العدد : ١٥١٥٣ - الأربعاء ١٨ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٣ - الأربعاء ١٨ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ محرّم ١٤٤١هـ

شرق و غرب

مائة عام على معاهدة سايكس بيكو (17 مايو 1916 – 17 مايو 2016)

بقلم: ثاناسيس كامبانسيس

الأربعاء ١٨ مايو ٢٠١٦ - 03:00



ما أن تمدد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام - داعش - وسيطر على مناطق شاسعة داخل الأراضي السورية والصحاري العراقية حتى بادر إلى إزالة العلامات الحدودية الفاصلة ما بين الدولتين.
أطلق هذا التنظيم الإرهابي تسجيل فيديو في صيف سنة 2014 تحت عنوان «نهاية سايكس بيكو»؟ ظهر رجل بلحية كثة وهو يدوس على نقاط العبور الحدودية ما بين العراق وسوريا قبل أن يقول باللغة الانجليزية: «إن شاء الله لن تكون هذا أول حدود فاصلة بين دولتين يتم التخلص منها».
يومها أصيب الكثير من الساسة والمحللين والناس العاديين في الغرب بالذهول وهم يكتشفون هذا التنظيم الإرهابي الذي ولد من رحم تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين غير أنهم فضلوا القول: لننتظر كي نرى ما قد يحدث بعد ذلك!
الشرق الأوسط والعالم العربي من أكثر مناطق العالم التي تزخر بالرموز التاريخية. فقد ظلت منطقة الشرق الأوسط تعاني على مدى قرن تقريبا من التداعيات الوخيمة الناجمة عن تلك الحدود الاعتباطية المصطنعة التي رسمها اثنان من الدبلوماسيين الغربيين، الذين كانوا يتلقون الأوامر الفوقية غير أنهما لم يكونا من الخبراء المخصصين والمتضلعين في شؤون الشرق الأوسط لدى حكومتيهما. أعني هنا الإنجليزي السير مارك سايكس ونظيره الفرنسي فرنسوا جورج بيكو.
ظلت منطقة الشرق الأوسط تعاني منذ تلك الحقبة من حالة عدم الانسجام ما بين الدولة العربية الرسمية ذات الحدود المرسومة بمقتضى معاهدة سايكس بيكو من ناحية والجغرافيا البشرية المتعلقة بطريقة عيش الشعوب ومعتقداتهم في المنطقة الممتدة ما بين حوض البحر الأبيض المتوسط والمنطقة الخليجية.
لقد قيل الكثير وألف عديد من الكتب والدراسات والأطروحات الأكاديمية والتي ارتأى أصحابها أن معاهدة سايكس بيكو هي أصل البلاء الذي تتخبط فيه منطقة الشرق الأوسط وهي التي زرعت قنابل موقوتة لا تزال دول وشعوب الشرق الأوسط تعاني منها كما أن مختلف كوارث الشرق الأوسط قد ولدت من رحم معاهدة سايكس بيكو، وخاصة الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين وإجهاض طموحات القومية العربية والكردية وغيرها.
في الحقيقة، فإن الحدود التي كرستها معاهدة سايكس بيكو منذ مطلع القرن العشرين بصدد التداعي والتلاشي اليوم لم ترسم تلك الحدود خدمة لمصالح شعوب المنطقة بقدر ما رسمت خدمة للمصالح الاستعمارية البريطانية والفرنسية. أما اليوم فإن هذه الحدود الموروثة عن الحقبة الاستعمارية قد تتلاشى وتضعف ويعاد بالتالي ترسيمها لكن ليس بالضرورة بالشكل الذي يرضي شعوب المنطقة.
يذكر أن معاهدة سايكس بيكو قد وضعت في خضم الحرب الكبرى – أي الحرب العالمية الأولى (1914-1918) والتي تعتبر أشد الحروب التي عرفتها الإنسانية على مر تاريخها بشاعة ودموية. في فترة العشرينيات من القرن الماضي. أطلق الرئيس الأمريكي أيضا مفهوما مثاليا اسمه «حق الشعوب في تقرير المصير» يفترض وفق هذا المفهوم المثالي أن تتحرر الشعوب وتنعتق وبالتالي تصبح قادرة على حدودها ورسم ملامح دولها. قد يكون هذا المفهوم قد وجد طريقه نسبيا في بعض مناطق أوروبا غير أن الشرق الأوسط ظلت منطقة مستثناة من المبادئ الولسونية.


