العدد : ١٥٤٤٣ - السبت ٠٤ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٣ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٤٣ - السبت ٠٤ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٣ ذو القعدة ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

ماذا بعد القمة الخليجية - الأمريكية؟

بقلم: د. جاسم بونوفل

الأحد ٠٣ أبريل ٢٠١٦ - 03:00



تناول عدد ليس قليلا من الكتّاب والمحللين السياسيين نتائج الزيارة التي قام بها الرئيس الأمريكي براك أوباما للرياض، واجتمع خلالها بخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان ومن ثم مع قادة دول مجلس التعاون في القمة الخليجية - الأمريكية.
إن المتأمل في تلك الكتابات سيصل إلى نتيجة مفادها أن معظمها -إن لم تكن كلها- اتفقت فيما بينها على نقطة واحدة هي أن هذا اللقاء لم يسفر عن نتائج ملموسة على الأرض يمكن أن تفضي إلى إعادة الثقة في العلاقة الخليجية -الأمريكية التي أصابها الفتور منذ وصول الرئيس أوباما إلى البيت الأبيض وذلك للأسباب التالية:
أولا: توقيت الزيارة، حيث إنها جاءت في وقت لم يتبق على مغادرة أوباما للبيت الأبيض سوى بضعة أشهر (يناير 2017) وهو الأمر الذي لن يسعفه لو أراد – وهو في الحقيقة لا يريد - اتخاذ خطوات تصب في اتجاه تغيير استراتيجيته التي اعتمدها نحو دول الخليج العربية، تلك الاستراتيجية التي سماها الكاتب الأمريكي جيفري جولدبرج «عقيدة أوباما» وهي عقيدة فاسدة بحسب تعبير الكاتب والأكاديمي السعودي عبدالعزيز التويجري في مقال له حول التغير في السياسة الخارجية الأمريكية في عهد أوباما، وتتلخص في أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تعد تنظر إلى السعودية وبقية دول مجلس التعاون كحلفاء وعلى السعودية أن تتقاسم النفوذ مع إيران.
ثانيًا: أنها جاءت بعد قمة كامب ديفيد السابقة التي جمعت أوباما بالقادة الخليجيين بعد توقيع الدول الكبرى (5+1) على الاتفاق النووي مع إيران حيث حاول أوباما من خلال تلك القمة تبديد مخاوف الخليجيين وقلقهم من تبعات ذلك الاتفاق عليهم، إلا أنه لم يفلح في ذلك حيث ظل القلق مسيطرًا على القادة الخليجيين نتيجة مواقف أوباما التي لم تتغير باتجاه موقف ايجابي.
ثالثًا: جاءت قمة الرياض بناء على طلب أوباما وبإيعاز من بعض الدوائر الأمريكية التي حاولت دفع أوباما إلى عقد هذا اللقاء لتجنب الأضرار التي قد تلحق بالمصالح الأمريكية نتيجة لمواقفه وتصريحاته إزاء دول الخليج العربية وعلى رأسها السعودية قبل أن يغادر البيت الأبيض، وكان الأمل يراود القادة الخليجيين في أن تكون هذه القمة بداية انقشاع الغيمة السوداء، وتبث جوًّا تفاؤليا يفضي إلى إعادة دفء العلاقات بين دول الخليج وأمريكا إلى سابق عهدها، إلا أن ذلك لم يحدث؛ لأن أوباما لا يزال عند مواقفه وتصريحاته التي أدلى بها إلى مجلة «ذي أتلانتيك» ولم يأت بجديد بالرغم من احتواء البيان الختامي الذي صدر عن القمة على عبارات تؤكد على علاقات التحالف بين أمريكا والدول الخليجية والتزام الإدارة الأمريكية بالدفاع عن أمن واستقرار دول مجلس التعاون.
رابعًا: أن أوباما ينظر إلى هذا الاتفاق على أنه أحد إنجازاته الكبيرة التي حققها خلال رئاسته في ولايته الثانية وبحسب مقاربته لهذا الاتفاق فإنه لا يمكن بأي حال من الأحوال التفريط فيه أو التراجع عنه أو التضحية به حتى وإن كان ذلك على حساب أصدقاء الولايات المتحدة التقليديين (دول مجلس التعاون) فهذه المسألة بالنسبة إليه تعد إنجازا كبيرًا سيسجله التاريخ له.
