العدد : ١٥٣١٣ - الثلاثاء ٢٥ فبراير ٢٠٢٠ م، الموافق ٠١ رجب ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣١٣ - الثلاثاء ٢٥ فبراير ٢٠٢٠ م، الموافق ٠١ رجب ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

لئلا تنكشف السوءات!

بقلم:عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ٠١ مايو ٢٠١٦ - 03:00



الأمة الإسلامية أكثر الأمم تعرضًا للابتلاءات، ولو ألقينا نظرة على خريطة العالم لرأينا أن اللون الأحمر، لون الدم يغطي معظم دول العالم الإسلامي، ولو تتبعنا نيران الحروب سوف نجدها مجتمعة في العالم الإسلامي، ذلك لأنّ دول العالم الإسلامي بما حباها الله تعالى من نعم وخيرات هي هدف للأمم الأخرى التي تسعى إلى امتلاك هذه الثروات أو على الأقل ضمان استمرار تدفقها إليها، وأهم ثروة هي النفط الذي يشكل عَصّب الحضارة المعاصرة، وخاصة أن العالم رغم تقدمه الهائل في كل مجال من مجالات الحياة لم يوفق حتى هذه اللحظة إلى اكتشاف طاقة بديلة تماثل أو تشبه طاقة النفط في رخص أسعارها، وتعدد استعمالاتها.
وبسبب فشل المسلمين في استغلال هذه الثروة الاستغلال الأمثل انقلبت عليهم وبالا، حيث كانت السبب في تداعي الأمم عليهم، وخلق الأزمات في بلادهم، فتوجه معظم عائدات هذه الثروة لحل تلك الأزمات، والقليل جدًا منها يوجه إلى التنمية.
وكثير من المسلمين يتعجبون: لماذا هم بالذات يتعرضون إلى مثل هذه الحروب، وهم ليسوا السبب فيها، والتي لا تهدأ في مكان حتى تشتعل في مكان آخر، رغم أن المسلمين موحدون، ويؤدون ما يأمرهم دينهم من طاعة لله تعالى ولرسوله (صلى الله عليه وسلم)!.
ويتساءلون أيضًا: لماذا لا يستجاب لدعائهم، وهم يرفعون أكف الضراعة والتوسل إلى الله تعالى أن يكشف عنهم الغمة، ويرد كيد أعدائهم عنهم!. 
ولو ذهبنا نحلل ما يظن المسلمون أنهم يؤدونه إلى الله تعالى من واجب الطاعة لوجدنا أن هذه دعوة تحتاج إلى دليل من واقع المسلمين.
فالذين يزعمون أن توحيدهم خالص لله تعالى، سوف يجدون أن هذا التوحيد ليس خالصًا لله تعالى كما يدعون، بل يشوبه شيء من شرك خفي أو ظاهر، فطاعتهم لله تعالى ليست خالصة، فإذا تعارضت هذه الطاعة لله تعالى مع شهوات النفس وسلطان الهوى، فقد يغلب المسلم هواه على ما يريده الله تعالى منه، والأمثلة على ذلك كثيرة، فها هم الحكام أو بعضهم يقدم ما تأمره به هذه الدولة القادرة على ما يأمره الله تعالى به، وإليكم المثل الصارخ في ما يجري في سوريا، فحاكمها الطاغية المتسلط ينزل بشعبه أشد ألوان العذاب، وأعظم أشكال التنكيل وكأن الآخرة ليست في باله، وكأنه يقول بلسان حاله ومقاله: أنا ربكم الأعلى!!، وما علمت لكم من إله غيري!!
وحتى نكون أهلاً لنصر الله تعالى، وأن نكون مستجابي الدعاء لا بد أن يكون توحيدنا خالصًا لا تشوبه شائبة، وأن يكون عملنا صوابًا أي على منهاج النبوة، تحقيقًا لقوله صلى الله عليه وسلم: صلوا كما رأيتموني أصلي، وخذوا عني مناسككم، وقول الله تعالى:«..وما آتَاكُم الرسول فَخُذُوه وما نَهَاكُم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب» الحشر/7، وقوله تعالى:« قل إن كُنتُم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم» آل عمران/31.
فهل المسلمون كذلك أم أنهم في أحايين كثيرة يقدمون ما يقوله الزعماء والحكام على ما يقوله الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وسلم)، ويفهمون الآية الجليلة من سورة النساء على غير الوجه التي هي عليه، يقول تعالى: «يا أيها الذين آمنوا أَطِيعُوا الله وأَطِيعُوا الرسول وأولي الأمر منكم فإنّ تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كُنتُم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا» الآية 59.
وكأن الله تعالى في ختام الآية أشار إلى تعدد التأويلات والأفهام التي سوف يقع فيها المسلمون لهذه الآية، فبين أن تأويل الله تعالى وتأويل رسوله صلى الله عليه وسلم هو أحسن تأويل، وقد حدث أن بعض المسلمين فهموا الآية على غير معناها، وظنوا أن لأولي الأمر طاعة منفصلة وهذا غير صحيح ولنستمع إلى الخليفة الراشد الأول أبي بكر الصـدِّيق
