العدد : ١٥٣١٥ - الخميس ٢٧ يناير ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٣ رجب ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣١٥ - الخميس ٢٧ يناير ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٣ رجب ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

أيها الإنسان.. كَمْ عُمْرُكَ الإنْتَــاجِــيُّ؟

بقلم: د. سعد الله المحمدي

الجمعة ١٣ مايو ٢٠١٦ - 03:00



جَرَتِ العَادةُ عَلى أنْ يُقاسُ عُمرُ الإنْسانِ بِعَددِ الأيام والشهورِ والسنواتِ.. فيُقالُ شخصٌ معمّر.. وماتَ فلانٌ وعمرُهُ كذا سنة، وغيرها من العِباراتِ التي تحدّد عُمر الإنسان بالأيام والشهورِ التي عَاشها وقضَاها.
ولكنْ لو فكّرنا في العُمر الحَقيقيّ للإنسان لأدْركنَا أنّهُ هُو العُمرُ الإنتاجيّ، أي العُمر الذي قضاهُ في عَملٍ صَالِحٍ أو شُغْلٍ ينفعُه في الدنيا والآخرةِ، ويفيدُ المجتمعَ والإنسانية في مسيرتِهَا، فالعُمرُ الإنتاجي هُو ما يخلّفه الإنسانُ وراءهُ مِنْ إنجازاتٍ متميّزة.. ونجاحَاتٍ ملموسَةٍ.. وهو العمرُ الحقيقيّ للإنسانِ، والذي لا يقاسُ بعددِ الأيام والشّهور بل على قدر الإنتاجِ والجُهْدِ والإبداعِ والآثار التي تذكّر النّاس به، قال أميرُ الشعراء أحمد شوقي:
فَارْفَعْ لنَفْسِكَ بَعْدَ مَوْتِكَ ذِكْرَهَا
فالذكرُ للإنْسانِ عُمرٌ ثَانِي
في تاريخنا الإسلاميّ نجدُ نوابغ العلماءِ والمبْدعينَ الأفذاذ في كثيرٍ من المجالاتِ.. منْها مجاَلُ التأليف والكتابةِ والتصنيفِ والجمْعِ حيث إنَّك تستطيعُ أنْ تعدّ لأحدهم كُتُبًا عديدةً في معظمِ العُلومِ والفُنونِ، وذلك لأنّهم أحبّوا أعمالهم وتفانوا فِيْها وزَهدوا فيْمَا سِواها فكانتْ حياتُهم ثريّة بالإنتاجِ والإبداعِ والإنجازاتِ والمشَاريعِ التي أصبحتْ عمرا ثانيا لهمْ بعد وفاتهم.
وعلى سبيل المثال لا الحصر لو ألقينا نظرةً سريعَةً على عَناوينِ كُتبِ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهُ الله، لوجدنا أنه ترك للأمّة تراثًا ضَخْما وعظيمًا مازالَ أهلُ العلم ينْهلونَ منْ معِينه الصافي، وذلك لتركيْزِ هَذا الإمام العَظيمِ على مشْروعهِ الإصلاحي، وإعْراضه عن مناصبِ الدنيا وزخارفها وشواغلها، وبالتالي تَجَاوزَ عمرُه الإنتاجي عن السنوات التي عاشها إلى قرونٍ متتالية، وستبقى آثاره ومؤلفاتُه شاهدةً على حياته وشُموعًا مضيئة تنيرُ الطريق للسائرين مِنْ بَعْدِهِ.. قال الشاعر:
وآثارُ الرّجَالِ إذا تناهَتْ
إلى التّاريخِ خَيْرُ الحَاكِمِيْنَاَ
وَأَخْذُكَ مِنْ فَمِ الدنيا ثناءً
وتركُكَ في مَسَامِعِهَا طنِيْنَا
يقول د.عائض القرني عن شيخ الإسلام في كتابه على ساحلِ ابن تيميّة: «عاشتْ بعضُ الدول خمسة قرونٍ، ثم اندرستْ وذهبتْ فلا أثرَ ولا عيْن، ولكن هذا الجهبذ الأعجوبة بقي في ذاكرةِ الزمان، وقلْبِ الدهرِ، قصة فريدةً محفوظةً للأجيالِ تردّدها الألسنُ، وتترنّم بها الشفاه، عاشَ سلاطينُ ووزراء، وأغنياء، وشعراءُ، ثم ماتوا فماتتْ معهم آثارُهم، وعاشَ ابن تيمية بلا إمارةٍ ولا وزارةٍ ولا تجارةٍ، لكن بقي مَعنَا ومعَ الأجيال مِنْ بَعدنا حَيًّا في الضمائرِ، ماثلاً في النّفوسِ، حَاضرًا في الدروس والمنتديات العلمية، ومجامعِ المعرفة، وصُروحِ الثقافة.. حتى إنه ليَصْدقُ عليه بيت المتنبي:
وترْكُكَ في الدّنْيا دَوِيًّا كأنّما
تَداوَلَ سَمْعَ المَرْءِ أنْمُلُهُ العَشرُ
