العدد : ١٥٢٠٩ - الأربعاء ١٣ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٠٩ - الأربعاء ١٣ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ ربيع الأول ١٤٤١هـ

بصمات نسائية

أول مهندسة زراعية بحرينية.. زيبا الأمير لـ«أخبار الخليج»:
الزراعة أخذت من صحتي ومنحتني الدواء

أجرت الحوار: هالة كمال الدين

الأربعاء ١٨ مايو ٢٠١٦ - 03:00



حين ذهبت إلى القاهرة لدراسة الطب في أوائل السبعينيات, أراد لها القدر أن ينحو بها منحى آخر تماما, حيث اقترح عليها الملحق الثقافي البحريني أن تلتحق بكلية الزراعة, لتصبح أول مهندسة زراعية بحرينية, بعد أن تعذر لها الدراسة بطب جامعة القاهرة, فقررت أن تقبل هذا التحدي, وفي البداية قبلت الفكرة على مضض, لتتحول الزراعة بعدها إلى عشق حياتها, وإلى متعة ما بعدها متعة, تحولت فيما بعد إلى رسالة جميلة وسامية، بذلت كل ما في وسعها لتأديتها تجاه مجتمعها.

زيبا الأمير, اسم بحريني لامع في مجال الزراعة, استطاعت وبجدارة أن تترك لها بصمة واضحة ومميزة في هذا المجال بالمملكة منذ تخرجها وعودتها إلى وطنها حتى اليوم, حيث أخذت على عاتقها مسؤولية نقل خبرتها وشغفها بالفلاحة إلى الآخرين, ومؤخرا خاضت مشروعها الخاص بعد أن قضت حوالي عشرين عاما بوزارة الزراعة, فضلت بعدها التقاعد المبكر بسبب شعورها بعدم منحها المكانة العملية التي تستحقها.
«أخبار الخليج» حاورتها حول هذه التجربة المتفردة والمتميزة, لتكشف تفاصيل مشوار ملؤه النجاح والإرادة, والذي لم يكن يخلو من بعض العثرات والاعترافات الجريئة التي أدلت بها, ولم تتردد في الجهر أو المصارحة بها, وبكل صدق وعفوية، وذلك في السطور التالية:
{ كيف كانت النقلة من الطب إلى الزراعة؟
في طفولتي كنت أهوى التمريض إلى درجة شديدة وأجد فيه مهنة إنسانية تتماشى مع طبيعتي العاطفية المحبة لخدمة الآخرين ومساعدتهم وإسعادهم, فتوجهت إلى القاهرة لدراسة الطب بجامعة القاهرة في أوائل السبعينيات، وكانت أختي حينئذ تدرس في مصر, حيث لم يكن هناك جامعات متوافرة في البحرين في كثير من التخصصات, وقد شجعتنا على ذلك أمي التي حرمت من الدراسة منذ صغرها, فأرادت أن تعوض هذا النقص في حثنا على التعليم, ومع ذلك فهي إنسانة مثقفة للغاية, وفي مصر حدثت الصدمة.
{ وما هي تلك الصدمة؟
فوجئت بالقاهرة بمجتمع جديد وغريب بالنسبة إلي, فقد كانت أول مرة أغادر وطني وبدون عائلتي, وكانت سني صغيرة حينئذ, وكان هدفي الأول والوحيد هو الالتحاق بطب القاهرة, وحين تعذر ذلك شعرت بصدمة وخيبة أمل, حتى رغم قبولي بطب جامعة عين شمس, فتوجهت إلى الملحق الثقافي البحريني آملة أن يساعدني في تحقيق هذا الهدف ولكن شاء القدر أن يتعذر ذلك وكانت المفاجأة حين حاول إيجاد مخرج لي فاقترح علي الالتحاق بكلية الزراعة, قائلا إنني لو قبلت بهذا الاقتراح سأصبح أول مهندسة زراعية بحرينية, ولأنني شخصية تعشق التحدي, فقد حفزني ذلك على قبول التحدي وقمت بتحويل أوراقي من الطب إلى الزراعة وكانت نقلة كبيرة في حياتي.
{ وكيف تأقلمتِ مع تلك النقلة؟
