العدد : ١٥١٥٣ - الأربعاء ١٨ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٣ - الأربعاء ١٨ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ محرّم ١٤٤١هـ

شرق و غرب

رئيس مجموعة الأزمات الدولية :
تنظيم «داعش» لن يهزم إلا من الداخل

أجرى الحوار: سيسيل هينيون

الثلاثاء ١٧ مايو ٢٠١٦ - 03:00



أجرت صحيفة لوموند الفرنسية الحوار التالي مع الدبلوماسي الفرنسي جون مارك جيهينو الذي يتولى الآن رئاسة رئيس مجموعة «أزمات الدولية» International Crisis Group غير الحكومية الذي أكَّد محدودية الحرب العالمية على الإرهاب والتي تغفل عن تنوع الأوضاع والبيئات المحلية الخاصة بكل دولة، من أوروبا إلى منطقة الشرق الأوسط.
عمل هذا الدبلوماسي الفرنسي في الفترة ما بين عام 2000 و2008 مساعدا للأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة، مكلفا بعمليات حفظ السلام قبل ان يعين بداية من سنة 2012 مبعوثات خاصا لمنظمة الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية لدى سوريا.
} استعاد الجيش السوري السيطرة على مدينة تدمر الأثرية من تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام تنظيم «داعش» يوم 27 مارس 2016. فهل أصبحت هزيمة هذا التنظيم وشيكة؟
- قبل أن نتحدث عن النصر العسكري يجب أن نعالج السؤال المهم التالي - «ثم ماذا بعد ذلك؟»، إن استعادة السيطرة على مدينة تدمر لا يمكن أن تكون مدعاة للشعور بالسعادة لأن ذلك مجرد خطوة. فهل ستتولى الدولة السورية نفسها إدارة تدمر؟
نفس هذه الإشكالية مطروحة أيضا في العراق. من سيتولى إدارة المدن «المحررة»؟ صحيح أن هناك نخبا سنية لاجئة في بغداد. صحيح أيضا أن الحكومة المركزية في بغداد تؤكد أن هذه النخب السنية هي التي ستتولى زمام الأمور في «المدن المحررة» وأن الأموال ستستثمر في إعادة بناء هذه المدن المدمرة وأن نظاما سياسيا سيقوم غير أن هذه الحسابات تغفل بُعدًا آخر في هذه الصراعات وهو يتمثل في القطيعة المزمنة ما بين الشباب والنخب. فالشباب يعتبر أن الفساد يستشري في هذه النخبة وهو محق في ذلك إلى حد كبير، علما أن الشرخ ما بين الشباب والنخب نجده أيضا في أوروبا. هذه النخب تعيش في كنف الأمان في المنطقة الخضراء في بغداد وهي تدير من هناك أعمالها ومصالحها الخاصة فيما يعاني عامة الشعب في مختلف مناطق العراق.


