العدد : ١٥٤٤٣ - السبت ٠٤ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٣ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٤٣ - السبت ٠٤ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٣ ذو القعدة ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

مبادئ مقررة.. في الكتاب والسنة

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ٠٨ مايو ٢٠١٦ - 03:00



القرآن الكريم يجمع بين المعجزة والمنهاج، ففي القرآن «.. لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً..» المائدة/48.
المعجزة تحمي المنهاج، وترفع من قدره، والمنهاج يفعِّل المعجزة، ويجعلها قابلة للتطبيق.
معجزات جميع الأنبياء والرسل الكرام على رسولنا وعليهم الصلاة والسلام مادية حسية باستثناء رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم، ومعجزاتهم لها زمن محدود، وأثر غير ممدود، وتنتهي بموت الرسول، وتبقى خبراً يتناقله الرواة، وقصة يرددها القاصون، وقد يزيدون فيها ويغيرون ويبدلون في تفاصيلها، ويبقى القدْر الموثوق به موجود في كتاب «لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد» فصلت/42. وهو القرآن الكريم، معجزة الإسلام الخالدة، وهذه المعجزات حجة على من عاصرها وشاهدها، ومن فاته عصرها، ولم تحدث أمام بصره فقد يؤمن بحدوثها وقد لا يؤمن إلا إذا آمن بما جاء في القرآن من ذكر لها.
ولأن القرآن العظيم يجمع بين المعجزة الدالة على صدق الرسول المبلغ عن الله تعالى، والمنهاج الذي يرسم للمؤمن سبل السلام، ويدله على صراط ربه المستقيم، ولأن القرآن كذلك، فقد جاءت فيه مبادئ مقررة لا يزيدها الزمان إلا رسوخاً على رسوخها، وثباتاً على ثباتها، أما فيما لا نص فيه، أو احتاج إلى تفصيل أو بيان، فقد جاءت السنة المطهرة لتتولى ذلك.
ومن المبادئ المقررة في القرآن الكريم قوله تعالى: «وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان» المائدة/2.
إنها دعوة مبرورة، ومبادئ مقررة تحسم الخلاف  حول الأسس التي يقوم عليها العمران البشري، ولا يقوم على غيرها، والبر أحد الأسس المكينة، قال الله تعالى عنه في موضع آخر من القرآن: «ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون» البقرة/177.
إنها وجوه الخير والعمل الصالح الذي لا يتحقق إيمان المؤمن إلا بها، وهي التطبيق الفعلي لمبادئ الإسلام المقررة التي جاء الرسول (صلى الله عليه وسلم) ليرسم لنا معالمها، ويغرس في نفوس المؤمنين بذورها الصالحة للإنبات.
والتقوى هي الغاية التي يسعى إلى بلوغها المؤمن فيما يأتيه من طاعات وما ينتهي عنه من معاصٍ، ولقد ختم الله تعالى بها الآية الجليلة من سورة البقرة، وكأن الحق سبحانه جعل الغاية من الأعمال التي ذكرتها الآية هي بلوغ درجة المتقين، وذكر القرآن الكريم مزيداً من البيان حول التقوى والسبل المؤدية إليها، فقال سبحانه: «وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين (133) الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين (134)» آل عمران.
ومن المبادئ المقررة أيضاً في القرآن فيما يتعلق بالحياة السياسية  الشورى، وهو استخلاص الرأي السديد من الخبراء وأهل الذكر في تخصص دق أم عظم، يقول تعالى: «والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم وَمِمَّا رزقناهم ينفقون» الشورى/38.
وأما ما يخص المال العام والمحافظة عليه، والتشديد على المتلاعبين والنهابين له، قال سبحانه وتعالى: «ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتَاكُم الرسول فخذوه وما نَهَاكُم عنه فَانتَهُوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب» الحشر/7.
العدل أساس الملك الصالح، وما لا أساس له لا قيام ولا بقاء له يقول سبحانه وتعالى في تقرير هذا المبدأ العظيم: «إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعاً بَصِيرا» النساء/58. واستخدام القرآن العظيم كلمة «الناس» وهي من ألفاظ العموم، يفيد أن هذا الحكم العظيم ليس مقصوراً على المسلمين فيما بينهم، بل هو يتعداهم ليصل إلى كل من يعيشون على أرض دولة الإسلام، ويستظلون بظل الشريعة الغراء العادلة.
أما الوحدة ونبذ الفرقة، فهي مبدأ ينبع من عقيدة التوحيد، يقول تعالى: «إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون» الأنبياء/92، فإذا رأيت ضعفاً وتمزقاً في الوحدة، فاعلم أن هناك خللاً في فقه الأمة للتوحيد.
هذا بإيجاز شديد بعض المبادئ المقررة في القرآن العظيم ، وأما ما قررته السنة المطهرة، فمنها ما قرره رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في حديثه الذي رواه أبو هريرة (رضي الله عنه) قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيراً أو ليصمت» متفق عليه.
ومن المبادئ المقررة في السنة الصحيحة ما رواه أبو هريرة (رضي الله عنه) أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: «الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل» رواه أبو دَاوُدَ والترمذي، وإسناده صحيح، وقال الترمذي: حديث حسن.
ومن المبادئ التي قررتها السنة المطهرة حقوق العمال، التي حض عليها الإسلام أرباب العمل، وأمرهم ألا يكلفوهم ما لا يطيقون، فقال صلى الله عليه وسلم: «لا تكلفوهم ما لا يطيقون» رواه البخاري وغيره.
 وفي هذا التزام بما سبق أن قرره القرآن من المبادئ العامة وهي قوله تعالى:« لا يكلف الله نفساً إلا وسعها» البقرة/286.
إذاً، فهذا مبدأ قرآني قبل أن يكون مبدأ في السنة المطهرة، وكما حافظ الاسلام على حقوق العمال حين قال صلى الله عليه وسلم: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه» أبو يعلى، وقوله صلى الله عليه وسلم: «ظلم الأجير أجره من الكبائر» رواه أحمد.
وفي الوقت الذي حافظ الإسلام فيه على حقوق العمال لم يغمط أرباب العمل حقوقهم، بل قام بحض العمال على بذُل جهودهم، وغاية وسعهم في إتقان ما كلفوا به من عمل حتى يستحقوا ما يتقاضونه من أجر، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه» الراوي: عائشة أم المؤمنين (رضي الله عنها)، المحدث: الألباني/ صحيح الجامع.
ومن المبادئ العملية المقررة في السنة المطهرة، قوله صلى الله عليه وسلم: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» متفق عليه. وقوله عليه الصلاة والسلام: «المؤمن من أمنه المؤمنون على أنفسهم وأموالهم» أحمد، وإسناده صحيح.
ومن المبادئ المقررة في السنة المطهرة الدعوة المبرورة إلى الإتقان في كل شأن من شؤوننا، قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه» عن أم المؤمنين عائشة (رضي الله عنها)، المحدث:الألباني في السلسلة الصحيحة.
هذا بإيجاز شديد بعض المبادئ المقررة في القرآن الكريم، والسنة الصحيحة المطهرة، أشرنا إليها مجرد إشارات، ومن أراد المزيد فعليه بتدبر آيات القرآن المجيد، وتتبع أمثالها في السنة الصحيحة، وسوف يجد الكثير، لأن هذا الكتاب المعجز يجمع بين المعجزة والمنهاج، وتأتي السنة المطهرة مفصلة لما أجمله القرآن، شارحة لبعض ما دق فهمه، وصعب استيعابه.

aalbinfalah@gmail.com






كلمات دالة

aak_news