العدد : ١٥٣٥٧ - الخميس ٠٩ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٦ شعبان ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٥٧ - الخميس ٠٩ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٦ شعبان ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

قراءة في بعض من أحداث الحرب العالمية الأولى

بقلم: يوسف صلاح الدين

الثلاثاء ١٧ مايو ٢٠١٦ - 03:00



أشكر الاستاذ محمد الجزاف وأعضاء مركز الجزيرة الثقافي على دعوتي لإلقاء هذه المحاضرة كما أود أن أشكر الأستاذ بدر النعيمي لإحضار بعض من مقتنياته الخاصة بالحرب وهي بدلة عسكرية أمريكية كاملة مع بعض معداتها.
اخترت موضوع المحاضرة لأسباب عدة منها:
أولا: مرور مائة وعامين على بدء الحرب العالمية الأولى في 28 يوليو 1914 والتي انتهت في 11 نوفمبر 1918 وأدت إلى تكوين ثلاث مجموعات من الدول:
الأولى عرفت باسم «الوفاق الثلاثي» وضم بريطانيا العظمى وأيرلندا وفرنسا والامبراطورية الروسية وانضمت إليهم بعد ذلك الولايات المتحدة الأمريكية واليابان وإيطاليا رغم أن ايطاليا كانت قبل الحرب منضمة مع المجموعة الثانية والتي عرفت باسم «حلف المركز» والذي ضم الامبراطورية النمساوية المجرية والامبراطورية الألمانية ومملكة بلغاريا والدولة العثمانية والمجموعة الثالثة ضمت باقي دول العالم وكانت محايدة في البداية وانضم بعضها خلال الحرب أو قبل نهايتها إلى إحدى المجموعتين للاستفادة من غنائم الحرب.
أدت الحرب إلى تغيرات في خريطة أوروبا فقد تفككت الأنظمة الإمبراطورية القديمة وسقطت الأسر الحاكمة كما تغيرت الحدود المعروفة في ذلك الوقت بظهور دول جديدة وقامت الثورة الروسية التي طبقت أول نظام اشتراكي بقيام جمهوريات الاتحاد السوفيتي.
ثانيا: هذه المحاضرة تكملة لمحاضرة سابقة كانت في مقر جمعية تاريخ وآثار البحرين بالجفير وكان عنوانها «أحداث نهاية الدولة العثمانية» في مساء يوم الأربعاء 20 صفر 1437 هـ الموافق 2 ديسمبر 2015 لذا لن أذكر أحداثها في هذا المقال المختصر.
ثالثا: كان لهذه الحرب آثار وتداعيات خطيرة على الدول والشعوب الإسلامية والعربية ومازالت إلى الآن رغم مرور أكثر من قرن على تلك الحرب وقيام الدول المشاركة فيها بنشر كثير من أسرارها ووثائقها إلا أن كتابنا ومؤرخينا لم يبدوا اهتماما في إبرازها ومتابعتها ومازالت هناك أسرار والغاز لم يكشف عنها، فالأحداث التي أدت إلى الحرب لا تستدعي اشتراك 40 دولة فيها لأن الظروف في ذلك الوقت تستبعد نشوب الحرب وإن نشبت فإنها ستكون محدودة ومحصورة لمدة لا تتجاوز الأسبوعين وإن زادت فإنها ستحسم قبل عطلة الاحتفالات بعيد الميلاد.
رابعا: هناك تداعيات خطيرة ومؤلمة على كثير من الدول ومنها الدول العربية فقد تم اقحام وجر الدول الإسلامية والعربية إلى الحرب مما أدى إلى قيام الثورة العربية حينما أطلق الشريف حسين بن علي طلقة واحدة من بندقيته وذلك قبل فجر يوم التاسع من شعبان 1334هـ الموافق 2 يونيو 1916 في مكة المكرمة وكان لدويها صدى في جدة والطائف والمدينة وامتدت الثورة ضد العثمانيين بعد إخراجهم من الحجاز حتى وصلت إلى سوريا التي كانت تحت الحكم العثماني. توقيع معاهدة سايكس بيكو في أبريل ومايو 1916 وقد سبقها مفاوضات في نوفمبر 1915 وتم فضح المعاهدة في سنة 1917 بعد قيام الثورة في روسيا. وعد أو تصريح بلفور هو الاسم المعروف عن رسالة آرثر جيمس بلفور المؤرخة في 2 نوفمبر 1917 والمرسلة إلى اللورد ليونيل وولتر دي روتشيلد يشير فيها إلى تأييد الحكومة البريطانية إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين رغم ان تعدادهم لا يتجاوز 5% من مجموع عدد السكان في ذلك الوقت رغم ان الرسالة أرسلت قبل شهر من احتلال الجيش البريطاني فلسطين ويقول الفلسطينيون عنها «وعد من لا يملك لمن لا يستحق» فقد دخل الجيش البريطاني مدينة القدس في 9 ديسمبر 1917 وبعدها بيومين دخلها الجنرال اللنبي وقال مقولته الشهيرة في خطابه: «اليوم انتهت الحروب الصليبية» مما جعل الصحف الغربية تتبارى في الاشادة به وعودة القدس إلى المسيحية.
