العدد : ١٥٣٠٩ - الجمعة ٢١ فبراير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٧ جمادى الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٠٩ - الجمعة ٢١ فبراير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٧ جمادى الآخر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

من مفكرة سفير عربي في اليابان
سيكولوجية المعارضة و«الكاروشي» اليابانية

بقلم: د. خليل حسن j

السبت ٠٧ مايو ٢٠١٦ - 03:00



ليسمح لي عزيزي القارئ أن أناقش مقالين نشرا في الشهر الماضي، أحدهما في الصحافة اليابانية، والآخر في الصحافة البحرينية. فقد كتبت ستناني وايت، في صحيفة اليابان تايمز، تحليلا عن «الكاروشي» اليابانية فقالت: «تعيش اليابان تعويضات غير مسبوقة لحوادث الموت المتعلقة بالإفراط في العمل، والمسماة، بـ«الكاروشي»، والمرتبطة بالمعاناة الطويلة الأمد، من رجال رواتب الوظيفة، التي ازدادت نسبها بين الشباب والنساء. فمع ارتفاع الطلب على العمالة، بوجود 1,28 وظيفة لكل طالب للعمل، والتي هي الأعلى منذ 1991، والذي سيساعد رئيس الوزراء الياباني بالدفع لعدد أكبر من المواطنين للعمل، لمعالجة الانكماش الديموغرافي، بانخفاض عدد الشباب. وقد أدت رخاوة أنظمة العمل، بالدفع ببعض الشركات لزيادة ساعات العمل بشكل غير مسبوق، لتؤدي إلى نتائج عكسية مأساوية خطيرة. فقد سبب ذلك ضغوط خطيرة نتج منها أمراض نفسية وجسمية مزمنة، كانت في بعض الأحيان نتيجتها الانتحار، مما زاد طلبات التعويضات للكاروشي، لتصل إلى 1456 حالة عام 2015 ولتتركز الحالات في قطاع الصحة والخدمات الاجتماعية والبناء والشحن، وهي المهن التي تعاني من نقص مزمن في العمالة. ويعتقد الأمين العام لمجلس الدفاع عن ضحايا الكاروشي، بأن العدد الحقيقي هو عشرة أضعاف هذا العدد، بسبب تردد الحكومة، بضغط الشركات، القبول بهذه الإصابات. والتحدي الحقيقي هو معالجة هذه المعضلة بخفض ساعات العمل. وقد تغيرت طبيعة هذه الإصابات، حيث كانت 85% منها في ثمانينيات القرن الماضي بين القيادات والفئات المتوسطة من الرجال في العمل، بينما انتشرت اليوم أيضا بين النساء، حيث أن 20% من النساء العاملات تصاب بهذا الداء الخطير. ولا يوجد في اليابان قانون يحدد ساعات العمل، ولكن تعترف وزارة العمل اليابانية بنوعين من إصابات الكاروشي، الأول، الموت من إصابة قلبية، بسبب الإفراط في العمل، وذلك بالعمل مائة ساعة إضافية في الشهر بعد ساعات العمل الرسمية قبل الوفاة، والثاني، الموت من إصابة قلبية بسبب ثمانين ساعة إضافية بعد ساعات العمل الرسمية خلال شهرين أو أكثر قبل ستة شهور سابقة للوفاة. كما يعتبر أيضا الانتحار نوع آخر من الكاروشي، لو أنه حدث بعد 160 ساعة عمل إضافية بعد ساعات العمل الرسمية، خلال شهر واحد، أو أكثر من 100 ساعة إضافية شهريا خلال ثلاثة شهور. وقد ارتفعت نسب الانتحار المتعلقة بالعمل الإضافي 45%، خلال الأربع سنوات الماضية، في من هم أعمارهم 29 سنة أو أقل، بينما ارتفع 39% بين النساء. وقد أصبحت مؤخرا هذه المعضلة حادة، بعد أن انقسمت القوى العاملة إلى مجموعتين، العمالة المنتظمة، والعمالة المؤقتة التي انتشرت بين النساء والشباب، حيث ارتفعت نسبة العمالة المؤقتة في عام 2015 إلى 38%، بينما كانت 20% في عام 1990، كما ارتفعت بنسبة 68% بين النساء العاملات.