لقد كانت القوتان الاستعماريتان – بريطانيا وفرنسا – تريدان في ذلك الوقت التعجيل بالقضاء على ما تبقى من الإمبراطورية العثمانية كما أنهما كانتا تريدان ان تكبحا النزعات الامبريالية لبعضهما البعض. لذلك فقد عمدتا يوم 17 مايو 1916، وفي كنف السرية التامة إلى إبرام معاهدة سايكس بيكو، حيث إنهما تقاسمتا الأقاليم العثمانية ووزعتا مناطق النفوذ بينهما ورسمتا الحدود الفاصلة بينهما دون أن تكترث قيد أنملة بالواقع البشري والسياسي على أرض الواقع في منطقة الشرق الأوسط.
بعد مرور بضعة أعوام تم تسريب وثيقة سايكس بيكو وهو ما أثار سخط الشعوب في العالم العربي والشرق الأوسط بصفة عامة ذلك أن هذه الشعوب قد تلقت وعودا بتمكينها من ممارسة حقها في تقرير مصيرها.
حذر بعض الخبراء المختصين في الخارجية البريطانية من التداعيات الوخيمة التي قد تنجم عن فرض هذا الواقع الاستعماري الجديد على المنطقة العربية معتبرين أنه سيخلق حالة دائمة من عدم الاستقرار والأمن وهو ما ثبتت صحته اليوم.
يقول جوست هيلترمان، الذي يدير برنامج الشرق الأسط في مجموعة الأزمات الدولية والذي ألف كتابين عن الأكراد في منطقة الشرق الأوسط: «إن كل الحدود في العالم اصطناعية بشكل أو بآخر».
يعتبر هذا الخبير الدولي أن حالة انعدام الاستقرار التي تتخبط فيها منطقة الشرق الأوسط اليوم ناجمة عن الضغط الذي يمارسه بعض الجماعات والفئات مثل الأكراد وتنظيم داعش وهي فئات وجماعات تشعر بأن الدول القائمة حاليا في الشرق الأوسط والمنطقة العربية لا تستوعبها ولا تمثلها.
يقول هيلترمان: «مع مرور الوقت، وقد يكون أحيانا طويلا – تتسبب التناقضات الداخلية في انفجار النظام القائم. لا أحد يعلم بعد ذلك ما سيكون عليه النظام أو الأنظمة الجديدة».
لقد خلفت معاهدة سايكس بيكو المشؤومة إرثا وخيما ومسموما على صعيدين اثنين. يتمثل الارث المسموم الأول في الحدود الجغرافية التي انبثقت عنها والتي ظلت تلقى الرفض التام من بعض الجماعات التي لم تقتنع بعدالتها، من الأكراد إلى الفلسطينيين وغيرهم.
أما الإرث المسموم الثاني الناجم عن معاهدة سايكس بيكو فهو يتعلق بطبيعة هذه الاتفاقية المشؤومة التي فرضتها الأطراف الخارجية سرا وهو ما ظل يغذي الشكوك ومشاعر الريبة مخافة أن تسعى العواصم الغربية اليوم إلى التلاعب بالحدود القائمة اليوم مثلما فعلت من قبل في مطلع القرن العشرين.
يعتبر الأكراد أنهم أكبر شعب بلاد دولة خاصة به في العالم وهم يخططون لإجراء استفتاء على الاستقلال هذه السنة. كان البعض يأمل أن يتم إجراء الاستفتاء يوم 17 مايو 2016 حتى يتزامن مع مرور مائة سنة على معاهدة سايكس بيكو التي تعود إلى يوم 17 مايو 2016 لما في هذا التاريخ من رمزية تاريخية كبيرة حتى يتسنى القول إن النظام الاستعماري القديم قد مات.
لقد حان الوقت كي نركز على التحولات والمخاض الكبير الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط ونكف عن الادعاء بأن الواقع الذي انبثق عن معاهدة سايكس بيكو الاستعمارية لا يزال قائما. إن منطقة الشرق الأوسط مليئة بالحدود الجغرافية والذهنية والتاريخية والعرقية والطائفية التي لا تظهر على الخرائط.
لم يعبأ سايكس بيكو بنصائح زملائهم الأكثر خبرة ودراية منهم بالشرق الأوسط والمنطقة العربية فعمد إلى رسم خريطة جديدة للشرق الأوسط الجديد فأوجد دولا من لا شيء وتجاهل طموحات شعوب تحلم بإقامة دولة خاصة بها. لقد رسم هذا الشرق الأوسط الجديد يوم 17 مايو 1916 بجرة قلم واحدة.
