العدد : ١٥٥١٩ - الجمعة ١٨ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠١ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥١٩ - الجمعة ١٨ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠١ صفر ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

ضرورة إدراك ومواجهة نمط التفاوض الإيراني

بقلم: د. محمد العباسي *

الجمعة ٠٦ مايو ٢٠١٦ - 03:00



هل نتعلم الدرس ولو بعد حين؟ لقد ماطلت الجمهورية الإيرانية لسنوات عديدة, بين «كر وفر», وتأجيل وتردد, والتلميح بالتقدم خطوة للأمام والتراجع خطوتين للوراء, حتى ملت الأمم من مناوراتها بشأن برنامجها النووي «البعبع المزعوم».. وها قد نالت مرادها بعد طول صبر و«تضحيات».. ولا أظنها تنازلت عن أي شيء ذي أهمية مقابل فك الحصار عنها.. واسترجاع ملايينها المجمدة لدى البنوك منذ أوائل الثمانينيات من القرن الماضي.. ملايينها التي تضاعفت وتكدست في البنوك بفضل الأرباح البنكية طوال تلك المدة.. لتنال جائزتها الكبرى.. وترسم لنفسها وكل من يتبعها خط سير وخريطة طريق للمناوشات والمناورات التكتيكية في عمليات المفاوضات للخروج من أزماتها السياسية مع العالم!
إنها فلسفة التلاعب بالوقت.. إضاعة الوقت.. حتى تصبح كل المسائل عائمة في الوقت الضائع.. ثم إنها وقبل كل اجتماع مقبل قد تخشى إيران أن يكون العالم قد فقد صبره, يخرج علينا أحدهم ليعلن شيئًا يبدو في نبرته بعض التنازل.. فتتغير نبرات الأمم من حولها أملاً في الحل السلمي.. ثم يخرج علينا شخص آخر من النظام ليشكك في أقوال الأول.. لجس النبض العام.. وأخيرًا يأتينا من ينكر كل ما قيل, ليدخل العالم في متاهات بين كل ما قيل وتحليل الأقوال وربما حتى الدخول في تحليلات وتنبؤات هوجاء بأن النظام يعاني من أزمات داخلية وخلافات وصراعات, لذا لا بد من الصبر قليلاً حتى تتضح الأمور!!
وها هو النظام السوري يمارس ذات التكتيكات والدخول في نفس المتاهات في كل حواراتها المعنية بترسيخ السلم وحل الأزمة السورية.. يتقدم شكليًّا خطوة واحدة.. ثم تعلق تلك الخطوة بالتراجع عدة خطوات.. وفي ذات الوقت لا يلتزم بأي من الاتفاقات الموقعة بشأن الهدنات ويستمر في القصف والقتل والخطف.. ليدفع بالأطراف الأخرى نحو اليأس والانسحاب من المفاوضات.. انه نفس الأسلوب وذات الفلسفة الإيرانية, التي تمنح الجهات الدولية المعنية بعض الأمل الزائف لتأجيل قيامها بتطبيق أي عقاب للنظام تحت بنود قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن وإن كانت تحت البند السابع! وكلما وجد النظام أن هلوسته السياسية ناجحة في «لخبطة» الأوراق, يتمادى أكثر ويستمر بالقصف وإخراج كل ما بجعبته من الأسلحة المحرمة ضد شعبه.. والأمم تتفرج وتنتظر أن يعود هذا النظام عن «اللامنطق» الذي يدفعه إلى قتل شعبه من اجل عيون «رجل واحد أوحد»!!
كذلك هو الوضع مع الأزمة اليمنية مع الحوثيين الانقلابيين, وهم بالأساس من الطائفة الزيدية التى باتت تتطاول على علماء الزيدية, بدءا على يد «حسين بن بدرالدين الحوثي» بعد تتلمذه في «قم» وتحوله إلى «الاثني عشرية» الموالية للولي الفقيه في إيران.. فبرغم الحروب التي شنها ضدهم المخلوع «علي عبدالله صالح», بات اليوم من منطلق المصالح داعمًا لانقلابهم على السلطة الشرعية ويمدهم بالجنود والسلاح.. وباتت الحركة تمارس اليوم نفس سيناريو التفاوض «الإيراني» الممل والمتكرر بذات الصياغة ونفس الأسلوب المماطل.. وكل يوم يمضي يدفع ثمنه العشرات من المواطنين الأبرياء ولا من مجيب. إنها الفلسفة الفارسية الطائفية التي هي عبر التاريخ تؤدي إلى القضاء على الآمال وتنقلنا من أزمة تلو أزمة لمزيد من الدمار والخراب.. إضاعة للوقت والاستمرار في القتل والتدمير.. مع العمل على التلميح بالرضوخ للضغوط الدولية ثم الإيحاء بوجود خلافات داخلية, بينما إيران تستمر بمدهم بالسلاح عبر كل المنافذ المتوافرة.. وإن كانت عبر تنظيم القاعدة في «حضرموت»! ولا ننسى أن قادة القاعدة يعيشون في كنف وحماية إيران!!
وها هو العراق اليوم, مثال آخر للتخبط وتكرار المجازر التي ما انفكت منذ القضاء على الدولة العباسية على يد «هولاكو».. والتاريخ يشهد للدور الطائفي في إضعاف حكم آخر العباسيين (المستعصم بالله) على يد وزيره الخائن «ابن العلقمي» وتمهيده للسقوط والانقراض! عراق اليوم ضحية للتخاذل الدولي عنه بعد التدخل الأمريكي السافر عليه من دون وجه حق, وبذرائع كاذبة ومعلومات مخابراتية ملفقة.. ومن ثم تقديمه لقمة سائغة لـ «المالكي» و«الجلبي» وسواهم من المرتزقة العراقيين (الفارسيي الهوى والمذهب) ممن باعوا ضمائرهم بعد أن هيئتهم ودفعت بهم إيران لتدمير وطنهم وسرقة مدخراته والقضاء على عروبته.