تصور عزيزي القارئ، يعرض المواطن الياباني حياته للموت بإخلاصه وإفراطه في العمل، بسبب حبه لوطنه، واحترامه لمؤسساته الحكومية والتشريعية والقضائية، والتزامه بدستوره ودولته وإمبراطوره، وتناغم أخلاقيات سلوكه وروحانياته مع باقي مواطني بلده. ولذلك تحولت اليابان خلال عقدين من الزمن، بعد انتهاء دمار الحرب العالمية الثانية إلى ثاني اقتصاد عالمي. وطبعا زيادة العمل هي نتيجة توفر الوظائف، حيث أن هناك 1,28 وظيفة لكل طالب عمل، وتوفر الوظائف هي نتيجة الصناعات والخدمات المتميزة والمتوافرة. كما أن توفر الصناعات والخدمات المتميزة هي نتيجة للإبداعات التجارية والثقافية والصناعية التي حققها المواطن الياباني، بسبب اهتمامه بالتعليم، وكمال الإتقان والإخلاص للعمل، وتقديسه للوقت، بالإضافة لأخلاقيات سلوك العمل اليابانية وروحانياته، والتزامه بعقائد واقعية وبرغماتية متناغمة ومنتجة، مع تجنبه العقائد النظرية المفرقة والحالمة. ولنتساءل هنا: ما الدور الذي لعبته «المعارضة الثيوقراطية البحرينية» لخفض نسب البطالة، وزيادة نسب الإبداع والإنتاجية، لخلق خدمات ومنتجات صناعية يثق بها العالم ويشتاق لشرائها؟ بل ما الدور الذي لعبته في تشجيع الشباب على العلم والمعرفة، والابتعاد عن الطائفية والخرافات المفرقة، والتوجه إلى العمل المخلص والمبدع والمنتج، مع الالتزام بالانضباط، واحترام قدسية الوقت، والإيمان بأخلاقيات سلوك عمل متميزة؟
فلنراجع معا عزيزي القارئ ما حققته هذه المعارضة، التي تحمل أجندات من خارج إطار الوطن، لتركز على أحلام غير واقعية، وأيديولوجيات مفرقة، ولتبتعد عن البرغماتية، لتحاول تعطيل تحقيق التنمية المستدامة. فالجدير بالذكر بأن عقلية المواطن الياباني السياسية تركز على البرغماتية الوطنية الواقعية، وتحقيق اقتصاديات ملموسة للمواطن، عكس ما نجده في عقليتنا السياسية، فهي عقلية حالمة، بين توحيد العرب في نظام قومي، أو توحيد المسلمين في نظام خلافة دينية، أو توحيد العالم في نظام شيوعي، وبين محاربة الغرب ومواجهة إسرائيل، مع تناسي لقمة العيش والوظيفة والأكل والسكن التي يحتاج إليها المواطن، بل لنتناسى التنمية المستدامة تماما، بل ولنتفرغ لصراعات حزبية سياسية داخلية، وحروب مدمرة خارجية. ولنلاحظ بأن جميع هذه الأطروحات أطروحات خيالية، أرهقت المنطقة، وعرضتها لخلافات وصراعات وحروب مدمرة، وبدون أية نتائج إيجابية، بينما زاد المواطن العربي جهلا وفقرا ومرضا ومعاناة، بل ليتحول أكثر من اثنى عشر مليون مواطن، إلى لاجئين مشردين هم وعوائلهم من أطفال ونساء وشيوخ. بل ولتزيد الطين بِلة «المعارضة البحرينية الثيوقراطية» بتطرف أطروحاتها، وبعنف وسائلها، وبتخلف نظرياتها، بالإضافة بأنها منشغلة بصراعاتها الداخلية النظرية والشخصية، التي سببت إفشال المحاولة البرلمانية البحرينية الأولى بعد الاستقلال، في بدايات سبعينيات القرن الماضي، ليؤدي ذلك بتجميد هذه المحاولة الفتية منذ ولادتها، مع ذلك أصرت الدولة بحزم وحكمة الاستمرار في خططها في التنمية المستدامة، وبكفاءات قيادية بحرينية متخصصة ومتميزة، لتحول البحرين من قرية تاريخية صغيرة، إلى مركز مالي عالمي، ببنية تحتية متميزة، وقوى بشرية مؤهلة، ورعاية صحية وتعليمية وإسكانية مجانية متطورة، مع تأمين للتقاعد والتعطل للجميع. ومع الأسف يتكرر تطرف وعنف هذه المعارضة مرة أخرى في عام 2001 حينما طالب جلالة الملك الشاب في بداية عهده، بتشكيل مجلس من خيرة خبرات البلاد لوضع ميثاق وطني، والذي وافق عليه أكثر من 98% من شعب البحرين، مما نتج عنه وضع دستور لمملكة دستورية بنظام ديمقراطي، يفصل السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية. وقد رفضت هذه المعارضة مرة أخرى هذه التجربة الديمقراطية الجديدة، بل وقاطعت الانتخابات التشريعية، بسبب استعجالها ومطالبها النظرية الحالمة والغير مسؤولة، بل واستمرت في تعنتها حتى مرحلة ما سمي، بطوفان الربيع العربي، الذي وصل إلى مملكة البحرين في شهر فبراير من عام 2011 ولتحاول فاشلة، وبمساعدة الثيوقراطية الإيرانية، ووكلائها في المنطقة، لقلب نظام الحكم، إلى نظام «جمهوري ثيوقراطي».