سار الجنرال غورو الفرنسي على منوال اللنبي بذهابه بعد معركة ميسلون واحتلال دمشق في سنة 1920 إلى قبر صلاح الدين الأيوبي ورفسه ووضع رجله على القبر وقيل انه شهر سيفه قائلا: «قم يا صلاح الدين ها قد عدنا».
دخلت الولايات المتحدة الأمريكية الحرب في صف الحلفاء في شهر أبريل 1917 لأسباب عدة لا مجال لذكرها في هذا المقال، أي بعد سنتين ونصف من جهود الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون في إبقاء الولايات المتحدة محايدة خلال الحرب العالمية الأولى وله دور بارز في انشاء عصبة الأمم بعد الحرب وإعلانه المبادئ العشرة التي عرفت باسمه، فقد كانت مبادئه حول حقوق الإنسان وحق تقرير المصير للأمم التي تقع تحت الاحتلال قد عبدت الطريق للكفاح الوطني ضد الاستعمار التقليدي.
كانت أمريكا قبل دخولها الحرب تأخذ بمذهب «مونرو» بأن تكون أمريكا محايدة في سياستها الخارجية عن أوروبا وعدم السماح لأي دولة أوروبية بالتدخل في شؤونها ولكن لأسباب عدة حتم على القادة الأمريكيين دخول الحرب.
كما أن الحرب غيرت موازين القوى بخروج أمريكا من مكانها البعيد إلى قلب العالم لتبدأ بعد عقود عدة بقيادة العالم لأسباب مختلفة أهمها أن الحرب سببت خسائر بشرية كبيرة للدول المنتصرة والمهزومة، فقد لقي أكثر من ثمانية ملايين شخص مصرعهم وجرح وفقد الملايين، (هناك تناقضات في عدد القتلى والضحايا) وخلفت الحرب خسائر اقتصادية كبيرة فانتشر الفقر والبطالة وعرفت أغلب الدول أزمة مالية خانقة بسبب نفقات الحرب الباهظة فازدادت مديونية الدول الأوروبية وتراجعت هيمنتها الاقتصادية لصالح الولايات المتحدة الأمريكية واليابان.
تأثرت أغلب دول العالم ومنها دول المنطقة بنشوب تلك الحرب وقامت بعض الدول ومنها مملكة البحرين بالتبرع إلى المجهود الحربي البريطاني وكانت البحرين محطة تمركز وعبور للقوات البريطانية إلى الكويت والعراق ودول المنطقة.
سيساهم ذكر هذه الأحداث المختصرة في إبرازها للاستزادة من أحداثها ومعلوماتها ووقائعها ونشرها لتعلمها الأجيال الحالية والمقبلة لأن البحث التاريخي يحتاج إلى وثائق ومستندات مدونة وموثقة نستخلص منها أحداثنا وتاريخنا لأنه كما يقال «إن الذي ليس له ماض ليس له مستقبل».
هناك أحداث خطيرة لا بدَّ من تسليط الأضواء عليها وذلك بإعداد محاضرات ومقالات عن الحرب لأن من الصعوبة تصديق كل ما يقال عنها وخاصة ان المنتصر يفرض وجهة نظره في الأحداث ويهمل أو يخفي وجهة نظر المنهزم مما يحتم علينا الالمام بها من جميع الجوانب حتى نستوعبها ويكون تقييمنا وحكمنا منصفا.
فمازالت هناك أسئلة مهمة منها:
} لماذا وقعت الحرب؟ ولماذا تحولت من حرب محدودة أو محصورة إلى حرب عالمية أو كونية؟ رغم معرفتنا بأن من أسباب الحرب المعلن عنها تنامي القوميات وبناء القوة الحربية والتنافس على المستعمرات وإنشاء تحالفات عدة لكن الشرارة المباشرة التي أشعلت الحرب كان اغتيال الأرشيدوق ولي عهد النمسا فرانز فرديناند وزوجته وذلك من قبل طالب صربيّ يدعى غافريلو برينسيب في 28 يونيو 1914خلال زيارتهما لسراييفو في منطقة البوسنة والهرسك وقد قامت النّمسا بعد هذه الحادثة بشهر بإعلان الحرب على صربيا وقامت روسيا بمناصرة صربيا من خلال إعلانها الحرب على النّمسا في حين قامت ألمانيا بإعلان الحرب على روسيا.
} لماذا إذا وقعت أحداث عجيبة ومتسلسلة أدت إلى كل تلك المصائب والكوارث رغم أن مخطط الاغتيال شابهه الفشل مرتين ولكن تدخل القدر جعلنا نردد الآية الكريمة في سورة التوبة «قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا» ونقول «قدر الله وما شاء فعل» وقول الامام الحسين رضي الله عنه: «خط الموت على ابن آدم مخط القلادة على جيد الفتاة».
