العدد : ١٥٣١٣ - الثلاثاء ٢٥ فبراير ٢٠٢٠ م، الموافق ٠١ رجب ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣١٣ - الثلاثاء ٢٥ فبراير ٢٠٢٠ م، الموافق ٠١ رجب ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

الإنسان.. بين (مزدوجين)

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ١٥ مايو ٢٠١٦ - 03:00



الإنسان مطلق إنسان يعيش في هذه الحياة بين مزدوجين أي بين قوسين ()، الأول هو: المحيا، والثاني هو: الممات، وبين الميلاد والوفاة سنوات قد تطول وقد تقصر بحسب ما كتبه الله تعالى على العباد، فقد أخذ العهد على نفسه سبحانه بألا تموت نفس حتى تستكمل أجلها ورزقها، عن أبي أمامة الباهلي(رضي الله عنه) عن رسول (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: [إن روح القدس نفث في روعي أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل أجلها، وتستوعب رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله، فإن الله تعالى لا ينال ما عنده إلا بطاعته] المحدث: الألباني. المصدر: صحيح الجامع. الحديث صحيح.
والحق سبحانه وتعالى لم يقصر البقاء والاستمرار في هذه الحياة الدنيا على المؤمنين به، الطائعين لأوامره ونواهيه، بل عم بذلك جميع خلقه، فكذلك الرزق جعله الله تعالى للجميع، وقال لنبيه إبراهيم (على رسولنا وعليه الصلاة والسلام) حينما أراد أن يقصر الرزق على الطائعين فقط دون العصاة، قال تعالى: «وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدًا آمنًا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم اضطره إلى عذاب النار وبئس المصير» البقرة/126.
 خلق الله تعالى الناس ليعبدوه لا ليعبدوا غيره، فإذا خالف بعضهم ذلك، فأكلوا رزقه وشكروا غيره، فهذا شأنهم وسوف يحاسبون على ذلك، ولكنه سبحانه، وبحسب العهد الذي أخذه على نفسه جل جلاله، فهو يرزق الطائع منهم والعاصي، بل قد يفوق العاصي الطائع في الرزق والتمكين، ولا يعني هذا أنه سبحانه راضٍ عن العاصي حين فضله في ذلك على الطائع، بل أراد تبارك وتعالى أن يبتلي المؤمن بأن يقدر عليه رزقه، وأن يبتلي الكافر بأن يبسط له في رزقه، وقد يكون في ذلك استدراج له من دون أن يشعر، قال تعالى:«ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير» الشورى/27.
إنه صراع الإنسان داخل هذين المزدوجين، مزدوج الحياة، والممات، ومزدوج الطموحات، والإمكانات، مزدوج الطاعة، والمعصية، وله أن يتحرك داخل هذين المزدوجين بحرية أعطاها الله تعالى له، فجعل إرادة جوارحه إليه، يتجلى ذلك واضحًا في شهر رمضان بالذات حين يأمر الإنسان جوارحه فتمتنع عن الحلال فضلاً عن الحرام، بينما كان يظن وغيره كثيرون أنه عبد لجوارحه، يأمرها فلا تطيعه، وينهاها فتعصيه، ولذلك كان دائمًا يلقي باللائمة عليها فيما يأتيه من معاصٍ، وفيما ينتهي عنه من طاعات. 
لقد ملكه الله تعالى زمام جوارحه، وسخر له الوجود ينفعل لحركته، ويستجيب لسعيه، وسواء كان هذا السعي، أو تلك الحركة في الخير أم في الشر، في الطاعة أم في المعصية، فقال سبحانه وتعالى، وهو يؤسس لفلسفة التغيير في حياة الإنسان عمومًا، وفي حياة المؤمنين بالله تعالى، الطائعين لأمره ونهيه، فقال سبحانه وتعالى: «.. إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم..» الرعد/11.
واستكمالاً لهذه الفلسفة، فلسفة التغيير في الإسلام، أو تعزيزًا لها، أو تأصيلاً لمفرداتها، قال سبحانه: «ذلك بأن الله لم يك مغيرًا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم» الأنفال/53.