منذ أيام قليلة شعرت الدولة الفارسية ببعض الاهتمام بضحايا المناطق السنية في الأنبار, فحشدت حشودها الطائفية لضرب عصفورين بحجر.. طرد الدواعش ثم إخلاء تلك المناطق من سكانها, بالترهيب والتهديد وعبر بث صور للتمثيل بجثث بعض المواطنين هناك.. ثم جاء دور «الفلوجة» وقضية حصارها الجائر بين نارين, الدواعش من ناحية والجيش العراقي من ناحية.. فلما شعرت ببعض الالتفات الدولي نحوهم أثار اتباع إيران من أتباع «المالكي» والأحزاب الأخرى أزمة سياسية وبرلمانية لتشغل العراقيين والعالم عن متابعة أخبار أهالي «الفلوجة» الجياع.. ذات السياسة والفلسفة الفارسية في إضاعة الجهود والوقت والدوران في حلقات مفرغة بينما أهل العراق يموتون جوعًا وقتلاً بين المطرقة والسندان!!
وها هم الفرس تارة أخرى, يتلاعبون بالمصير اللبناني عبر أداتهم الغليظة المتوشحة بعباءة الدين تحت اسم «حزب الله».. وهؤلاء المحسوبون علينا رجال دين متورطون في مجازر واغتيالات وعمليات خطف طائرات.. بل وعمليات غسل أموال والتجارة في المخدرات من «ليتوانيا» مرورًا بأوروبا حتى «غواتيمالا».. أما في الداخل اللبناني فذلك حديث آخر.. فموقع «نيوزماكس» الأمريكي نشر منذ فترة تصريحًا مفاده أن هنالك إثباتات على أن اغتيال الرئيس «رفيق الحريري» تم على يد القوى الإيرانية وحزب الله بقيادة «حسن نصر الله» و«عماد مغنية».. وأضاف الخبر أن المحكمة الدولية ستوجه اصبع الاتهام إلى المرشد الأعلى للثورة الإيرانية «علي خامنئي» شخصيًا على أنه يقف وراء اغتيال «رفيق الحريري» حيث إن الأوامر لتنفيذ عملية الاغتيال حولت من إيران إلى «عماد مغنية» من حزب الله الذي أعد بالتعاون مع مساعد له طاقما لتنفيذ عملية الاغتيال في قلب بيروت.. من أجل تمكين «حزب الله» من السيطرة على لبنان.
الوضع السياسي في لبنان يعيش مأساة حقيقية.. فتنة طائفية تمزق لبنان الذي يعيش منذ زمن بلا رئيس ولا ثقل ولا حكومة ذات صوت مسموع.. الكل خائف من العودة إلى مربع الحرب الأهلية بسبب مواقف «حزب الله» ضد «سوريا» من جهة, وتطاوله ضد «دول مجلس التعاون الخليجي» بالذات بعد أن «تجرأت» دول الخليج على تصنيف «حزب الله» كجماعة إرهابية.. والحكومة اللبنانية «المهزوزة» تحاول قدر الإمكان إنقاذ جبهتها الداخلية من ردود الأفعال والتطورات غير المحسوبة من قبل «حزب الله» وفريقه.. في حين يدرك الجميع أن الحزب يستخدم الحوار ومشاركته في الحكومة الهشة كغطاء لكل ما يقوم به من جرائم وإرهاب!
يبدو جليا لكل عاقل أن لإيران أنيابا في لبنان تعمل على خلع عروبة لبنان والزج به تحت العباءة الفارسية رغمًا عنه.. عملية فصل للبنان عن واقعه العربي للربط بين طرفي الهلال «الشيعي» الموالي لولاية الفقيه, الممتد على امتداد شمال شبه الجزيرة العربية, من مدينة «قم» مرورا بالأهواز العربية وبغداد ودمشق حتى بيروت.. والعرب لا يزالون يتكلمون بلغة السياسة الناعمة والأمل أن تعود إيران إلى رشدها والكف عن خططها.. وكيف لدولة تتبع في سياساتها لغة الدين وضرورة اتباع الأوامر «الإلهية» التي تنزل على الولي الفقيه الذي لا تجوز مخالفته ولا الشك في أقواله المعصومة, كيف لمثل هذه الدولة أن تتبع أي منطق غير منطق ولائها التام لولاتها؟ إن أكثر ساستها علمًا وعقلاً ومنطقًا لن يجرؤ للحظة على مخالفة أمر واحد من أقوال سادته المعممين الذين أضفوا على أنفسهم صفات الألوهية والنبوة والعصمة من الأخطاء!
ألا ترى إيران أن كسب ود جيرانها العرب سيأتي عليها بخير أضعاف ما قد تعتقد عبر محاولاتها الإرهابية تجاههم؟ ألم تتعلم إيران من كل تاريخها أن للسلام مكاسب أعظم من كل الخلافات والحروب؟ ألم يعد للمنطق السليم موقع في قاموس الفرس تجاه سياساتها «المغرورة» في حين أن أغلب الشعب الإيراني يعيش دون أدنى الحقوق المدنية؟ ربما قالها السياسي النيابي اللبناني «أحمد فتفت» في سطر ما يمكن وصف «حزب الله» ومن خلفه الحكومة الفارسية وكل من يتبع خطاهما الغوغائية: «إن من يمارس إرهابًا سيصنف إرهابيًا».

* أكاديمي بحريني متقاعد
mazeej@gmail.com






كلمات دالة

aak_news