العدد : ١٥٣٠٩ - الجمعة ٢١ فبراير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٧ جمادى الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٠٩ - الجمعة ٢١ فبراير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٧ جمادى الآخر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

من مفكرة سفير عربي في اليابان
«إيتاداكيماس» اليابانية والمبدع علي الشرقاوي

بقلم: د. خليل حسن j

السبت ١٤ مايو ٢٠١٦ - 03:00



وأنا أتصفح جريدة الوطن البحرينية، لفت نظري مقال للأستاذ علي الشرقاوي بعنوان هل تعرف من ساهموا بنجاحك؟!. وقد أرجعني هذا المقال إلى أيام الصبا الجميلة، حيث أتذكر أني تعرفت على هذه الشخصية الهادئة الرصينة شابا يانعا، حينما كنا طلبة، والذي أصبح اليوم من خيرة أدباء وشعراء وكتاب المسرح والأغاني بمملكة البحرين. وقد قررت أن أراجع الإنترنت لكي أتعرف على هذه الشخصية من جديد، بعد أكثر من أربعة عقود من لقائي به. وقد لفتت نظري مقابلة تلفزيونية له على اليوتيوب، وليسمح لي عزيزي القارئ أن أشاركه حواره، حيث سئل: «ويناك؟». فقال: «أنا في الواقع موجود ومشغول بالكتابة. أشكركم على هذه الفرصة، التي توافق يوم ولادتي، وهو يوم أتصور أنه مهم في حياتي، لأني أتيت إلى هذا العالم من والدين محددين، وفي أرض محددة، وفي زمن محدد، لذلك أنا من الناس الذين يحتفلون بعيد ميلادهم. وأحتفل به بأن أشكر ربي لأنه خلقني على هذه الأرض، وأشكر والدي، وأشكر الأرض التي أعيش عليها، وأشكر الهواء الذي أستنشقه، وأشكر كل ما هو جميل ورائع في هذه الدنيا، لأني في مثل هذا اليوم جئت لهذه الحياة. والشيء الرائع هو أن يوم ولادتي هو يوم 16 ديسمبر، وهو يوم العيد الوطني لمملكة البحرين، لذلك أنا أحتفل بأكثر من احتفال في يوم عيد ميلادي، وهو اليوم الذي يحدد مسيرة حياتك، يعني، كثيرون يقولون: في هذا اليوم التقى عطارد مع المشتري، أو كانت الشمس في وضعية معينة، أو أنت ولدت في الليل أو النهار. فكل هذه الأشياء تسهم في تشكيلك كإنسان في هذه الحياة، من أجل أن تؤدي دورك، الذي خلقت من أجله. فبالنسبة إلي هو يوم عظيم، وكل إنسان عظيم لأن خالقه رب عظيم، من هذه الزاوية أنظر أيضا أن كل إنسان مبدع، كل إنسان رائع في هذه الدنيا، ولكن الظروف هي التي تحدد مسارنا. نعم أنا إنسان عظيم، وأنت إنسان عظيم، وكلنا عظماء، بالعقل الذي وهبه الخالق، جلت عظمته، لنا كبشر، ولكن المشكلة أننا لا ندرك سر هذه العظمة التي نملكها.
ويجيب عن سؤال عن غزارة تجربته الأدبية فيقول: أنا أعيش تجربة الإبداع الأدبي، ولا يهمني كم المادة التي قدمتها، بل الذي يهمني أن أواصل التجربة. بمعنى، أن هناك ما يسمى لذة الكتابة، التي هي أجمل من الكتابة نفسها، في لحظتها تحس أنك تملك كل العالم، أي أجيب الشمس وأخليها تجلس معنا وأناقشها، بل أستطيع أن أجعل القمر يلعب معانا في الشارع، أو يتحول إلى زورق. في لحظة الكتابة، يمكن أن أقول ما لا يمكن أن يقال، أو أن نهدم العالم ونعيد صياغته، من وجهة نظر شعرية. فالقضية الأساسية هي المخيلة، التي تعطيك وتجعلك تتجاوز كل العراقيل والصعاب الموجودة. أنا لا أريد الوصول إلى القمة، لا، أنا أريد أن أتمتع بالكتابة، بمعنى أن الكتابة بين ضفتين، أنا متمتع بالتجديد بين الضفتين، ما إن أصل إلى ضفة حتى أعود من جديد إلى الضفة الأخرى، وأبتدئ من جديد، وهذه هي لذة الكتابة، ففي الكتابة أجد معنى الحرية الحقيقية، ومن خلالها أملك كل شيء.