وبعد خمس سنوات من المحاولة الانقلابية الفاشلة للمعارضة الثيوقراطية البحرينية المتطرفة، ليسمح لي عزيزي القارئ أن نناقش المقال الثاني الذي يتعلق بخبر نشرته الصحافة البحرينية عن ندوة عقدتها قوى المعارضة البحرينية، التي شرح فيها قيادي «المعارضة» الأستاذ محمود القصاب الوضع السياسي البحريني فقال: «إن كل الأطراف المشتبكة في النزاعات المتفجرة في المنطقة، تجد اليوم نفسها مضطرة إلى الجلوس على طاولة المفاوضات مهما بلغت الخسائر، والشيء الوحيد الذي ينقذ الوطن ويقلل الخسائر، هو البحث عن تسوية سياسية، المهم فسح المجال للعقل والحكمة. كلما تأخرت خطوط المعالجة الصحيحة فإنّ ذلك يفتح مساحة أكبر لحالة الاستقطاب، لذلك نحن ندعو إلى تقديم التنازلات المتبادلة حتى ولو كانت مؤلمة، ونحن نرى أن أبواب الحلول لم توصد حتى الآن، فلنبادر جميعا لصعود قطار الحوار الوطني للوصول إلى محطات الديمقراطية والعدالة، فهذا هو أقصر الطرق وأقلها كلفة». بينما تحدث عن «المعارضة الثيوقراطية»، خليل المرزوق يقول: «غياب التوافق والشراكة والحلول السلمية أوصل البلدان الأخرى إلى العنف، خلاف البحرين التي حافظت على حراكها السلمي. والبحرينيون يجب أن يفتخروا بأنهم لم يلجأوا إلى الخيارات العنيفة، كما أنهم لم يرتهنوا لإرادات خارجية. وإن البحرين قطرة في محيط من الأزمات، وهناك خياران لدينا، إما أن نترك تأثير الأزمات الإقليمية أن يأتي لنا بكل الأمور السلبية، أو عزل البحرين عن الاستقطابات الإقليمية وتقليل التأثيرات السلبية لكل أزمات هذا الإقليم، وذلك يتم عبر الحوار. وهل هذا الشعب المتنور يحتاج إلى إيران أو غيرها لكي يعرف أن العهد الدولي ينص على قيم الحرية والعدالة والمساواة؟ علينا أن نعترف بأن هذه الأزمة بحرينية، ونذهب بخريطة طريق، لبناء ثقة، وعملية سياسية، وضمانات للعملية السياسية، قوامها نصوص دستورية، وقوانين تحترم حقوق الإنسان».
