العدد : ١٥٥١٩ - الجمعة ١٨ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠١ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥١٩ - الجمعة ١٨ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠١ صفر ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

إرث الماضي ما بين أمريكا وأوروبا

بقلم: د.جيمس زغبي j

الثلاثاء ١٠ مايو ٢٠١٦ - 03:00



في بعض كتاباتي السابقة ركزت على الطريقة التي استوعبت بها الولايات المتحدة الأمريكية على مدى أجيال وعقود موجات لا تحصى ولا تعد من المهاجرين القادمين من مختلف القارات والذين تحولوا في ظرف قصير إلى أمريكيين. لقد حرصت على مقارنة هذا الأمر بالوضع في أوروبا التي لا توفر فرص التطور والرقي والاندماج أيضا.
لقد قلت في كتاباتي إن المواطنين الأمريكيين الجدد لا يحصلون فقط على هوية جديدة بل إنهم خلال مسار استيعابهم قد ساهموا في تغيير مفهوم الهوية الأمريكية نفسها من خلال اندماج الجماعات المتعددة والمتنوعة من المهاجرين الذين رسوا على سواحل الولايات المتحدة الأمريكية. لقد قلت إن هذا المسار لا ينطبق بصفة عامة على أوروبا.
تعتبر قدرة المهاجرين الجدد على الاندماج والتطور من أهم سمات الولايات المتحدة الأمريكية. هذا المسار هو الذي أتاح الفرصة لكثير من الجماعات المتعددة والمتنوعة من المهاجرين الجدد والذين استطاعوا في غضون جيل واحد أن يتغلبوا على نزعات الكراهية والاقصاء التي قوبلوا بها في البداية والذين وجدوا لأنفسهم بعد ذلك مكانا في صلب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
إن هذه السمة بالذات هي التي جعلت تجربة المهاجرين من العرب والمسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية مختلفة عن تجربة أبناء أوطانهم الآخرين، والذين آثروا الهجرة إلى أوروبا بدل الولايات المتحدة الأمريكية.
خلال القرن الماضي، هاجر أكثر من مليون من العرب والمسيحيين والمسلمين وثلاثة أرباع آخرين من غير العرب ومن غير المسلمين واستقر بهم المقام في الولايات المتحدة الأمريكية. على عكس نظرائهم في أوروبا فإنهم في الولايات المتحدة الأمريكية لم يجدوا أنفسهم يعيشون في أحياء «جيتو» خاصة بهم ولم يتحولوا إلى طبقة اجتماعية دنيا.
استطاع الباعة والعمال الميكانيكيون اللبنانيون وعمال الصلب السوريون وعمال المزارع اليمنيون وصغار التجار الفلسطينيون والمصريون والندلاء المغاربة – استطاعوا في غضون جيل من الزمن أن يحسنوا أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية ويثبتوا أن الأمر ممكن في الولايات المتحدة الأمريكية. فهم لم يبقوا في أدنى سلم الطبقات الاجتماعية لأنهم أدركوا أن الولايات المتحدة الأمريكية مليئة بالفرص المتاحة – هذا البلد الجديد الذي احتضنهم واستوعبهم.
هذا صحيح، لكن يجب التنويه أيضا إلى أمر آخر بالغ الأهمية في معرض المقارنة ما بين الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا.
هناك مع ذلك جانب أسود قاتم في هذه القصة الأمريكية. فالمهاجرون الجدد لا يجدون أنفسهم محبوسين داخل «طبقة اجتماعية دنيا تعيش حياة الجيتو» لأن هناك أصلا مثل هذه الطبقة الاجتماعية الدنيا التي تضم الأمريكيين من اصل إفريقي أو لاتيني، إضافة إلى السكان الأمريكيين الأصليين.