يجب أن نستبعد أيضا أن تنجح هذه النخب في شراء شرعيتها من خلال الأموال الخارجية التي ستضخ في إعادة بناء المدن السورية المدمرة، فالهوّة سحيقة ما بين هذه النخب والشباب وهو وضع لا يمثل الاستثناء في سوريا بل إنه ينسحب على بقية الدول العربية.
أود أن أؤكد هنا أن تنظيمي داعش والقاعدة لن يهزما من الخارج. يمكن للأطراف الخارجية أن تقدم المساعدة اللازمة غير أن عملية إعادة البناء السياسي والدخول في المسار الانتقالي هما الكفيلان بالقضاء على هذين التنظيمين العنيفين من الداخل.
لست أقول هنا إنه يجب اتخذ موقفا «انعزاليا» في التعامل مع الأزمة السورية والاحتماء وراء مقولة «دعوهم يعالجون مشاكلهم بأنفسهم». أنا أقصد أن العوامل الدينامية السياسية هي التي ستلعب الدور المحوري في إرساء الاستقرار في سوريا وتنهي حالة الاقتتال والفوضى وأعمال العنف وسفك الدماء.
لست أضيف شيئا إن قلت إن تنظيم داعش يتغذى من حالة الفوضى وأن الحرب هي التي تجله يتمدد. يجب علينا نحن في الغرب أن نقر أيضا بمسؤوليتنا عن الوضع الحالي في سوريا والشرق الأوسط والمنطقة العربية. فنحن الذين هندسنا وصممنا ورسمنا هذا الشرق الأوسط الذي يتخبط اليوم في الفوضى والصراعات والحروب. على الدول الغربية إذن أن تبتعد عن صلف الاستعمار الجديد الذي يتشكل في أشكال جديدة.
إن الأسباب التي تدفع مواطنا بلجيكيا أو فرنسيا إلى الالتحاق بصفوف تنظيم داعش تختلف عن الأسباب التي تدفع الشاب اليمني إلى الانضمام إلى تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية. أو تلك الأسباب التي تدفع الشباب العراقي أو السوري للحاق بتنظيم داعش في بلاد الرافدين وبلاد الشام.
إن الدول الغربية تخطئ خطأ جسيما عندما تعتقد أنه يمكنها معالجة آفة الشبكات الإرهابية المتنامية من دون التصدي للعصابات والتنظيمات الإرهابية في سوريا وليبيا على وجه الخصوص. هذا خطأ استراتيجي قاتل.
} لقد تحدثت أكثر من مرة عما اسميته في كتاباتك «موجة العنف الخامسة». فما هي الموجات الأربع السابقة؟
- عندما نتمعن في جذور الحركات والتنظيمات الإرهابية فإننا ندرك أن هناك عديد الموجات التي عرفتها الدول في منطقة الشرق الأوسط. تتمثل الموجة الأولى في التطورات التي حدثت ما بعد نهاية الحرب في أفغانستان مع عودة المقاتلين الراديكاليين العرب، في الجزائر على سبيل المثال.
أما موجة العنف الثانية فقد ارتبطت بتنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن وقد بلغت الموجة الثانية ذروتها مع هجمات 11 سبتمبر 2001 وقد ردت الولايات المتحدة الأمريكية بغزو العراق سنة 2003 وهو ما مهد للموجتين الثالثة والرابعة من العنف.
بصفة عامة، يمكن القول إن تنظيم الدول الإسلامية – داعش – هو الابن الذي ولد من رحم سياسة اجتثاث البعث الكارثية التي انتهجها بول بريمر الذي حكم العراق في ظل الاحتلال الأمريكي ما بين شهر مايو 2003 ويونيو 2004، إضافة إلى تصرفات المليشيات الشيعية التابعة لرئيس الوزراء العراقي السابق الموالي لإيران نوري المالكي. إن هذا الخليط هو الذي أفرز تنظيم داعش.
الأخطر من أي شيء آخر في هذا المسار التاريخي هو أن كل موجة من هذه الموجات الخمس المتعاقبة تأتي أكثر خطورة ودموية من سابقاتها كما أن الموجة الأخيرة والأحدث زمنيا لا تلغي أو تنهي سابقاتها. فالحديث يتركز حول تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام غير أن تنظيم القاعدة الذي سبقه بعدة أعوام لا يزال موجودا وهو يحافظ حتى اليوم على شراسته ودمويته، وخاصة في اليمن كما أن تنظيم القاعدة هو الذي دبر ونفذ عديد العمليات والاغتيالات الدموية. لذا يجب قبل كل شيء إمعان التفكير في الظروف السياسية التي أفرزت هذه الموجات المتعاقبة والتي قد لا تنتهي في المستقبل المنظور، كما يتعين علينا نحن في الغرب وفي كل مكان من العالم أن نفهم أخطاءنا ونتلافاها.
