العدد : ١٥٣٥٧ - الخميس ٠٩ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٦ شعبان ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٥٧ - الخميس ٠٩ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٦ شعبان ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

غسيل أدمغة في قضايا اجتماعية وثقافية

بقلم : د. محمد العباسي

الأربعاء ١٨ مايو ٢٠١٦ - 03:00



دخلت مؤخرًا في نقاش مع زميلة مثقفة من دولة الكويت حول دورنا نحن الرجال في تكوين الصورة النمطية لعلاقاتنا مع النساء.. فنحن من نروّج للصورة السلبية لزوجاتنا وأمهات زوجاتنا.. ونظهرهن وكأنهن كوابيس تقبع على سعادتنا وحريتنا.. عبر ترويج النكات واللوحات الكرتونية والمسلسلات الكوميدية من أجل الضحك! نتبادل كمًّا هائلاً من هذه النكات عبر مراسلاتنا الهاتفية والإلكترونية كنوع من التواصل الخفيف الظل.. ولا ننتبه إلى دورنا المدمر في هذا الشأن!
فبالكاد نجد رجلاً يمتنع عن نشر مثل هذه المواضيع.. وحتى بالنسبة للزوج السعيد في حياته الزوجية نجده يجاري الوضع السائد أمام أصحابه ويسخر من حياته الزوجية كما يفعلون من باب السخرية «البريئة»!!.. أظنها أمست مسألة تتعلق بموضوع إثبات الذات في مجتمعاتنا الذكورية.. وصار من المعيب أن يظهر الرجل «ضعفه» أمام النساء.. كأن احترام المرأة يتم تفسيره على أنه خنوع وعيب.
لقد أعجبتني تغريدة للدكتور «محمد رشيد العويد» حين قال: «يحسب الزوج أنـه يمزح، ويضفي جو المرح، حين يسخر من زوجته.. شكلها، كلامها، رأيها، تصرفها، اختيارها.. ولعله لا يعلم أنه يحدث جرحًا غائرًا فيها قد لا يندمل سريعًا.. السخرية أحد معاول هدم الزواج، وتقويض أركانه من أساسها، وينبغي أن يمتنع عنها الزوجان طاعة لربهما، وحماية لزواجهما.. وتزيد السخرية في الألم والحزن حين تكون أمام الآخرين، فحين يسخر الرجل من زوجته أمام أولادها فإنه بهذا يحرجها وينتقص من قدرها.. وكذلك حين يسخر منها أمام أهله فإنه بهذا يحرضهم عليها ويضعفها أمامهم ويفقدها احترامهم لها».
وقد أرسلت لي زميلة عمل منذ أيام رسالة نصية عبر «الواتس أب» مفادها: «عدم تشجيع وإعادة نشر مثل هذه التعليقات لتفادي مفاقمة وتعزيز الصورة النمطية السلبية للنساء في عالمنا».. فالنساء في الإسلام مكرمات معززات.. فمن إكرام الإسلام لها أن «أمر الزوج بالإنفاق عليها، وإحسان معاشرتها، والحذر من ظلمها، وعدم الإساءة إليها».. فلذا تكون السخرية منها ولو لمجرد الضحك ومن باب النكتة هو ظلم وإساءة لها من حيث ندري أو لا ندري.. فتكرار وترسيخ هذه الصورة النمطية لا بد أن يجرح مشاعرها و«يكسر» همتها ويضعف شخصيتها.. وإذا ضعفت شخصية المرأة «الأم» فذلك ينعكس على دورها في تنشئة أبنائها ورعايتها لأسرتها.