انظروا منا إلى الذي فعله البريطانيون والفرنسيون من خلال معاهدة سايكس بيكو. فقد اقتطع لبنان من سوريا وألحقت الموصل وبغداد بالعراق وأعطيت فلسطين للبريطانيين الذين كانوا قد وعدوا بها الصهاينة لتكون وطنا قوميا لليهود.
خرج الأكراد الخاسر الأكبر من معاهدة سايكس بيكو حيث إنهم لم يحصلوا أبدا على دولة خاصة بهم رغم أنهم يمثلون جماعة متجانسة عرقيا وإثنيا ولغويا. الأراضي الكردية اليوم في أربع دول في منطقة الشرق الأوسط - العراق، سوريا، تركيا وإيران.
ألف المؤرخ البريطاني جيمس بار كتابها مهمًّا بعنوان «خط في الرمل» وقد وثق فيها طبيعة الدبلوماسية في عصر معاهدة سايكس بيكو. هذا الكتاب لا يزال يلقى رواجا كبيرا رغم مرور خمس سنوات على نشره.
فقد عثر المؤلف على عدة وثائق تاريخية بريطانية ومذكرات يتوقع فيها بعض المسؤولين هذه المصائب التي تعاني منها اليوم المنطقة العربية والشرق الأوسط بصفة عامة، بما في ذلك أعمال العنف وانعدام الاستقرار الذين حذروا من حدوثه إذا ما قامت دولة لليهود على أرض فلسطين.
بسبب هذا التاريخ الاستعماري الذي عاد بعواقب وخيمة على المنطقة الشرق الأوسط والعالم العربي، أصبح مجرد نشر خريطة وهمية في إحدى المدونات يؤجج نظريات المؤامرة. فبعد أن اقدمت الولايات المتحدة الأمريكية على احتلال العراق سنة 2003 عبر الكثير من الخبراء عن قناعتهم بوجود خطة مبيتة لتقسيم العراق إلى ثلاث دول للشيعة والسنة والأكراد. استدل هؤلاء بالتعليقات الصادرة عن الدبلوماسي الأمريكي بيتر جالبرايث والذي تحدث عن خطط التقسيم.
لا يزال اليوم كثير من هؤلاء الخبراء والمحللين يتحدثون عن وجود مؤامرات سرية لتقسيم المنطقة العربية من أجل خدمة أجندة كل من إيران والولايات المتحدة الأمريكية والصهاينة وغيرهم من الأطراف الأخرى...
بقطع النظر عن عدم وجود ما يثبت صحة نظريات المؤامرة فإن الشيء الثابت اليوم هو أن شرق أوسطي جديد بصدد التشكل وهو ليس نتاج خريطة سرية رسمها بعض العملاء الغربيين المندسين.
تم تقسيم المنطقة، وخاصة منها كردستان، دون أي مراعاة السكان الأصليين، وهو ما تسبب حتى الآن في مائة سنة من القلاقل ولاضطرابات وانعدام الأمن والاستقرار والحروب والانكار»، ذلك ما قاله رئيس حكومة إقليم كردستان العراقي مسعود برزاني الذي تعهد بجراء استفتاء على الاستقلال هذه السنة تزاما مع الذكرى المئوية لمعاهدة سايكس بيكو.
يرأس مسعود برزاني إقليم كردستان الذي يتمتع بالحكم الذاتي والذي ظل يمارس سلطاته بشكل يقربه من الدولة المستقلة منذ قررت الولايات المتحدة الأمريكية إنشاء محمية هناك سنة 1991 لحماية الأكراد من جيش صدام حسين.
تتملك حكومة كردستان جيشا خاصا بها كما أنها تستغل آبار البترول والغاز غير أنها لا تزال تعتمد على الحكومة المركزية في بغداد من أجل الحصول على الإيرادات والأعمال التجارية.
يعتبر إقليم كردستان – الذي يتمتع بالحكم الذاتي الموسع الصلاحيات – من الدويلات غير المعترف بها والتي بدأت تتكاثر في منطقة الشرق الأوسط كما يمكن أيضا العثور على الكثير من مثيلاتها في الدول الأوروبية وبقية مناطق العالم الأخرى رغم أنها غير مدرجة على القائمة الرسمية للدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة. يمكن أن نذكر في هذا الصدد اسكتلندا، كاتالونيا، لإقليم الباسك في إسبانيا والكيبيك في كندا.
حصلت فلسطين على وضع «عضو مراقب من دون أن تكون دولة» في منظمة الأمم المتحدة سنة 2012 وأصبح بذلك علم فلسطين يرفرف عند مبنى منظمة الأمم المتحدة في مدينة نيويورك. أما على أرض الواقع فإنّ الجغرافيا الطبيعية والعمرانية قد أصبحت أكثر تعقيدا. هناك أجزاء من الضفة الغربية يزعم أنها تحت إدارة السلطة الفلسطينية، غير أن كل المعابر لا تزال تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة.