ومن المكثرين في التـأليف الواعظُ من علماء القرن السادس أبو الفرج ابن الجوزي الذي صنّف في كثيرٍ من العلُومِ والفُنونِ بخطّ يده، حتى قيل إنه جُمعتْ براية أقلامهِ التي كتَب بها حديثَ الرسول صلّى الله عليه وسلّم فحصلَ منْها شيءٌ كثير وأوْصَى أن يُسَخّنَ بها الماءُ الذي يُغسل به بعد مَوته ففُعِلَ ذلك فكفتْ وفَضَل منْها، كما ذكر القاضي ابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان.
ولو لاحَظْنَا ودقّقنا في حياة هؤلاء العلماء والعمالقة لوجدنا أنهم يشتركون في شيء واحد وهو السعي لهدفٍ نبيلٍ، فكانَ همّهم أكبر من هِممِ كثيرين مِمّن عاصروهم، ولذا عاشُوا العمر الثاني بعد مماتهم وملكُوا النّاس بعقولهم وأفكارهم وتراثهم ومؤلفاتهم.
فأمثال هؤلاء غَادَرُوا أضْعفَ شيء فيْهم وهو الجَسَدُ كما يقول د. عبدالكريم بكّار: «أمّا عقولُهم وأروَاحُهمْ وأمجادهم ومآثرهمْ والسّنن الحسنة التي سنّوها والأيادي البيضاءَ التي أسْدوها للناس فإنها باقيةٌ في النفوسِ والقلوبِ ليعبر عنْها أهلُ الوفاءِ بالثناءِ والدّعاءِ قرونًا بعْد قُرونٍ، ولتتّخذَ منْها الأجيالُ بعدَ الأجيالِ نِبْراسًا للتأسي والاقتداءِ.
إنْ تَسَلْ أيْنَ قُبُور العظَما
فَعَلى الأفْواهِ أو فِي الأنْفُسِ
ولا يصحّ أن يُقال إنّ زمنَ العمر الإنتاجي قد ولّى إلى غير رجعةٍ نظرًا إلى كثرة الأشغال والأعمالِ والمسؤوليات وغيرها من الأعذار.. لأننا نجدُ في عصرنا هذا أمثالا للنوابغ والعباقرة الذين كرّسوا جهودهم وحياتهم للعلم والإبداع فألّفوا موسوعاتٍ رائدة تعجز عنها المجامع العلمية، ومن هؤلاء المؤرخُ الأديبُ الشاعرُ الدبلوماسي خيرُ الدين الزركلي مؤلّف كتاب «الأعلام» المتوفي 1976 رحمه الله، حيثُ يعتبرُ كتابه «الأعلام» الذي جمعَ فيه نحو خمسة عشر ألف ترجمة لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين، وغيرهم، أحد الكتب العشرة التي يفاخر بها هذا القرنُ القرونَ السابقة» كما قال الشيخ علي الطنطاوي رحمهُ الله.
وبدأ الزركلي العملَ فِي كتابه الأعلام سَنَة 1912م واستمرّ فيه حتى وفاته، ولم ينفض يده منه على مدى ستين عامًا، اطلع خلالها على نفائس الكتب.. ونفَضَ التراب عن نوادر المخطوطاتِ، وسافرَ إلى أعرق المكتباتِ ومع كونه مُحاطا بالواجباتِ والمسؤولياتِ من كل جانب، إلا أنه خلّف وراءه كتابا جامعا قلّما كتب مثله في فنّه في القرون الأخيرة.
ومن المعاصرين الشيخ العلامة أبو الحسن الندوي رحمه الله المتوفى عام 1999م وكانَ كاتبا غزير الإنتاج واسع الاطلاع دقيق الفكر عميق التأمل، بلغتْ مؤلفاته مائة وستة وسبعين ما بين رسالةٍ وكتابٍ وبحثٍ باللغة العربية فقط والتي هي ليست لغته الأصلية!!
العمرُ الإنتاجي يخلّف للإنسان الذكرى الطيبة الحَسنة حتى ولو بعد وفاته، ويجعلُه سببا لفخر الآخرين واعتزازهم بالانتساب إلى مدرسته وتفكيره.
العمرُ الإنتاجي هو السمعةُ الطيبةُ والتراثُ الديني والعلمي والمعرفي والأدبي الذي يتركه الإنسان وراءه.. فيكون سببا لإعادة ذكراه بين الناس.. يقول أحد الشعراء في الإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت رحمه الله:
أَعِدْ ذِكْرَ نَعمانٍ لَنا إنَّ ذِكرَهُ* كمَا المِسْكُ مَا كَرَّرْتَهُ يَتَضَوَّعُ.
وقد ألف الأستاذ الباحث المحقق محمد خير رمضان يوسف كتابا ممتعا بعنوان: المكثرون من التصنيف في القديم والحديث، ذكر فيه جهود من وصلتْ مؤلفاته إلى مائة كتاب فما فوق، وذكر كذلك أصحاب المصنفات الضخمة، وبيّن أن ستة من علماء الإسلام فاقتْ مؤلفاتهم على الألف كتاب، كما أنه أشار إلى المكثرين من التأليف في الغرب، ويشتمل كتابه على الغرائب والعبر في مجال التأليف والمؤلفين.
} شمعة أخيرة: ليسأل كل واحد منا في نفسه: ماذا قدّم لدينه وأمّته ووطنه؟ وكم عمره الإنتاجي؟






كلمات دالة

aak_news