فعملية غسيل الدماغ تتعدى كونها عملية نفسية بسيطة.. فكثير من الدول والأنظمة قد تلجأ إلى ما نسميه «الأجندة المخفية».. كسلاح تكتيكي تبثه عبر المناهج التعليمية لتوجيه أجيال من الناشئة نحو فلسفات آيديولوجية معينة.. سلاح تستغله الشخصيات الدينية لتوجيه التابعين لأفكار طائفية بغيضة.. سلاح لتثبيط عزائم الأعداء أو تغيير ولاءات الأسرى. «د. عبدالله حسين النجار» في موقع «الحصن النفسي» يشير إلى هذا الموضوع بالذات: «تنمية الإحساس بالذنب لدى الأسير (أو السجين) بحيث يُطلب من الأسير مراجعة تاريخ حياته السابقة وتبرير أفعاله السياسية والشخصية والأخطاء التي قام بها مما يثير لديه الإحساس بالذنب والخطأ وبالتالي كراهية الذات، والإحساس بالدونية والضعف، وعدم الثقة بالنفس.. مما يجعله يتقبل آراء الآخرين وأفكارهم ويخدم مصالحهم».
بل يقال إن السخرية من الصعايدة نشأت على يد المستعمرين الإنجليز كحرب نفسية في ظاهرها السخرية.. وفي باطنها عملية تثبيط لهمم الصعايدة وتشويه لصورتهم كرجال أشداء ومحاربين أقوياء كان الإنجليز يخشون مواجهتهم.. التاريخ الحديث يشهد لأهل الصعيد وجنوب مصر برجال مشهورين مثل: الرئيس جمال عبدالناصر, البابا شنودة الثالث, الجراح العالمي مجدي يعقوب.. وأدباء مثل طه حسين, عباس العقاد, حافظ إبراهيم, صلاح عبدالصبور, عبدالرحمن الأبنودي, أمل دنقل.. وسياسيين مثل عمر سليمان, وأثرياء مثل نجيب ساويرس.. وقراء قرآن متميزون من أمثال الشيخين عبدالباسط عبدالصمد, ومحمد صديق المنشاوي.. وكذلك نجوم من اهل الفن من ممثلين ومغنيين مثل علاء ولي الدين, محمد منير وجورج سيدهم, هاني رمزي وسيدات بارزات مثل هدى شعراوي, سناء جميل.. والعشرات من المشاهير.
وكذلك لا نزال نرى في أمريكا عبر إعلامهم وأفلامهم تشويها لصورة الأمريكيين من أصول إفريقية وذوي الأصول اللاتينية.. فيجري تصويرهم على انهم مجرمون وعنيفون وجهلاء وكثيرو الأولاد غير الشرعيين.. وتكثر في شأنهم النكات والسخرية.. إنها ذات عملية غسيل الدماغ التي يراد منها الازدراء وخلق صورة نمطية سلبية تترسخ في العقول عبر أجيال متلاحقة.. عملية غسيل الدماغ هذه لا تختلف كثيرًا عن الأهداف الخبيثة لبعض الأفلام الغربية التي تعمل على تشويه صورة العرب والمسلمين من خلال خلق صورة نمطية للتخلف والثراء الفاحش والإرهاب.. إنها ذات السلاح وذات النتيجة السلبية!
مثل هذه المواضيع المثبطة هي نتيجة حتمية للموروثات الخاطئة عبر سنوات من عملية غسيل للمخ نتعرض لها عبر الشاشة الصغيرة.. فأغلب المسلسلات العربية تركز على إظهار «الحماة» سواء كانت والدة الزوج أو الزوجة على أنها شريرة.. هدفها في الحياة التنغيص على الحياة الزوجية لـ «كنتها» أو زوج ابنتها وإن كانت بشكل كوميدي.. ولكم في ذلك المسلسل الخليجي «خالتي قماشة» مثلاً واحدًا من بين العشرات من المسلسلات والأفلام العربية.. ومن قصة «سندريللا». بتنا نتصور أن زوجة الأب دائمًا تكون قاسية ظالمة.. وباتت المسلسلات الرمضانية الخليجية تركز على كم الخيانات الزوجية والعلاقات غير السوية والصراخ والعويل والصفعات ومن ثم لجوء الزوجة «المكلومة» إلى مكالمات عتمة «تالي الليل» بحثًا عن الدفء والحنان.
لقد كتبت ذات مرة شعرا نثريا عن النساء أقول: العشق شوق.. والشوق جنون.. فنحن الرجال.. من دونهن لا نكون.. فهن لنا قمة السكون.. نحن من غيرهن.. كالأموات.. كالنور إذا غاب.. عن مقل العيون.. الرجال دون النساء.. كالجثث إذا توارت.. تحت التراب.. كالبيوت العامرة.. إذا هُجرت.. تتحول إلى خراب!!
j أكاديمي بحريني متقاعد
mazeej@gmail.com






كلمات دالة

aak_news