كما سئل عن حسه السياسي وعلاقته بدراسته الجامعية في بغداد، وعن سجنه في قبل خمسة عقود، فقال: الحس السياسي بدأ قبل، فمنذ الصف الثاني الابتدائي كنا نحفظ شعر، نحن الشباب لنا الغد ومجده المخلد، نحن الشباب شعارنا على الزمن، عاش الوطن عاش الوطن. فقد كان الوطن جزءا مهما في جيناتنا، فالآن أنا من غير الوطن لا أساوي شيئا. أنا تركيبتي أو جيناتي جينات وطنية، جينات محبة، جينات حلم أن يكون هذا الوطن من أفضل الأوطان في العالم. وبالنسبة إلى تجربتي الجامعية في بغداد في السبعينيات كانت امتدادا لتجربتي في وطني. أما تجربة السجن فيجب أن نأخدها من زاوية معينة، أنت لم تدخل السجن نتيجة جريمة معينة، بل دخلت السجن من زاوية أخرى، من ناحية وطنية. أنا دخلت السجن كمعارض، وحق الإنسان في أي مكان أن يعارض من دون تطرف، ويعبر عن وجهة نظره، من أجل حياة أفضل للمواطن، حياة أفضل بالنسبة إلى حرية التعبير، وفي العمل السياسي وحقوق الإنسان، كل هذه الأشياء أتصور أنها جزء من تركيبتك كإنسان، قبل أن تكون سياسيا. ولست نادما على وجودي في السجن قبل أكثر من أربعة عقود، بل أعتبر السجن مدرسة، فمن خلال السجن تعلمت أشياء كثيرة، فأول شيء في السجن أنك تجلس مع نفسك، بينما في الخارج أنت موجود في حالة عمل أربعا وعشرين ساعة. في السجن عندك وقت، لحوار ذاتي مهم جدا مع نفسك، لتسأل نفسك: هل ما قمت به صحيح، وإذا كانت هناك أخطاء، فما هي هذه الأخطاء؟ وكيف أتجاوز هذه الأخطاء من أجل مستقبل أفضل؟ وأنت لا تندم على الفترة التي عشتها في السجن، بل هي فترة كجزء من تجربتك الحياتية، وتكوينك، والتي أوصلتك إلى ما أنت عليه الآن، فلو لم تكن هناك لما وصلت هنا. هذه هي الصورة التي تؤدي إلى أن أعتبر السجن مدرسة بالنسبة إلي، لأنّي من خلالها كتبت أيضا مجموعة كتب.
ويتساءل مقدم البرنامج: «هل تعتبر اليوم أنك سجنت ظلما؟» فيرد بقوة: «لا لم أسجن ظلما، فحينما أقول أني أختلف معاك في وجهة نظرك، وأنت ترى أني قد أثرت عليك، من حقك، في تلك الفترة أن تسجنني، لأني أختلف معك، وقد أثرت عليك سياسيا، وأثرت على الشارع السياسي ضدك. ولا يعني ذلك بموقف خاطئ، بل تعرضت لمراجعات، نعم، قلت لك، السجن مدرسة، تراجع فيها نفسك. فما كنت تطالب به في السجن في تلك الفترة؟ كنت تطالب بوجود دستور وبرلمان ونقابات عمالية وطلابية، وحرية التعبير، وحينما توفرت هذه الأشياء جميعا اليوم، فبم ستطالب أكثر؟ لكن بالنسبة إلى ما يسمى المعارضة اليوم، إن لم تستطع الاستفادة من هذه الأدوات المتوافرة، فهذه مشكلتها. والنقطة الثانية الأكثر أهمية، أني اكتشفت في السجن أن الشاعر أو الفنان أو المبدع، من الصعب أن يكون سياسيا. بتعبير آخر، المبدع يجب ألا يكذب، لكن السياسي كما يرى البعض شغلته الأساسية التكذيب، فهناك تعارض داخلي. واكتشفت كشاعر أني قريب من الناحية الروحانية، بينما ليس لدى السياسي تلك المشكلة، السياسي دنيوي، مادي. ولذلك أفضل أن أكون شاعرا لا سياسيا، بسبب أن الشعر أو الفن ناحية روحانية، وأنا أقرب من الناحية الروحانية أكثر من الناحية المادية. ولا يمكن أن تسجن شاعرا أصلا، ففي وقت الكتابة أنت حر، لا يستطيع أي إنسان أو أي نظام أن يوقفك عن التفكير أو الكتابة مهما كانت قوته. ولأن الشاعر يعيش في مخيلته، فقد تستطيع سجن جسمه، ولكن لا تستطيع سجن روحه. كما لا يمكن أن تكون شاعرا وسياسيا في الوقت نفسه، أي أن تلتزم تنظيميا، الذي سيفرض عليك موقفا معينا. بينما الشاعر يعيش فوق واقع المجتمع، أي يحلم بأن كل الفئات الاجتماعية في حالة من الفرح والأمان. كما أني من الناس الذين لا يحبذون أن يدخل رجل الدين في تنظيمات سياسية معينة، لأنه سيشط عن أن الدين النصيحة.
