العدد : ١٥٣٥٧ - الخميس ٠٩ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٦ شعبان ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٥٧ - الخميس ٠٩ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٦ شعبان ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

محنة مسيحيي الشرق ونفاق الغرب

بقلم: د. جيمس زغبي

الثلاثاء ١٧ مايو ٢٠١٦ - 03:00



يواجه المسيحيون في بلاد الشام وخاصة في سوريا والعراق وفلسطين تحديات جسيمة يجهلها الغرب أو يتجاهلها ولا يفهمها. خلال الأعوام القليلة الماضية لا يهتم صناع القرارات السياسية والجماعات الحقوقية بحماية هؤلاء المسيحيين أو يعترفون بوجودهم إلا إذا كان ذلك يتماشى مع مقارباتهم ويتناسب مع أجنداتهم السياسية في المنطقة.
ظل المسيحيون الفلسطينيون على سبيل المثال يعانون من التجاهل التام، فهم يمثلون عبئا كبيرا على أولئك المسيحيين الانجيليين اليمينيين الذين ينظرون إلى إسرائيل فقط من خلال زاوية آيديولوجية ضيقة ويرون أن تجمع اليهود في الدولة العبرية مقدمة ضرورية لا بدَّ منها من تقريب معركة هرمجدون واعتناق اليهود للمسيحية وعودة المسيح وكل ما يتبع ذلك.
يحج هؤلاء الانجيليون إلى الأرض المقدسة ويزورون الأماكن التي مر منها السيد المسيح كما أنهم يزورون المقدسات المسيحية لكنهم يتجاهلون تماما وجود المسيحيين المحليين الذين يعود وجودهم في فلسطين إلى أكثر من ألفي سنة.
وبما أن الانجيليين اليمينيين قد أصبحوا من أشد المدافعين عن السياسات الإسرائيلية والمتحمسين لها فإنهم لا يرفضون فقط الإقرار بالمظالم التي يتعرض لها إخوتهم في الدين بل إنهم يتجاهلون هؤلاء المسيحيين المحليين ويتعاملون معهم وكأنهم غير موجودين.
لعل ما يدعو إلى الأسف حقا أن هذا العمى قد أصاب أيضا السياسيين من اليمين واليسار على حد سواء. وبما أن توجيه أي انتقادات لإسرائيل والإسرائيليين يعتبر من المحرمات فإن أغلب هؤلاء الساسة قد آثروا تجاهل هؤلاء الضحايا الفلسطينيين، سواء أكانوا من المسيحيين أو المسلمين على حد السواء.
نتيجة ذلك، لازم هؤلاء السياسيون الصمت وهم يرون الإسرائيليين يصادرون وينهبون أملاك الفلسطينيين ويفرضون نظاما سياسيا جائرا يعطي الأحقية لليهود فيما يخضع المسيحيون والمسلمون لشتى أصناف التمييز.
أما المسيحيون في سوريا والعراق فقد تعرضوا بدورهم لمصير آخر لا يقل معاناة وآلاما على أيدي الغرب والغربيين. في الفترة التي سبقت الغزو العسكري الأمريكي للعراق سنة 2003 لم يفكر أي أحد في التداعيات الوخيمة لتلك الحرب على المسيحيين هناك.
خلال الأعوام ما بعد تلك الحرب أصبح العراق يتخبط في الصراعات الطائفية. أما الساسة والزعماء الدينيون في الولايات المتحدة الأمريكية فقد ظلوا يتجاهلون مصير الأقليات العراقية ومن بينها المسيحيون.
لقد لاذت إدارة جورج بوش على سبيل المثال بالصمت المطبق فيما كانت أملاك المسيحيين ومنازلهم وأموالهم تتعرض للنهب وفيما كانت عائلاتهم تجبر على الرحيل إلى بلاد المنفى وهو ما جعل الأقلية المسيحية في العراق تتقلص من مليون وأربعمائة ألف إلى أربعمائة ألف فقط.
