العدد : ١٥٣١٠ - السبت ٢٢ فبراير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٨ جمادى الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣١٠ - السبت ٢٢ فبراير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٨ جمادى الآخر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

مــــن الــقــاهـــرة إلــى جــولـدبــرج

بقلم: د. جيمس زغبي *

الأحد ٠٣ أبريل ٢٠١٦ - 03:00



في بداية شهر أبريل 2016 نشرت مجلة ذا آتلانتك مقالا مطولا بقلم جيفري جولدبرج على صفحتها الأولى واختارت له عنوان «عقيدة أوباما». استمد الكاتب مقاله من الساعات الطويلة التي أمضاها في حواراته مع الرئيس الأمريكي باراك أوباما. يعتبر المقال المذكور محاولة لرسم إطار متكامل يمكن من خلاله فهم طبيعة السياسة الخارجية التي ينتهجها الرئيس أوباما. لقد كان المقال مخيبا وضارا بكل المقاييس.
لقد كان ذلك المقال مخيبا لأنه رسم صورة بدا فيها الرئيس أوباما أنه تخلى عن تحقيق ما تعهد في الخطاب الذي ألقاه سنة 2009 من على منبر جامعة القاهرة وسلم بأن الشرق الأوسط «منطقة لا يمكن إصلاحها» ليحمل العرب المسؤولية عن فشله.
لقد ألحق المقال ايضا الضرر بالرئيس أوباما حيث إنه نقل عنه التفوه بأشياء مسيئة للعرب، الأمر الذي سيترك أثرا دائما. لقد ظهر باراك أوباما في ذلك المقال في صورة الرئيس المستسلم والناكث لوعوده وتعهداته.
أنا أدرك أن المقال احتوى على الكثير من الأفكار والآراء التي تمتُّ إلى جيفري جولدبرج أكثر مما تمتُّ إلى الرئيس أوباما نفسه. رغم ذلك احتوى ذلك المقال أيضا على كلام لم ينفه الرئيس أوباما، وهو أمر يثير الاستياء.
لقد لفت انتباهي تصريح ينم عن موقف مناهض للعرب حيث إنه قال: «لنقارن منطقة الشرق الأوسط بمنطقة جنوب شرق آسيا. صحيح أن منطقة جنوب شرق آسيا تواجه بدورها الكثير من المشاكل غير أن شعوبها مفعمة بالحيوية والنشاط والطموح والطاقة. إن الفرق بين المنطقتين صارخ. إنهم لا يفكرون في قتل الأمريكيين بل يفكرون في كيفية الحصول على أفضل تعليم وابتكار شيء ذي قيمة حقيقية».
إن هذا الكلام يتجاهل التاريخ الدموي والقمع الجائر الذي مارسته عديد من الدول في منطقة جنوب شرق آسيا كما أنه لا يعير اهتماما لروح المبادرة التي باتت تقود النمو الاقتصادي والتغيير الاجتماعي عبر العالم العربي، وخاصة في دول مجلس التعاون الخليجي. لقد بدا وكأن دونالد ترامب هو الذي تفوه بذلك الكلام الجارح.. وليس باراك أوباما.
لا شك أن الرئيس باراك أوباما قد وجد نفسه في بداية عهدته الأولى يواجه جملة من التحديات أكثر من تلك التي وجدها أسلافه لدى دخولهم إلى البيت الأبيض. فقد كانت الولايات المتحدة الأمريكية تواجه أكبر أزمة اقتصادية منذ الأزمة المالية الكبرى التي عصفت ببلاد العم سام سنة 1929.
لم يقتصر الأمر على تلك الأزمة المالية والاقتصادية بل إن الشعب الأمريكي بكامله كان يواجه أزمة ثقة كبيرة بعد حربين فاشلتين في كل من العراق وأفغانستان والطريقة الكارثية التي أدارت بها إدارة جورج بوش كارثة إعصار كاترينا. انحدرت شعبية الولايات المتحدة الأمريكية إلى مستوى غير مسبوق، وخاصة في منطقة بالغة الحساسية مثل الشرق الأوسط.
ومما زاد الأمر سوءا أن الساحة السياسية داخل الولايات المتحدة الأمريكية أصبحت لا تحتمل. فقد أبدى الجمهوريون إصرارا كبيرا على إلحاق الهزيمة بالرئيس باراك أوباما وإجهاض أي جهود يبذلها من أجل انتشال البلاد من أزمتها الاقتصادية ومعالجة القضايا السياسية الخارجية المطروحة.
لقد سعى الرئيس أوباما في مواجهته لكل هذه التحديات والمشاكل والأزمات إلى بث روح الأمل والتفاؤل. فقد عمل مع القيادة الديمقراطية في الكونجرس من أجل جملة من الإجراءات الرامية إلى إنقاذ الصناعات الحساسة والحفاظ على استقرار المؤسسات المالية، إضافة إلى تحفيز الاقتصاد وتوسيع نطاق الرعاية الصحية وخلق فرص العمل الجديدة.