كما تحدث شاعرنا عن الموت فقال: خلود الإنسان في العمل الصالح، أما الموت فما هو إلا جزء من حلقة الحياة، وتكملة له. كما لن أندم على أي شيء قمت به في حياتي، لأني كما أقول دائما، إن لم أكن هنا كنت هناك. أنا أسمي جميع هذه تجارب حياتية بكل أنواعها، أنا لا أؤمن بشيء اسمه فشل، أنا أعتبرها تجربة مررت فيها، وتعلمت منها. فكل حياتنا تجربة متواصلة إلى آخر يوم، وبعدها تأتي تجربة الموت. أي الانتقال إلى مرحلة أخرى من الحياة، الآن الجسد الذي أنت موجود فيه يسمى بحالة الكثافة، وأنا أنتقل بعدها إلى حالة روحية أو أثيرية لا أكثر. فالموت هو عملية الانتقال من حياة مادية إلى حياة روحية أو أثيرية. ما قدمته أنت في الحياة، من خير وفعل جيد، يكون لك ضمانة في الحياة الأخرى. لذلك أنت تنتقل من الدنيا، إلى الحياة الأخرى من خلال الموت. فالموت ليس نهاية، ليس فناء، لذلك نقول إنك تنتقل إلى مرحلة أرقى من التي أتيت فيها، فما أنت إلا روح. فقد جئت إلى هذا العالم لكي تؤدي مهمة معينة، بل جئت لتوصيل رسالة، وحينما توصل رسالتك ترد إلى المكان الأول. فمثل ما نفرح بولادة الطفل، من المفروض أن نفرح لرجوع الشخص إلى بيته الأول، بعد تجربته في الحياة المادية. لا أخاف الموت، لأنّ الموت جزء من الحياة، الموت غير مخيف، مخيف للناس الذين يجهلونه، بينما الناس الذين يعيشون معه، ويحسون بأنه جزء من هذه الحياة، بعدها سيكون الموت رائع جدا، كأنك أنهيت مهمتك التي جئت من أجلها، فأنا عندي الموت شيء طبيعي جدا، ولا أخاف منه، بل سيأتيني يوما من الأيام، وسأستقبله بحب.
وبعد عرض شخصية شاعرنا أعرض بتصرف مقاله، الذي نشر بصحيفة الوطن، في شهر مارس الماضي، بعنوان، هل تعرف من ساهموا بنجاحك؟! فيقول: نحن كلنا لسنا نتاج مواهبنا، أو قدراتنا الخاصة، أو بيئتنا فقط، بقدر ما نحن نتاج كثير من الأيادي، التي ساعدتنا على النهوض والتقدم في الطريق الذي حلمنا به، وفي الهدف الذي نسعى إليه.. قبل فترة قرأت عن قصة «لوحة اليدين»، التي تقول إنه في قرية قريبة من بلدة نورمبرج، وفي القرن الخامس عشر، عاشت عائلة مكونة من أب وأم وثمانية عشر طفلا، بظروف مادية صعبة. ولكن لم يمنع الأخوين الأكبرين الموهوبين في الرسم عن حلم الدراسة بأكاديمية الفنون، حيث إنَّ والدهما لن يستطيع دعمهما، فتوصلا إلى حل بأن يُجريا قرعة، فالخاسر يذهب إلى العمل في المناجم، ويتكفل بمصاريف أخيه الفائز في فترة الدراسة. وبعدها يذهب الأخ الآخر ليدرس، ويتكفل به أخوه ببيع الأعمال الفنية أو بالعمل في المناجم. وبعد أن أُجريت القرعة، وفاز ألبرت دورير، ودرس بالأكاديمية واشتهر بلوحاته الفنية، ليعود بعد غياب أربع سنوات إلى قريته، وفي وسط احتفال هائل، وقف وقال: «يا أخي الحبيب، ربنا يبارك لك، ويعوضك عن تعبك لأجلي، لولاك لما استطعت أبدا أن أدرس في الأكاديمية، الآن حان دورك في الذهاب، وأنا سأتكفل بمصاريفك، فلديّ دخل كبير من بيع اللوحات». فرد أخوه بالقول: «لا يا أخي، أنا لا أقدر على الذهاب الآن. انظر إلى يديّ وما فعلته بهما 4 سنوات من العمل في المناجم، لقد تكسر كثير من عظامها الصغيرة، فإني لا أقدر على الإمساك بريشة صغيرة والتحكم في الخطوط الدقيقة». وذات يوم مر ألبرت على حجرة أخيه، فوجده يدعوه ويداه مضمومتان، فاستوقفه المنظر، وشعر برهبة شديدة، وهنا أخذ أدواته ورسم تلك اليدين، كتكريم للإنسان الذي لم يفكر في نفسه، وأطلق على اللوحة اسم «اليدين». فالفنان هو ألبرت ديور، ولد في ألمانيا عام 1471، وتوفي عام 1528، والصورة المشهورة هي «اليدان المصليتان» المرسومة سنة 1528، فعندما ترى هذه اللوحة تذكر: كل يد قدمت لك خدمة، كل يد ضحت من أجل راحتك، كل يد بذلت نفسها من أجلك. لا تتصور نفسك في يوم أنك وحدك من خلق النجاح، انظر إلى الأيادي التي ساعدتك على هذا النجاح، انظر إلى الأبواب التي فتحت لك، انظر إلى المساحات التي أعطيت لك، واشكر الخالق، جلت عظمته، على كل النعم التي أنت فيها، واشكر جميع الذين عملوا على رفعك إلى الأعلى.
وهنا أريد أن ألفت نظر القارئ العزيز إلى كلمة يابانية، وهي «تاداتكيمس». وهي كلمة شكر يتلفظ بها كل ياباني قبل أن يبدأ أكل وجبته في البيت مع عائلته. وهل تعرف من يشكرون بهذه الكلمة؟ هل يشكرون من جهز السفرة، ووضع الطعام على الطاولة؟ أم يشكرون من طبخ الأكل؟ أم يشكرون من اشترى مواد الأكل وأوصلها إلى البيت؟ أم يشكرون، من باع هذه المواد ليتمكنوا من طبخ أكلة لذيدة؟ أم يشكرون السواق الذين نقلوا هذه المواد الزراعية من المزارع إلى السوق؟ أم يشكرون المزارعين الذين زرعوا هذه الخضراوات والفواكه؟ أم يشكرون المزارعين الذين ربوا المواشي ووفروها كطعام للمواطنين؟ أم يشكرون المسؤولين الذين وفروا أراضي زراعية للمزارعين لكي يزرعوا فيها طعام الشعب؟ أم يشكرون رجال البرلمان الذين وضعوا تشريعات وفرت أراضي زراعية رخيصة للمزارعين؟ أم يشكرون السلطة القضائية للتأكّد من التزام الدولة بالتشريعات البرلمانية؟ أم يشكرون السلطة التنفيذية التي نفذت كل هذه التشريعات ووفرت الأراضي للمزارعين؟ أم يشكرون رجال الأمن لخلق الأمن والاستقرار في البلاد لتتطور اقتصاديا وتستطيع توفير كل وجبة الطعام ولكل مواطن؟ أم يشكرون الطبيعة التي وفرت هذه النباتات والأشجار التي كانت سببا لتوفر الفواكه والخضراوات التي نأكلها؟ أم يشكرون أرواح المواشي والأسماك والنباتات التي أزهقت لتتحول غذاء يبقي على حياة البشر؟ أم يشكرون العائلة الإمبراطورية التي هي رمز وحدة الشعب الياباني واستقراره؟ أم يشكرون خالق الطبيعة والكون، جلت قدرته، الذي وفر سبل الحياة للجنس البشري؟ تصور عزيزي القارئ أن كلمة «تاداتكيمس» يكررها كل ياباني قبل الأكل، لتعني نعم، لجميع هذه القائمة من الأسئلة. ولنا لقاء.
j سفير مملكة البحرين في اليابان




كلمات دالة

aak_news