من الواضح أن مسائل إنقاذ الأقلية المسيحية العراقية لم تكن تتناسب مع الأجندة السياسية الأمريكية، وهو ما يفسر أن صرخات هؤلاء المسيحيين المطالبين بالحماية من الأخطار التي تتهددهم لم تجد آذانا صاغية لدى هؤلاء الساسة.
عندما تفاقمت الأعمال الوحشية التي يرتكبها تنظيم داعش بدأ الغرب يتحرك ويبدي اهتماما بمصير من تبقى من المسيحيين في العراق. يبد أن هؤلاء المسيحيين قد أصبحوا الآن فقط يتناسبون مع الأجندة السياسية الغربية وذلك من أجل مهاجمة الرئيس وخدمة أجندات الجماعات اليمينية المعادية للمسلمين والتي راحت تذرف الدموع.
لم تجد أصوات المسيحيين في سوريا من يسمعها في بداية الصراع الدامي. رغم أن الكثير من المسيحيين لا يؤيدون نظام دمشق فإنهم أبدوا مخاوفهم من احتمال وصول «المعارضة» إلى الحكم. وبما أن حكومة بشار الأسد قد انتهجت مقاربة علمانية تؤمن الحماية النسبية للمسيحيين فقد أصبح ينظر إليهم أحيانا كعبء ولم يتم إشراكهم بالتالي في النقاشات السياسية التي تتعلق بمستقبل بلادهم – وخاصة في الغرب.
الآن فقط وبعد أن تمدد تنظيم داعش وازداد خطره بدأ رجال الكنيسة والساسة في الغرب يحولون اهتمامهم لمعاناة المسيحيين في سوريا – لكن هذا الاهتمام غير كاف وجاء متأخرا تماما مثلما حدث في العراق المجاور.
خلاصة الأمر، يتعين الإصغاء إلى أصوات المسيحيين العرب والانتباه إلى معاناتهم وما يتهددهم من مخاطر – ولا نهتم بهم فقط عندما نعتبر أن قضيتهم تناسب أجنداتنا السياسية. إن المسيحيين العرب أكثر من مجرد لاجئين أو ضحايا للتطرف الديني الذي يعطي للجماعات المناهضة للإسلام الورقة اللازمة كي تروج لما تسميه «خطر الإسلام الداهم».
إن المسيحيين العرب موجودون منذ القدم وهم يمثلون جزءا لا يتجزأ من تطور النسيج الثقافي والاجتماعي في بلاد الشام، لذلك فإنّ مسألة بقائهم واستمرار وجودهم تكتسي أهمية كبيرة لهذه المنطقة.
إن الاعتراف بحقوق المسيحيين العرب والاستماع لمشاكلهم وتلبية احتياجاتهم من العوامل التي قد توفر دروسا مستفادة للساسة. إن الهشاشة الكبيرة التي يعاني منها المسيحيون في بلاد الشام وما يتعرضون له من تحديات وتهديدات تمثل اختبارا حقيقيا لسياساتنا.
إن صمت الغرب في ظل استمرار إسرائيل في خنق الجامعات المسيحية الفلسطينية من شأنه أن يمثل إدانة صارخة لسياسات حقوق الانسان الغربية التي تخدم مصالحها وتعاني من مواطن وهن عديدة، وخاصة منها ازدواجية المعايير.
كان يجب أن يمثل مصير المسيحيين منذ البداية إنذارا مبكرا للأمريكيين حتى يدركوا أن نظام الحكم الطائفي الذي أرسوه في العراق محفوف بالكثير من الأخطار. لم تضم المعارضة السورية أيا من القيادات المسيحية البارزة – باستثناء بعض الوجوه المسيحية الرمزية – وهو ما كان يحتم على صناع السياسة في الغرب أن يدركوا أن هذه الصيغة غير ممثلة وأنه كان لا بدَّ من بذل المزيد من الجهود من أجل بناء حركة معارضة تشمل الجميع. لقد كان يجب إشراك قيادات المسيحيين وبقية الأقليات إذا كان الهدف يتمثل حقا في بناء نظام حكم يمثل الجميع.
j رئيس المعهد العربي الأمريكي






كلمات دالة

aak_news