ولتفعيل هذا القانون الإلهي، قال تعالى: «وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعو» النحل/112.
ومعلوم أن هذين المزدوجين في المحيا والممات قد كتبهما الله تعالى على الإنسان، ولن يقدر على الخروج منهما، ولكن بيده أن يحولهما من سجن كئيب إلى جنة وارفة الظلال، عذبة الماء، وحدائق ذات بهجة، أما قدر الله تعالى الذي كتبه على الإنسان ولا فكاك له منه، قال تعالى:«قل إن صلاتي ونُسُكِي ومَحْيَاي ومَمَاتِي لله رب العالمين» الأَنْعَام/162.
وأنت أيها الإنسان مهما كان انتماؤك، ومهما كانت ملتك، فأنت محصور بين هذين المزدوجين لا إرادة لك في التواجد فيهما، ولكن أنت حر في أن تبقى سجينًا معذبًا فيهما، أو أن تنجو بنفسك وتحولهما إلى نعيم دائم، ومتعة مستمرة إذا علمت وتيقنت أن كلك لله تعالى من ميلادك إلى وفاتك، وأن ليس لله تعالى فيك شريك، وأنه سبحانه هو وحده الذي يملك الملك والملكوت، ولَك الخيار في أن تقبل عليه بالطاعات لأوامره ونواهيه، أو أن تعرض عنه بالمعاصي، وفي التساؤل الذي تطرحه الآية الجليلة (164) من سورة الأَنْعَام فيه من التقريع، والتحذير الشيء الكثير، قال تعالى: «قل أغير الله أبغي ربًّا وهو رب كل شيء ولا تكسب نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كُنتُم فيه تختلفون».
 لن تخرج أيها الإنسان الطائع أو العاصي من هذين المزدوجين إلا إلى ساحة القضاء الأعلى، يوم القيامة لتحاسب على ما قدمت من صالح الأعمال أو طالحها، ومن الطاعات أو المعاصي، وليكون كل ذلك وفق الإرادة الحرة التي حباك الله تعالى بها، وفضلك على كثير ممن خلق بها، هذه الإرادة الحرة التي وفر لها الحق تبارك وتعالى كل السبل لتتجلى إما بالطاعة وإما بالمعصية، فسخر لها كل الإمكانات التي تعينها على أداء دورها المنوط بها، وسوف تخرج أيها الإنسان من هذين المزدوجين ولا بد أن تخرج إما إلى جنة عرضها السماوات والأرض، وإما إلى جهنم وبئس المصير، وكل ذلك بإرادتك الحرة ومن دون إكراه من أحد حتى الشيطان الذي تبرأ من العصاة وأعلن تخليه عنهم، وتركهم يواجهون مصيرهم الذي حذرهم منه مولاهم سبحانه وتعالى وحدهم.
لقد أبطل الله تعالى حجج العصاة، وأعذار الطغاة حين وثق ذلك في كتاب:«لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد» فصلت/42، وذلك حين قدم الشيطان اعترافًا وافيًا لحقيقة ما يرميه العصاة من تهم: «وقال الشيطان لما قضي إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم» إبراهيم/22.
هذه أكبر حجة يحتج بها العصاة، وهي سيطرة الشيطان على إرادتهم، وتحكمه في أعمالهم، وها هو يعلن في بيان واضح لا لَبْس فيه أنه لا يملك سلطان قهر، فيقهرهم على المعصية، ولا سلطان حجة، فيقنعهم بترك الطاعة، وأنهم قد أقبلوا على المعصية، وأعرضوا عن الطاعة بمحض اختيارهم، وبكامل وعيهم، وأن الشيطان بريء من ذلك كله، وليس له إلا أنه وسوس لهم فاستجابوا لوسوسته رغم أن كيد الشيطان كان وسيظل ضعيفا كما قال الله تعالى عنه: «الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفًا» النساء/76.
وبعد، فجميعنا خلقنا بين مزدوجين، وهما المحيا والممات، وبيدنا أن نخرج منهما إما إلى نعيم مقيم، وإما إلى جحيم مقيم، وهذا له استحقاقه، وذاك له استحقاقه.. هذا هو مصير الإنسان أيًّا كان انتماؤه، وأيًّا كانت ملته أو قوميته.

aalbinfalah@gmail.com






كلمات دالة

aak_news