العدد : ١٥٣٥٤ - الاثنين ٠٦ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٣ شعبان ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٥٤ - الاثنين ٠٦ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٣ شعبان ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

الإعـلام والـسـلــم الأهـلـي

بقلم: د. عبدالله المقابي

الخميس ١٩ مايو ٢٠١٦ - 03:00



للإعلام دور مهم وضروري ليس لاثنين الاختلاف فيه، لكون الإعلام مضخة لضخ الأفكار ونقل الأخبار، وهو الواجهة المباشرة لمعرفة الحقائق أو تشويهها أو تزويرها، وللإعلام ثقل آخر ومهمة أعمق بضرورة تحسين الصورة العربية والهوية الإنسانية، ونشر الوعي والفكر البشري، ومحاربة الإرهاب والتطرف وكافة أشكال التمييز والعنصرية وكل ما يمكن أن يضر بالبشرية، فالإعلام كما وصفه السياسيون (بالسلطة الرابعة)، فالصحافة والإعلام قادة للرأي العام، ومحدد قوى النهضة في المجتمع، وهو صانع الفرص لإيجاد المزيد من السُبل للخروج من مأزق التطرف وكل ما يُغوي الشباب، ومن المعلوم أن التطرف هو ظاهرة عالمية انتشرت عبر القرون الماضية، وللتطرف عدة أشكال منها الديني والعرقي والمذهبي والحزبي وغيرها، وليس من مهمة أكبر من مهمة تعزيز اللحمة الوطنية بالثوابت الوطنية عبر استخدام قوة الإعلام وتقنين دوره المهم لتعزيز مهمة السلم الأهلي وتوطيدها ونشر ثقافته السلمية.
الإعلام المهني المحترف الذي يضع قضية السلم الاجتماعي في مقدمة كل إداراته الصحفية والإعلامية المرئية لا شك أن يكون هو الإعلام الداعم للسلم الأهلي، وتنعكس هوية الإعلام سلبًا أو إيجابًا بالمنحنى الذي ينحني به على النحو الإيجابي أو السلبي في التعاطي مع كافة القضايا المطروحة عبره، لا سيما في وجود دور كبير للإعلام المسؤول وما قدمه للمجتمع العربي وحتى الغربي من إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية وتشجيع الإرهاب وإذكاء لنيران الفتنة والاحتراب والعنف والصراع، ولا يمكننا التغافل عن منطقتنا المطحونة طائفيًا وعرقيا وسياسيًا، ما يدعم كل الجهود للمحافظة على الثبات السلمي والدعوة له، فبات استخدام الإعلام وتوجيهه لما يخدم البشرية ضرورة حتمية، فرب كلمة يقولها إعلامي لا يلقي لها بالاً تهوي بشعبه في نار الاقتتال والحروب، ورب إعلام مسؤول يكون له دور في تعزيز السلم الأهلي.
تغيَر الإعلام عما كان عليه وإن كان على قسميه التقليدي أو الجديد يضفي القوة بإرادة المجتمع، فالإعلام ومنذ القدم كان هو القوة ولا يزال مما يجعل العين ترتقب ما سيصدر من هذه الجهة أو تلك، ولكن الإعلام الجديد والتغيّر الطارئ عليه من مواقع مختلفة «وسوشيال ميديا» متقدمة يجعل من قوة تأثيره سرعة لا تقارن بالإعلام التقليدي، إلا أن هنالك دائرة اجتماع في كل قسم من أقسام الإعلام هي الرابط المشترك المتمثلة بقوة التأثر في تغيير الفكر والمنهج لدى المجتمعات، وهو ما يجعل من الإعلام موضع نظر بات للمتخصصين نوافذ به يفتحونها لوضع مقياس تأثيره على المستوى الفردي والجماعي والمجتمعي والدولي والعالمي، كما أن للإعلام دورا مباشرا في تعزيز ثقافة الحوار وقبول الآخر، وإشاعة وبناء الحوار الجاد وسماع الآخر، من منطلق الحوار حضاري لا حوار صراخ وتشددَ وانفلات.