خامسًا: ان الرسالتين السريتين اللتين بعثهما أوباما إلى خامنئي وروحاني -بحسب ما تناقلته بعض المصادر الأمريكية والإيرانية- فيهما الدليل الشافي الذي يؤكد ما نذهب إليه من أن أوباما في الوقت الذي يستعد فيه للذهاب إلى الرياض بحسب ترتيب سابق لهذه الزيارة بعث بهاتين الرسالتين إلى المرشد الإيراني خامنئي والرئيس روحاني يطلب لقاء الأخير لمناقشة قضايا المنطقة وهذا يعني أن أوباما أراد أن يطمئن حليفه الجديد في المنطقة (إيران) بأن الاجتماع مع قادة التعاون الخليجي لن يؤثر في تغيير سياسته نحو إيران، وأنه باق على تعهداته معها، بل إنه أراد أن يعبر لهما عن استعداده التام عن رغبته في الاجتماع بهما متى ما وافقوا على هذا المقترح لمناقشة ملفات المنطقة (سوريا، العراق، اليمن) وبناء على ذلك، فإنّ لسان حاله يقول: على القادة الإيرانيين ألا ينزعجوا أو يغضبوا من هذه القمة لأنها مجرد دردشة كلام لا تقدم ولا تؤخر وليس لها أي قيمة على أرض الواقع وهي بمثابة الجلسة الوداعية الأخيرة التي تجمعه بالقادة الخليجيين لتهدئة نفوسهم ولا شيء سوى ذلك. فالمحصلة النهائية لهذه القمة هي أن النتيجة = صفر لأنها لن تغير من الواقع شيئا.
خلاصة القول، هي أن الرئيس أوباما قطع هذا الطريق الطويل من واشنطن إلى الرياض من دون أن يحمل في جعبته أي مقاربة لوضع حد لتدخلات إيران في المنطقة ووضعها موضع التنفيذ، وفي اعتقادي أن هذه المسألة هي نقطة الخلاف الجوهرية بين الدول الخليجية والإدارة الأمريكية.
ومادامت واشنطن لا تزال عند قناعاتها التي تتلخص في أن إيران يمكن أن تلعب دورًا مهمًّا في حل مشكلات المنطقة العربية فإن ذلك تقابلها وجهة نظر مضادة ومعاكسة تمامًا تتبناها دول مجلس التعاون هي أن إيران جزء من المشكلة وليس من الحل كما يعتقد أوباما واتضح ذلك في محتوى رسالتيه السريتين لخامنئي وروحاني. الشاهد هو أن تدخل إيران في شؤون الدول العربية هو الذي أشعل حرائق المنطقة بتخطيط وتدبير منها، وعليه ليس من المعقول أن يطلب من إيران أن تساهم في إطفاء لهيب تلك الحرائق ومن دون إشارة أو اعتراف بالدور السلبي الذي تلعبه إيران في زعزعة أمن واستقرار دول الخليج والمنطقة العربية بأسرها. ولذلك فإن ألسنة اللهب ستظل مشتعلة في المنطقة برمتها ولن تنطفئ هذه النيران إلا بتغيير الاستراتيجية التي تتبعها الإدارة الأمريكية الحالية مع النظام الحاكم في طهران لأنها الجهة القادرة على ممارسة الضغوط على إيران لكي تقلع عن ممارستها الاستفزازية– وإن كنت استبعدها- حيث إن كل المؤشرات الحالية تدل على أن أوباما ماض في هذا الطريق حتى نهاية ولايته الثانية- وبدون ذلك لا يمكن توقع ترطيب الأجواء الخليجية وإعادة الدفء إلى العلاقات الخليجية –الأمريكية.
بقي أن نقول إن صناع القرار في الدوائر الأمريكية والفاعلين في رسم السياسة الأمريكية الخارجية لم يعودوا عند قناعاتهم السابقة حول أهمية دول مجلس التعاون كحلفاء للولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة ولذلك فإن استراتيجية الولايات المتحدة إزاء هذه الدول قد تبدلت وهذا الكلام كررناه أكثر من مرة ونعيده الآن للتذكير لعل الذكرى تنفع المؤمنين. المطلوب من الدول الخليجية من الآن فصاعدًا أن تبني سياستها الخارجية على هذا الأساس من خلال الاعتماد على الذات والعمق العربي والإسلامي والتأكيد على مقولة إن أمن الخليج من مسؤولية دوله.





كلمات دالة

aak_news