في ذلك الوقت كان مجرد التفكير في الالتحاق بكلية الزراعة مثارا للسخرية من قبل الكثيرين, ومع ذلك لم أعر ذلك أي أهمية, كما أنني واجهت صعوبات جمة في سكن الطالبات, وفي التعود على الطعام هناك وأسلوب المعيشة, وغيرها من الأمور وأذكر أنني طالما بكيت لأمي وطلبت السماح لي بالعودة إلى بلدي, ولكنها كانت تؤكد لي أنني لو انقطعت عن الدراسة وعدت إليها فلن تقبل بي في بيتها, وقد كان هذا الموقف المتشدد من قبل أمي بمثابة حافز آخر لي للدراسة وتحقيق الامتياز, من دون الاستعانة بالدروس الخصوصية, وواصلت مشواري وتخرجت وعدت إلى وطني.
{ وماذا بعد العودة؟
بعد عودتي إلى وطني عقب التخرج كنت قد أحببت الزراعة بجنون وإلى درجة العشق, وقمت بتقديم أوراقي للحصول على وظيفة في وزارة الزراعة، وقيل لي حينئذ إنها مهنة صعبة, فالعمل في الموقع وفي ظل مناخ صعب, والتنقل بين المواقع بسيارة جيب وغيرها من الأمور لا تتوافق مع طبيعة المرأة وقدراتها وقوة تحملها, ولكني صممت على العمل في الفلاحة, وتم تعييني في قسم البحوث الزراعية كباحثة زراعية, ومكثت في الوزارة حوالي عشرين عاما, إلا أنني قررت التقاعد المبكر.
{ ولماذا هذا القرار؟
قررت التقاعد المبكر لأنني شعرت بالظلم وعدم حصولي على المكانة الوظيفية التي أستحقها, وقد حدث ذلك فقط لكوني امرأة, فكانت تواجهني الكثير من المعوقات وخاصة من قبل الفنيين من الرجال الذين كانوا يتحسسون من إدارتي لعملهم وغيرها من الأمور, ومع ذلك واصلت لسنوات طوال وجدت خلالها في الزراعة متعة حياتي ووسيلة للتخفيف من ضغوط الحياة, بل تحولت معها إلى مصدر مشع للطاقة الإيجابية أمد بها غيري, وبذلك تحولت الزراعة إلى دواء, أداوي به نفسي والآخرين أيضا.
{ وكيف تغلبتِ على صعوبة كونك امرأة؟
كنت أعمل لساعات طويلة ولا ألتفت لأي معوقات, وكنت أمارس الزراعة بنفسي في الموقع, ونتناول طعامنا هناك, وكان إخلاصي وشغفي بالعمل مصدر قلق بالنسبة إلى الآخرين, وأذكر أن الوضع مع زوجي كان مختلفا تماما، فقد تخرجنا من نفس الدفعة وعملنا في ذات الجهة إلا أنه حصل على حقوقه الوظيفية كاملة, فقط لأنه رجل, أما أنا فتم تجميدي على نفس الدرجة الوظيفية مدة 17 عاما, رغم أنني كنت أعمل بكل طاقتي, حتى أنني كنت أقود بنفسي سيارة بيك آب, وأجري بحوثا وتجارب أفادت الكثيرين في هذا المجال وبشهادة الجميع.
{ هل ترين أننا نعيش اليوم في مجتمع ذكوري؟
رغم الحقوق والمكتسبات التي حققتها المرأة البحرينية في كثير من المجالات إلا أنني أجدها مظلومة في أحيان كثيرة فقط لكونها امرأة, فهي مكافحة لأقصى درجة, وتتعدد مسؤولياتها وتتشعب في الحياة مقابل محدودية أعباء الرجل التي تنحصر في معظمها على العمل, وأعتقد أن للتربية هنا دخلا كبيرا في ذلك، فقد تربينا جميعا على أن المرأة لا بد أن تنجز كل شيء تعمل وتربي وتنجز أعمال المنزل وغيرها, ولكني أرى أن بنات الجيل الحالي أكثر ذكاء ومختلفات عنا فقد حاولن أن يغيرن الكثير من أوضاع المرأة السالفة الذكر ويمكن القول إنهن انتصرن على المجتمع الذكوري إلى حد كبير مقارنة بما عانيناه نحن.
{ ولماذا لم تفكري في التقاعد قبل ذلك؟
لقد استمررت في عملي كل هذه السنوات نظرا إلى شغفي به أولا ثم للحاجة المادية للإيفاء بمستلزمات ومتطلبات الحياة التي تزداد يوما بعد يوم, وأستطيع أن أجزم بأن عملي بشكل عام في مجال الزراعة لم يحقق لي العائد المادي الذي كنت أتوقعه, أو أستحقه, بل تحول حبي له إلى رسالة سعيت أن أؤديها بكل تفانٍ ومتعة.
{ ما معنى تحوله إلى رسالة؟