تلاحظ عزيزي القارئ التحدي الياباني هو الكاروشي، وهو الموت نتيجة الإفراط في العمل، بينما التحدي الشرق أوسطي إشغال المعارضة الثيوقراطية الشباب بأوهام طائفية بائدة، لا تسمن ولا تغني من جوع، بل وتحتاج زعامة هذه المعارضة الثيوقراطية المتطرفة، مرة أخرى، «بمبادرة جريئة من قبل الجانب الرسمي» ليس بمبادرة جريئة من طرفها. بل وتتحدث باسم شعب مملكة البحرين، وتطالبه «بأن يفتخر لأنه لم يلجأ، ولم يرتهن لإرادات خارجية». ويبدو بأنه تناسى أعمال العنف التي قامت بها المعارضة الثيوقراطية في البلاد، لإرهاب المواطنين، ومحاولة تدمير الاقتصاد الوطني، وإضعاف التجربة الإصلاحية المباركة، وتعطيل الرؤية الاقتصادية لعام 2030 ومحاولة إعاقة الانتخابات النيابية. بل وتساءل أيضا، وباسم الشعب البحريني بأنه «هل يحتاج إلى إيران لكي يعرف أن العهد الدولي ينص على قيم الحرية والعدالة والمساواة؟» وهنا يبدو بأن المتحدث يحاول التهرب من علاقة تنظيمه بالنظام الثيوقراطي الإيراني، ووكلائه في المنطقة. وليسمح لي طرح الأسئلة الصريحة التالية: هل فعلا جمعيته تمثل الشعب البحريني ليتحدث باسم هذا الشعب الأبي؟ ألا تمثل هذه الجمعية قلة من طائفة معينة؟ أليست هي جمعية سياسية طائفية، تؤمن بمبادئ الثيوقراطية الإيرانية؟ أليس سكان مملكة البحرين مليون وثلاثمائة ألف، ونصف هؤلاء مقيمون، والنصف الآخر مواطنون من أصول وأديان وطوائف مختلفة، من مسلمين بطوائفهم المتعددة ومسيحيين ويهود وهندوس وبوذيين وعقائد أخرى متعددة؟ فهل جمعية الوفاق تمثل جميع هذه الفئات من سكان البحرين، ليتحدث باسمهم؟ بل هل تمثل هذه الجمعية حتى 1% من طائفة معينة؟ بل ألم تتفتت هذه الجمعية بخلافاتها المتطرفة إلى جمعيات أصغر وأصغر؟ ألم تقم هذه الفئات المتحاربة باستغلال الربيع العربي للانقلاب على المملكة الدستورية؟ ألم تطالب بالإعلان عن «جمهورية طائفية ثيوقراطية» على النمط الإيراني الفاشل في مملكة البحرين الدستورية؟ ألم «يطبل ويزمر» الإعلام الثيوقراطي الإيراني لهذه الفئة الانقلابية؟ ألم تظهر هذه الفئة الانقلابية في الإعلام الثيوقراطي الإيراني لتطالب بجمهورية ثيوقراطية؟ ألم تراجع قيادات هذه الفئة على شاشات التلفزيون في شهر فبراير الماضي أخطاءها، وتعتذر عن رفضها الحوار واتجاهها نحو العنف، للانقلاب على المملكة الدستورية؟ ألم يؤكدوا في حديثهم بأنهم كانوا يعملون مع وكلاء النظام الثيوقراطي الإيراني في المنطقة؟ وهل مستعد المتحدث أن يعترف بأن هذه الأزمة بحرينية، ويرفض التدخلات الثيوقراطية الإيرانية ووكلائها في المنطقة، ويمنع عناصره من استخدام الإعلام الثيوقراطي الإيراني للإضرار باقتصاد وأمن مملكة البحرين؟ وهل مستعد للإخلاص لوطنه، ليلتحق بقطار الحزم والتنمية المستدامة لمملكة البحرين الدستورية؟ وهل ستتخلص جمعيته من أطروحاتها الطائفية، وتمنع الفكر الثيوقراطي الطائفي المدمر، وتتصدى لاستغلال المنبر الديني الروحي الأخلاقي، لمصالح انتهازية حزبية سياسية دنيوية زائلة؟ وهل ستغير هذه المعارضة بوصلتها، لتعمل مع باقي شعب مملكة البحرين وقياداته، ومن خلال النظام والدستور، لتحقيق إصلاحات التنمية المستدامة المرجوة؟ والسؤال الأخير: هل يتصور ذلك المتحدث مدى الدمار الذي سببته قيادات جمعيته بتطرفها وتعنتها وجهلها وخرافاتها وطائفيتها، بل وبتعاونها مع نظام معادٍ لمملكة البحرين الدستورية والعرب، لشابات ولشباب طائفته، نفسيا وعقليا وجسميا واقتصاديا؟ ورحم الله امرأ عرف قدر نفسه.ولنا لقاء.
j سفير مملكة البحرين في اليابان





كلمات دالة

aak_news