حقيقتان، الأولى أنه يملك ملعب الإعلام أدوات كثيرة تحاور النظر تستطيع تمرير المعلومات بحرفية عالية، تحقق الهدف المنشود في تقريب الوجهات حتى المتخالفة، ولكن لن يتمكن الإعلامي من ذلك إلا إذا أحسن استغلال موقعه بشكل إيجابي، فالكرة دائمًا في ملعب الإعلام واللاعب الوحيد هو الإعلامي، وهذا ما يعطيه دائمًا، أحقية مشتركة لإيجاد أرضية للتفاهم والتشاور والتحاور والتعاون بين أوساط الرأي العام، الثانية أنه يمارس الإعلام اليوم حتى غير الإعلامي، عبر وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، فيمكن أن يكون الإعلام إعلانا عاما يترتب على المجتمع أخذ الفرضيات والمعلومات منه، ومنه قد يكون هذا الإعلام خطرا على السلم الأهلي والمجتمع، لأنّ الناقل واللاعب فيه شخص غير موثوق، أو مجموعة لديها أجندات خاصة، وقد يكون اللاعب فعلاً من الخارج يظهر نفسه أنه في الداخل، ولذلك بات الإعلام بشكله العام يهدد السلم والمجتمع المتعايش من زيادة المعلومات المغلوطة، وانتشار جميع ما يحرم المجتمع من مواقف الالتقاء والاتفاق، ويحرم المجتمعات من ان تعبر برأيها الحقيقي بالخصوص حينما تكون الأخبار متواترة وخالية من المصداقية، ولذلك بات اليوم التواتر من الأدوات غير الشرعية في الحجية، بعكس ما كان عليه الحال في الزمن السابق، فالتواتر مصطلح شرعي يفيد كاستدلال شرعي للقطع وهو بمثابة الحجة في الشروط، وكما أن الإعلام كان يستخدم في الماضي كحجة شرعية، هو اليوم يستخدم كتأكيد للخبرية، والفارق أن الإعلام الحاضر والحديث بات عصيًّا على السلام ومستثمرًا من قبل الأعداء لتوجيه أشد الضربات على الآخر.
الواقع أننا بحاجة إلى ترشيد الإعلام وتنقيح المصادر التي نستقي منها الخبر، بعد أن ظهرت عديد من المخالفات، وانتشرت كثير من المساوئ، وزادت الحروب، وتعقدت الظروف ليس لصالح بناء الإنسان بل لصالح تزويد المستثمر السلبي بأكبر عدد من الامتيازات التي تخدم مشروعه، وأيًّا كان ذلك المشروع بالظاهر فهو مشروع للهدم البشري، وهدم النسيج التعاوني، وسلخ الإنسان من القيم المعززة للتآخي والتناصح، فصار الإعلام بؤرة لنقل الشائعات، ومصنع للفرقة ونبذ الآخر، والتطرف والتمذهب والتذمر، والشكوى والصراخ، والرفض والتكبر، وليس من حل إلا أن نتناول طرق بناء إعلام سوي يشارك العالم أدبيات الحوار والسلام، ويشد من أزر التواصل البشري، ويحيط بالطيبات والمعطيات الإيجابية نبذًا للإرهاب والتطرف والتخريب، وتطلعا لنشر الفضيلة وإشاعة الأمن والاستقرار، فجميع المباحث الإعلامية والمبادئ التوعوية ما لم تكن مشتملة على إصلاح الإنسان، وتقوية روحه ودفعه دائمًا إلى السلام، وتحديد هويته السلمية المسالمة والمسلّمة للإبداع الكوني والريادة العصرية الإنسانية البشرية، والروح المعطاء، لن يكون هذا إعلاما منصفا، ولن يقدم أو يتقدم بما يخدم الحياة والمجتمعات، ومن هذا المنطلق يجب تنقيح وتصحيح الوضع الإعلامي، وتشفير الإعلام بما يناسب ويتناسب والمرحلة التطويرية لإنسان مسالم، ويجب تعديد المناهج الإعلامية لتكون خادمة للمجتمعات البشرية، لتكون الرادع الأول لكل ما يوجه للدمار وتفعيل الحروب.
نصيحتي الأبوية لكل إعلامي، التقدم ليس بتقدم وسائل الإعلام، واستحداث برامج النقل السرية المباشرة وغير المباشرة، بل هو صناعة ميثاق الإعلام الإيجابي، أو إعلام السلام، كي ينتهج منهجه كل إعلامي يريد أن يتقدم برسالة الإعلام لخدمة الإنسانية، ويمكن لمجموعة الإعلاميين أن يؤسسوا لميثاق الإعلام السلامي، ويتفقون على تحديد موعد لظهوره ونشره، ليكون المنبر الأول الذي يرتقي عليه كل إعلامي متخصص، ويكون هذا الإعلام خاضعا للرؤية والمنهجية الإعلامية السلامية، حتى يبدأ المجتمع بالوعي، والتفريق بين إعلام بناء وإعلام هادم، وإعلام سلام وإعلام شائعات وضلالات، فلا مناص من إيجاد مواثيق غليظة تحدد هوية كل منتسب إلى الإعلام، لإعطائه الصيغة الشرعية والصفة التمثيلية لنقل الخبر وممارسة الإعلام، وللوثوق به.

j رئيس «كلنا للوطن»
Alensan555@gmail.com





كلمات دالة

aak_news