نتيجة لذلك، عندما يأتي هؤلاء المهاجرون الجدد يجدون الفرصة كي يتقدموا الصفوف ويرتقوا في السلم الاقتصادي والاجتماعي مقارنة بالجماعات والفئات الاجتماعية الأخرى المقموعة أصلا تاريخيا. هذا الوضع المشين لا يتحمل مسؤوليته المهاجرون الجدد. لقد وجد الوضع على تلك الحالة لدى وصولهم، وهو وضع يمثل وصمة عار على جبين الولايات المتحدة الأمريكية كما أنه يعتبر واقعا مشينا لا يمكن أن نتجاهله بأي حال من الأحوال.
لقد ولدت الولايات المتحدة الأمريكية أصلا من رحم الاثم – في الحقيقة هناك ثلاثة آثام مختلفة: الابادة الوحشية والتطهير العرقي اللذان تعرض لهما السكان الأصليون ومؤسسة الرق التي فرضت على الأفارقة إضافة إلى الاستعباد واحتلال الأراضي التي ينطق سكانها باللغة الإسبانية.
كثيرة هي المقالات التي تقارن ما بين تجربة المهاجرين العرب والمسلمين الجدد في الولايات المتحدة الأمريكية وأولئك الذين قدموا إلى المملكة المتحدة أو فرنسا. إنهم ليسوا نفس المهاجرين ولا يمكن بأي حال من الأحوال المقارنة بينهم. فالجيل الثالث من المهاجرين ينتابهم الغضب ويعانون من الاغتراب كما أن العرب العاطلين عن العمل يتكدسون في الأحياء الفقيرة «الجيتو» التي تحيط بالعاصمة باريس. هؤلاء لا نظير لهم وسط الجالية العربية الأمريكية في الولايات المتحدة.
يمكن أن نلمس بعض الشبه مع أولئك الأمريكيين من أصل إفريقي أو لاتيني والذين يكابدون في المدن الأمريكية. جاء المهاجرون من بلدان الشمال الإفريقي ودول جنوب آسيا من ضحايا الاستعمار إلى فرنسا والمملكة المتحدة بحثا عن فرص الحياة قبل أن يصابوا بالخيبة ويشعروا بالمرارة عندما اصطدموا بواقع البطالة والتمييز الممنهج. كذلك تبددت آمال وأحلام الأمريكيين من أصل إفريقي الذين جاؤوا من الجنوب الأمريكي وأولئك اللاتينيين الذين فروا من الفقر المدقع في بلدان أمريكا الوسطى بحثا عن حياة أفضل.
على غرار المهاجرين من الطبقة الدنيا في أوروبا فإن الأمريكيين من أصل إفريقي ولاتيني يعانون أيضا من تفشي الفقر على نطاق واسع مقارنة ببقية الفئات الأخرى في الطبقات الاجتماعية كما أن السجون الأمريكية تكتظ بهم. إنهم لا يزالون يذكرون المجتمع الأمريكي بفصول الماضي القاتمة الذي نفضل اليوم أن نتجاهله أو ننساه.
يرفض البريطانيون والفرنسيون حتى اليوم الاعتراف بعواقب سياساتهم الاستعمارية المشينة في جنوب آسيا والعالم العربي ومن ثم التكفير عنها. كذلك لم يتصالح الأمريكيون أبدا مع الجروح الغائرة التي لم تندمل حتى اليوم والتي تذكرنا بالاضطهاد الذي لحق بالسكان الأصليين في الولايات المتحدة الأمريكية، إضافة إلى العبيد وضحايا توسعاتنا الامبريالية في المناطق الموجودة في جنوبنا.
في كلتا الحالتين نجد أن ضحايا تاريخنا لا يزالون يعيشون بيننا وهم ينتظرون أن يعترف بهم كشركاء كاملين في مجتمعاتنا.
إننا نسعى أحيانا لتبرئة أنفسنا فترانا نتحدث عن قصص نجاح أولئك الذين شقوا طريقهم وأسقطوا الجدران وأزالوا الحواجز وتغلبوا على التحديات والعقبات وحسنوا أوضاعهم وارتقوا السلم الاقتصادي والاجتماعي.
ما لم نعترف بمظالم الماضي ونستوعب الدروس من معاناة ضحايانا ونغير المجتمعات جذريا حتى تستوعب الجميع فإننا سنظل نواجه تبعات آثامنا الأولى التي ستظل تلاحقنا ما حيينا ما حيينا.

j رئيس المعهد العربي الأمريكي






كلمات دالة

aak_news