} إن هذه الموجة الرابعة التي تطرقت إليها اتسمت بسيطرة تنظيم «داعش» على مساحات شاسعة في العراق وسوريا وهو ما يتناقض مع استراتيجية تنظيم القاعدة الذي لا يميل إلى السيطرة على الأرض...
-يسيطر تنظيم القاعدة حاليا على مدينة «المكلا» في اليمن غير أن الرؤية التي يتبناها تنظيم داعش والتي تتمثل في تكريس سلطة «الخلافة» على الأرض تمثل أكبر نقطة خلافية مع تنظيم القاعدة. لا شك أن هذه الاستراتيجية بالذات هي التي تمثل اليوم واحدة من أكبر نقاط الضعف التي يعاني منها تنظيم القاعدة.
تنظيم «داعش» هو أيضا مشروع يقوم على أساس العودة إلى جذور تاريخية وهمية، أو لنقل مر عليها زمن طويل. لا ننسى أيضا أن السيطرة على الأرض تتطلب أيضا حسن إدارتها والحفاظ عليها.
} هل تنظيم داعش أكبر قوة وأكثر تنظيما من بقية الفصائل المسلحة الأخرى – بما في ذلك جبهة النصرة المرتبطة بتنظيم القاعدة؟
-يصعب الإجابة عن مثل هذا السؤال لأن الأوضاع متحركة وليست ثابتة علما أن المقاتلين المسلحين ينتقلون من فصيل إلى آخر كما أن التحالفات الاستراتيجية نفسها تتغير وتتبدل. يمكن الحكم أيضا على هذا التنظيم أو ذاك من خلال السياق. عندما تتوقف الحرب تتغير الأولويات.
} هل يمكن أن يحدث التغيير ويتحقق الانتقال السياسي فيما يظل بشار الأسد في الحكم؟
-شخصيا لا أعتقد أنَّ مسار المفاوضات هو الذي سيفضي إلى تنحي بشار الأسد ورحيله عن الساحة السياسية في بلاده. الأمر كله يتوقف على الروس. فإذا ما أدركوا أنهم في وضع يصعب معه الابقاء على بشار الأسد في منصبه وأنه بات عقبة أما استراتيجيتهم فقد تحدث عندئذ المفاجأة. أما في الوقت الراهن فإن مثل هذه المفاجأة تظل أمرا مستبعدا. قد يحدث انقلاب وقد يحدث أي سيناريو آخر يعجل برحيل الأسد. أما أن يرحل نتيجة المسار التفاوضي فذلك أمر مستبعد، وخاصة أن المفوضات تعتبر أصلا عقيمة وغير ذات جدوى.
لا شك أن رحيل الأسد سيخلق أيضا عديد المشاكل. فطبيعة نظام دمشق تجعل كل خيوط الأزمة السورية تقود إلى بشار الأسد. فإذا ما رحل الأسد فإن سوريا كلها قد تنفجر وتفجر معها المنطقة الإقليمية، وذلك ما لم تكن هناك قيادة أخرى جاهزة وتحظى بدعم إقليمي ودولي قوي.
تملك روسيا أفضل الخبراء والمحللين في شؤون الشرق الأوسط وسوريا على وجه التحديد وهم يتمتعون بكفاءة ومهنية عالية وقد لاحظوا أن نظام دمشق منهك بسبب الأزمة التي بدأت تتفاقم منذ سنة 2011 ولن يكون بالتالي قادرا على استعادة السيطرة على كامل مناطق البلاد. إنهم يدركون أيضا أن رحيل الأسد عن سوريا سينقل سوريا إلى واقع آخر قد لا يدرك أحد مدى خطورته على سوريا نفسها وعلى كامل منطقة الشرق الأوسط.
لن يتوقف القتال ولن تنتهي الأزمة إلا إذا حصلت الأطراف المعنية على بعض الضمانات التي تخصها. ما لم يتحقق ذلك فإن سوريا ستغرق من جديد في المجازر. إنها مسألة تتعلق بالبقاء أو بالفناء السياسي والوجودي.
أما السؤال الأكثر صعوبة فهو يتعلق بما إذا كانت توجد قوة ثالثة يمكن أن تلعب دور الضامن غير أنني لا أرى أي دولة مستعدة للعب هذا الدور. بل إن منظمة الأمم المتحدة لن تستطيع أن تلعب هذا الدور لاعتبارات كثيرة.
هذه القوة الثالثة التي تلعب دور الضامن مسألة ضرورية تتوقف عليها عملية خلق الظروف المناسبة للبدء في عملية إعادة بناء سوريا تدريجيا. فاحتمال تجدد المذابح كبير جدا لأن هذه المفاوضات الحالية قد لا تفضي إلى تفاهمات تمهد لإنهاء الأزمة ووقف الحرب بشكل دائم ومن ثم حقن الدماء.
مع الأسف أعتقد أنَّه يكون هناك حل سريع للأزمة السورية رغم أن مثل هذا الحل السريع هو الذي يمثل مفتاح القضاء على تنظيم داعش في سوريا والعراق لأن هذا التنظيم الإرهابي يتغذى من رحم الصراعات الإقليمية وتباين المصالح الدولية والحرب الداخلية وامتداداتها الإقليمية.
لوموند





كلمات دالة

aak_news