تحولت غزة إلى ما يشبه الدولة عقب الانسحاب الإسرائيلي سنة 2005 غير أن القطاع بات اليوم محاصرا من كل الجهات. أما في الداخل فإن حركة حماس أصبحت تدير ما يمكن أن نسميه «الدويلة المدينة».
تحول حزب الله المدعوم بقوة من إيران إلى دولة داخل الدولة في لبنان وهو يمتلك جناحا عسكريا خاصا به وله وزراء وأعضاء في البرلمان والحكومة اللبنانية كما أنه يسيطر على مناطق واسعة من الأراضي اللبناني.
حل حزب الله أيضا محل الدولة اللبنانية في السيطرة على مناطق حساسة يفترض أن تكون تحت سلطة الدولة اللبنانية مثل الحدود ومناطق التدريب العسكري. حزب الله هو نموذج لتشظي الدولة الوطنية العربية مثلما أنه يعد من إفرازات ترهل الدولة اللبنانية التي انبثقت عن تفاهمات معاهدة سايكس بيكو بين المستعمر البريطاني والفرنسي قبل قرن من الزمن.
لعل من أهم التطورات التي بدأت تطرأ على الشرق الأوسط والمنطقة العربية بعد مرور مائة سنة على إبرام معاهدة سايكس بيكو يوم 17 مايو 1916 ظهور جماعات وتنظيمات «مستقلة» وهي تريد أن تلبي رغبتها في الحكم الذاتي حتى من دون الحاجة إلى إعادة ترسيم الحدود الجغرافية المعترف بها رسميا ودوليا.
يذكر أن الفصائل الكردية قد سيطرت على ثلاثة «كانتونات»، وهي شيزر وإفرين وكوباني وقد أعلنت عن منطقة حكم ذاتي تحت اسم «روجوفا» رغم معارضة أطراف إقليمية كثيرة، وخاصة منها تركيا لما للمسألة الكردية من حساسية تاريخية لدى سلطات أنقرة التي تخوض حربا انفصالية ضد حزب العمال الكردستاني.
قد نعتبر أن إقليم «روجوفا» غير قابل للحياة بحكم موقعه الجغرافي القريب من الحدود التركية غير أن الحزب الكردي الذي يسيطر على تلك المناطق قد حصل على دعم الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا لأسباب معقدة لها علاقة بالحرب الراهنة في سوريا.
توخى القادة الأكراد الحذر حتى الآن حيث إنهم شددوا على أن كيانهم الجديد – روجوفا – الذي منح لنفسه الحكم الذاتي سيكون جزءا لا يتجزأ من الدولة الفيدرالية السورية.
كذلك حرص مسعود برزاني على تأكيد أنه لن يعلن استقلال إقليم كردستان حتى وإن أظهرت نتائج الاستفتاء دعما كبيرا لهذه الخطوة وذلك ما لم توافق دول الجوار على ذلك، وهو أمر مستبعد جدا.
لقد ظل هيلترمان يراقب ويتابع كل التطورات في منطقة الشرق الأوسط على مدى أعوام كاملة تجاوزت العقود الثلاثة غير أنه يقول من الأفضل عدم إطلاق التوقعات والتكهنات بما سيكون عليه الشرق الأوسط والمنطقة العربية مستقبلا عندما تنتهي كل هذه الاضطرابات والصراعات والحروب.
اكتفي هيلترمان بالقول: «إن الشرق الأوسط الذي كنا نعرفه لن يكون أبدا على صورته الماضية. بل إنه قد يصبح مختلفا كل الاختلاف». أما المناورات التي تقوم بها الجماعات والتنظيمات التي تعتبر أنها لا تجد لها مكانا في الدول الوطنية الراهنة في الشرق الأوسط والمنطقة العربية فهي تثبت فعلا خريطة الشرق الأوسط تتحرك وتعيش مخاضا ويعاد رسمها بشكل أو بآخر.
هكذا تتغير السيادة في هذه المرحلة من تاريخ الشرق الأوسط والمنطقة العربية – إنها تتغير من خلال الجغرافيا البشرية أو من خلال الجرافات – التي لا تغير الخرائط الجغرافيا بقدر ما تحدث التغيير في الوقائع والمعطيات على الأرض.

j ثاناسيس، كبير الباحثين في مؤسسة القرن ومؤلف عدة كتب.
بوسطن جلوب





كلمات دالة

aak_news