون هو الاستثناء وقال إن على ترامب والمحيطين به أن يصححوا أفكارهم عن «الإسلام المعتدل» فهؤلاء يعتقدون أن القيم الغربية الليبرالية لا تتماشى مع الإسلام المعتدل وقد أثبتت انتخابات عمدة لندن أنه على خطأ. في ظني أن ما ذهب إليه «خان» في مساجلاته مع «ترامب» يتطابق مع ما أشار إليه المحللون والكتاب في أن السبب الرئيس وراء هزيمة «زاك سميث» هو تبنيه في حملته الانتخابية للشعارات العنصرية التي تتنافى والقيم البريطانية.
في تقديري، إن «خان» لم يتقدم لهذا المنصب بصفته الشخصية وإنما عبر حزبه الذي يتمتع بشعبية كبيرة ووزن كبير في الساحة السياسية البريطانية وأن فوزه بهذا المنصب مرتبط إلى حد كبير بآيديولوجية الحزب وموقفه من القضايا المحلية والخارجية التي لا نشك لحظة واحدة أنها مخالفة لمعتقدات «خان» ولقيمه الإسلامية ولكنه قبل على نفسه أن ينسلخ عن هذه القيم ويضحي بها في سبيل الوصول إلى «العمودية» وأنه فعل ذلك انطلاقا من نزعة نفعية خالصة فهو بمجرد انضمامه إلى حزب العمال فهذا يعني أنه سيذعن لآيديولوجية الحزب ولن يحيد عنها لأنه لو فعل ذلك سيخسر كل شيء ويؤدي إلى ضياع مستقبله السياسي ولهذا نراه عندما يأتي الحديث عن الإسلام نجده يستعير المصطلحات المدونة في أدبيات الحزب مثل: «الإسلام المعتدل» ويتخذ مواقف تتعارض مع قناعاته كونه مسلمًا مثل تعاطفه من المحرقة اليهودية ومعارضته لمقاطعة البضائع الإسرائيلية. السؤال الذي أرى أنه جد مهم في مقاربتنا لهذا الحد أو هذه الظاهرة هو: ما هي الإضافة التي سيضيفها الشخص المسلم في حالة تسلمه منصبا سياسيا رفيعا في الدول الغربية إلى دينه وأمته الإسلامية حتى يجعلنا نفرح نحن المسلمين بوصوله إلى هذا المنصب؟ أعتقد أنَّ الإجابة ستكون لا شيء لأنّ الموضوع يعرف من عنوانه وحالة «خان» تجسد ما نذهب إليه بل هناك أكثر من حالة تؤيد ما نذهب إليه في دول أوروبية أخرى إذ أن من يصل إلى تلك المناصب في هذه الدول ليس له من الإسلام سوى الاسم على عكس الأقلية اليهودية التي تسعى للوصول إلى المناصب السياسية العليا من أجل دعم الدولة العبرية وهذا هو الفرق بيننا وبينهم.





كلمات دالة

aak_news