سعيا منه لمعالجة التحديات الكبيرة التي تواجه الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط اتخذ الرئيس أوباما سلسلة من الخطوات البناءة قبل أن يسافر إلى القاهرة حيث ألقى خطابه التاريخي الذي وعد فيه بما أسماه «بداية جديدة» على صعيد العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية والعالم العربي.
لقد كان خطابا تاريخيا رائعا اعترف فيه بالمسؤولية المشتركة ودعا إلى تعزيز التفاهم المشترك وطرح أجندة عمل بناءة للتغيير. اعترف الرئيس أوباما في نهاية ذلك الخطاب. بصعوبة المهمة وقال إن «خطابا لا يمكن أن ينهي أعواما من انعدام الثقة بين الطرفين» وهو ما يحتم اتخاذ جملة من الإجراءات الجريئة بسرعة من أجل تسوية المشاكل التي تسبب المتاعب بين الولايات المتحدة الأمريكية والعالم العربي.
تجاوب العالم العربي بشكل إيجابي على أمل أن يفي الرئيس الجديد بوعوده التي قطعها على نفسه. أما خصومه فقد راحوا يشنون ضده حملة شعواء بمجرد إلقاء ذلك الخطاب سعيا منهم لتقويض وإفشال جهوده الرامية إلى تعديل مسار الأمور في العراق وإغلاق سجن غوانتنامو وتسوية الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين وتحسين العلاقات مع الدول الإسلامية.
بعد مرور سبع سنوات، لا تزال تلك الوعود التي وردت في خطاب القاهرة حبرا على ورق كما تبددت الآمال والتوقعات. أما أسباب الفشل فهي كثيرة ومتعددة، وهي تعود في جزء منها إلى حالة الضعف التي يعاني منها العالم العربي.
كانت هناك ايضا أسباب أخرى. فالتشدد الإسرائيلي أجهض كل جهد عقلاني ورصين للتقدم باتجاه تحقيق السلام. أما القيادة الفلسطينية فهي تعاني من الضعف والمشاكل الداخلية كما أنها تضررت بسبب الولايات المتحدة الأمريكية التي أساءت إدارة ما يسمى «مسار السلام» وأصبحت بالتالي عاجزة عن الاضطلاع بالدور الموكول إليها.
تسبب «الربيع العربي» في إحداث حالة من الغموض وانعدام الاستقرار في المنطقة. أما الجيش الأمريكي فقد خرج من حربين فاشلتين وكارثتين في العراق وأفغانستان، الأمر الذي أثر في معنوياته، من دون أن ننسى طبعا الساحة السياسية المحتقنة في داخل الولايات المتحدة الأمريكية نفسها. تضافرت كل هذه العوامل والأسباب وغيرها لتجعل من الصعب على الرئيس أوباما الحصول على التأييد اللازم الذي يمكنه من تحقيق التغيير الموعود.
لم يتطرق جيفري جولدبرج إلى سرد هذه الأسباب والعوامل عندما كتب مقاله «عقيدة أوباما» فقد سعى إلى كتابة التاريخ واعتبر أن خطاب القاهرة كان لإقناع المسلمين بضرورة التركيز على «جذور بؤسهم».
كانت تلك كلمات جيفري جولدبرج، أما الرئيس أوباما فقد قال: «لقد كانت مقاربتي في القاهرة كالتالي: لنكف عن القول إن إسرائيل هي سبب المشاكل التي تعاني منها منطقة الشرق الأوسط».
هذا صحيح إلى حد ما لكن بما أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تتحمل مسؤوليتها في تكريس هذه «البداية الجديدة في الشرق الأوسط» فإن من غير اللائق إلقاء اللوم على العرب دون سواهم.
لا يزال أمام الرئيس أوباما تسعة أشهر كي يتحرك ويحاول الإيفاء ببعض التعهدات والتوقعات. يمكنه أن يطرح مبادرات جديدة وجريئة مثل الدعوة إلى إقامة منطقة خالية من السلاح النووي في الشرق الأوسط والاعتراف بالدولة والسيادة الفلسطينية وكبح جماح إيران وخلق إطار للأمن الإقليمي الذي يشمل الجميع.
آمل أن يتخذ الرئيس أوباما مثل هذه الخطوات لأنه سيكون من المحزن لو أنه أنهى عهده في البيت الأبيض من دون أن يحقق أي شيء يذكر على صعيد السياسة الخارجية في الشرق الأوسط. آمل ألا ينهي الرئيس أوباما عهدته تحت شعار «من القاهرة إلى جولدبرج».
* رئيس المعهد العربي الأمريكي





كلمات دالة

aak_news