منذ أن تعلقت بالفلاحة أخذت على عاتقي مسؤولية نقل خبرتي وشغفي بالزراعة إلى الآخرين وتدريبهم على هذه المهارة الجميلة وبدون مقابل, وذلك من خلال ورش ودورات تدريبية لكل الفئات والأعمار والأجناس وكانت سعادتي لا توصف حين أرى حب الزراعة ينمو في المجتمع البحريني يوما بعد يوم, وقد أسهم معرض الحدائق بشكل كبير في ذلك, وجاء اهتمام الأميرة سبيكة بالزراعة ليضفي على المعرض سمة تختلف عن المعارض المشابهة بالدول المجاورة, فمعرضنا ليس تجاريا بقدر ما هو جمالي قبل كل شيء, يجتمع فيه الناس على الألفة والمتعة والوناسة والإنسانية.
{ كيف ترين أوضاع الزراعة بالمملكة؟
أكثر شيء يؤرقني بعد خوفي وقلقي على أولادي هو حال الزراعة في شوارع البحرين والحدائق العامة, فأنا أشعر بحزن شديد تجاه ما آلت إليه الزراعة في شوارعنا وطرقاتنا, وللأسف هذا ليس بسبب قصور الميزانية كما يتوهم البعض, بل لعدم توفر القناعة اللازمة والإخلاص في العمل, وهذا ما حاولت إيضاحه في ورش العمل التطوعية الزراعية التي ركزت عليها بعد التقاعد ومن خلال عضويتي في نادي الحدائق, وقد فكرت في خوض مشروعي الخاص بعد أن بدأت على استحياء بتقديم بعض الاستشارات الزراعية بمقابل معقول.
{ وما هي جهودك التطوعية الزراعية؟
لقد قمت بتأسيس ثلاثة مراكز للتدريب الزراعي لذوي الاحتياجات الخاصة إضافة إلى عملي بالمدارس والجمعيات, وقبل عامين ونصف طلب مني أن أقدم برنامجا بعنوان «كيف تزرع بنفسك؟» في تلفزيون البحرين, وقمت بعدها بإعداد جناح متكامل بمعرض الحدائق يقدم نفس الخدمة مباشرة للزائرين, ومن هنا ذاع صيتي في البحرين بدرجة أكبر وبدأ الناس يقعون في غرام الزراعة.
{ وماذا عن مشروعك الخاص؟
بعد التقاعد شعرت بأن الزراعة أخذت من صحتي وأعصابي الكثير, فذهبت للعلاج في الخارج, وتلقيت العلاج اللازم, وبعد عودتي إلى بلدي اقترح علي ابني إنشاء مكتب خاص للاستشارات الزراعية, ورحبت بالفكرة وشرعت في تنفيذها مؤخرا منذ أكثر من عامين, وتمت الموافقة على المشروع من خلال مركز ريادات, ولكني أفكر حاليا في التوقف لعدم تغطية نفقاته أو تحقيق أي ربح, فأنا أزعم أنني فلاحة ناجحة, ولست كذلك في الأمور الإدارية التي تسرق مني متعة العمل, وهذا أمر أشعرني بضغوط نفسية جعلتني أفكر جديا في التوقف, رغم أن لدي أفكارا كثيرة, أتمنى أن أجد من يدعمها, ويتبنى تنفيذها على أرض الواقع.
{ ماذا منحتك الزراعة؟
منحتني الزراعة حب الناس، فيوميا أتلقى عشرات المسجات من أناس يشكرونني ويقدرون جهودي معهم وهذا يعوضني عن مال الدنيا, كما أنني أنظر إلى الفلاحة على أنها بمثابة دواء لكافة همومي ومشاكلي, ومنذ افتتاح مكتب نسايم البحرين تم تشكيل فريق تطوعي من عدد من النساء والرجال يقومون معي بأداء العمل التطوعي الزراعي.
{ هل بالإمكان عودة بلد المليون نخلة؟
نعم من الممكن علاج كل مشاكلنا الزراعية بالإرادة والمحبة والإخلاص في العمل, فباستغلال أسطح الأبنية وتطبيق طرق الزراعة الحديثة, يمكن زراعة مساحات بلا حدود, وأرى اليوم أن الكثير من العائلات البحرينية تقوم بزراعة الخضراوات التي تغطي احتياجاتها اليومية, وهو توجه عام حاليا تتبنى فكرته سمو الأميرة سبيكة, فزراعة الخضراوات فيها بركة كبيرة وكثيرون اليوم يحاولون تحقيق الاكتفاء الذاتي منها, وهناك آلاف الأطنان من الخضراوات المحلية تعرض بالسوق المركزي, كما أرى اليوم تركيزا واضحا على الاستثمار في الزراعة المحمية, وتبقى المسألة بحاجة إلى قناعة ودعم.




كلمات دالة

aak_news