} هل كان هناك دور للماسونية في إطلاق شرارة الحرب بين دول أسرها الحاكمة في روسيا وألمانيا وبريطانيا واليونان لها علاقات نسب ومصاهرة؟
} وما هي علاقة المخابرات الألمانية بزعماء الثورة الروسية مثل ليون تروتسكي ولينين؟
تميزت الحرب بقدرة عجيبة على تدمير المدن وأبادت السكان باستخدام أسلحة متطورة في الجو والبر والبحر فقد استخدمت الطائرات لإلقاء القنابل على المدن والمواطنين الأبرياء بدلا من ان تكون محصورة في ميادين المعارك واستخدمت الغواصات والالغام والسفن الحديثة والسيارات والدبابات بدل الخيول والبغال وقد أدت الخسائر البشرية الهائلة إلى مساهمة المرأة في المجهود الحربي.
تم الزج بأعداد كبيرة من جنود المستعمرات لدى الفريقين المتحاربين وشيدت لهم بعض النصب التذكارية للقوات الهندية والأسترالية والكندية والجزائرية والمغربية والإفريقية وكان هناك تسابق من الفريقين المتحاربين في مراعاة الدين الإسلامي وتشييد بعض من المساجد للجنود المسلمين والسماح لهم بالصيام.
أدت الحرب إلى اكتشافات وتطورات عدة في كثير من المجالات ولكنها أدت إلى ظهور وانتشار كثير من الأمراض المعدية فاقت التصور رغم التدابير الاحترازية.
ساهمت الحرب في تحويل الطيران الحربي إلى الطيران المدني وكانت قفزة نوعية في تقريب الاقطار ودخول الطيران إلى المناطق العربية بكونها في منتصف المسافة بين الدول الأوروبية ومستعمراتها في آسيا وإفريقيا.
سمعت في صغري بعضا من أخبار وأحداث الحرب المحزنة من جدي الحاج أحمد بن حسين إبراهيم رحمه الله والذي عاصر تلك الفترة الصعبة وانتشار بعد الأمراض المعدية وحدوث مجاعات في اغلب دول العالم ومنها دول المنطقة وكما أعلمني أحد الأصدقاء بأن المواطنين كانوا يتابعون أخبار الحرب عن طريق أشخاص تعينهم الحكومة البريطانية لنشر أخبار الحرب والانتصارات البريطانية لعدم وجود أجهزة الراديو في ذلك الوقت.
أرجو أن أكون قد وفقت في عرض مختصر عن «بعض من أحداث الحرب العالمية الأولى» رغم كثرة الاختلافات والتناقضات في المعلومات المتداولة حتى لا تنطوي بعضها ضمن صفحات الماضي وتختفي مع مرور الزمن ونفقد الامانة التاريخية والاستفادة من أحداثها لصنع حاضر ومستقبل مشرق للأمتين الإسلامية والعربية فقد استفاد الغرب من تداعيات الحرب وعرفوا معنى المفاوضات والوحدة في حين اننا ازددنا تشرذما ولم نتعلم الدروس رغم قسوتها، فقد تم دفع العرب للمساهمة في تلك الحروب لأجل مجد فرنسا وبريطانيا اللتين اتبعتا سياسة تفتيت المناطق العربية إلى دول صغيرة وكنا مع الأسف كبش فداء، فقد تكشف أن المعاهدات والخرائط والمراسلات التي جرت بين زعماء الثورة العربية والمندوب السامي البريطاني اللورد ماكماهون لم تساو الحبر الذي كتبت به.
أتمنى من الكتاب والمؤرخين وخاصة في دول مجلس التعاون العربية الاهتمام بالوثائق التي نشرت عن الحرب العالمية الأولى والأحداث التي واكبتها وتأثيرها على منطقتنا والاستفادة منها اعلاميا، فبعد عامين من الآن ستحتفل دول العالم بذكرى مرور مائة عام على انتهاء الحرب العالمية الأولى في سنة 2018 وأتمنى من المسؤولين في مملكة البحرين البدء من الآن لإعداد احتفالات ومحاضرات وفعاليات وإصدار طوابع بريد تذكارية تخلد بعضا من تلك الأحداث وتبرز اسم المملكة ومساهماتها في الحرب ووصول أول طائرة بريطانية عسكرية إلى البحرين في طريقها إلى الهند في سنة 1918 وتوقف أول طائرة مدنية من خلال مسابقة أستراليا الكبرى التي بدأت من انجلترا في 12 نوفمبر 1919 إلى مدينة داروين بأستراليا التي وصلتها في يوم 10 ديسمبر 1919 وتوالي وصول الطائرات إلى مملكة البحرين منذ ذلك الوقت.





كلمات دالة

aak_news