(رضي الله عنه) في خطبته حين توليه الخلافة قال: «أيها الناس أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإنّ عصيته فلا طاعة لي عليكم» (وجاء أبوبكر/خالد محمد خالد). 
إذن، فهل يكفي أن نؤمن بالله تعالى إيمانًا فيه دخن، وفيه شرك أكبر أو حتى أصغر وأننا قد أدينا ما طلب منا، وأن اتباعنا بعض ما يأمرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك كثير منه أننا بهذا قد وفينا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما أُمرنا به، أم أنه مطلوب منا أن نخلص في الاتباع كما نخلص في التوحيد.
ولقد استيأس كثير من المسلمين من نصر الله تعالى لهم في مواقع كثيرة، ونقول لهم لقد استيأس الرسل من النصر كما تستيئسون، ولكن جاءهم نصر الله تعالى وأعاد إليهم توازنهم النفسي واطمئنانهم الروحي، وعلموا أن تأخير النصر كان لحكمة يعلمها الله تعالى وقد تغيب عنا.
وقد يكون من الحكمة أن يؤخر الله تعالى النصر حتى لا تنكشف السوءات التي في بعض الأحيان تصاحب النصر حين يظن المسلمون أنهم انتصروا بعددهم وعدتهم، وهذا من الشرك الذي نهاهم الله تعالى عنه كما حصل للمسلمين في غزوة حنين حين قارن المسلمون أعدادهم وعدتهم بما كانوا عليه في غزوة بدر، فقالوا: «لن نهزم اليوم من قلة»، ولو تركهم الله تعالى على هذا الظن، ثم نصرهم، فإنهم سوف يشوب إيمانهم بأن النصر هو من عند الله تعالى شيء من الشرك والله تعالى يريد أن يطهر قلوب المؤمنين منه، فهزمهم في بداية المعركة ليعيد إليهم توازنهم الإيماني، ويصحح عقيدتهم في النصر والهزيمة.
ومن التجارب التي مرّ بها المسلمون، وتحقق فيها ما كنّا نخشاه، هل تذكرون الحرب الأفغانية العظيمة ضد المستعمر الشيوعي الروسي، وكيف تداعى المسلمون من أصقاع الدنيا ليشاركوا إخوانهم في العقيدة هذه الملحمة العظيمة، وشكل المجاهدون المسلمون وحدة قتالية جرعت العدو الشيوعي مرّ الهزيمة، ولقد توحدت الفصائل الأفغانية مع إخوانهم العرب والمسلمين القادمين من كل دول العالم الإسلامي في جيش واحد وقف في مواجهة الجيش الروسي العرمرم، وانتصر المجاهدون الأفغان، وحققوا انتصارات لا يزال العالم يذكرها ويعجب بها لأنّ الجبهتين غير متكافئتين، دولة متقدمة ودولة متخلفة بالمقاييس المادية البشرية، ولكنهم أغفلوا ميزة امتاز بها الشعب الأفغاني عن عدوه، وهذه الميزة هي الإيمان بالله تعالى، والجهاد في سبيله سبحانه، فلما انتهت المعركة، والتي حسمت لصالح الشعب الأفغاني المجاهد انكشفت السوءات التي كان يسترها وحدة الهدف، فحل الصراع والقتال بين إخوة الجهاد بالأمس القريب، واشتد الصراع على السلطة وكان أعنف مما كان عليه عندما كان العدو الشيوعي الذي وحَّد الفصائل ونصرها على عدوها، بل كان هذا النصر المبارك السبب في تفتت الاتحاد السوفييتي، واستعادة كل دولة من دوله حريتها وكرامتها. 
وما يحدث اليوم في سوريا المكلومة هو شبيه بما حدث في أفغانستان إلا أن هناك فارقًا واضحًا، وهو أن تفتت المعارضة في سوريا سبق النصر على الحاكم الطاغية ولا أدري على ماذا يتصارعون هل هو على نصر لم يتحقق، أم على أرض لم تتحرر؟!!، أما التفتت في أفغانستان فحصل بعد النصر، المهم سواء حدث التفتت والتشرذم قبل النصر أم بعده، فالنتيجة واحدة، وهي الفشل وذهاب الريح، قال سبحانه وتعالى: «وأَطِيعُوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين» الأنفال/46.
ولهذا على المسلمين ألا يستعجلوا النصر وهم على ما هم عليه من تمزق وصراع على وهم لم يتحقق بعد، ويتدبروا قوله تعالى: «.. لا تحسبوه شرًا لكم بل هو خير لكم» النور/11.
لقد استعجلت المعارضة السورية، وانقسمت فصائل قبل أن يتحقق النصر لها على طاغية الشام، وكأن الله تعالى قد أراد الكشف عن نياتهم، وبذلك أضعف موقفهم، وتشكك كثيرون ممن يناصرونهم ويقفون معهم من الشعوب المسلمة، وتساءل المسلمون المخلصون الذين يريدون الخير للشعب السوري: مَنْ مِنْ هذه الفصائل على حق، ومَنْ مِنْهُم على باطل، ومستحيل أن يكونوا جميعهم على حق لأنّ الحق لا يتعدد، بل هو واحد.
والسؤال الذي يأتي في أعقاب ذلك السؤال هو: ما أسباب هذه الفرقة والتمزق في صفوف المعارضة هل هو بسبب اختلاف الهدف أم بسبب تعدد الوسائل؟
لو كان الجميع يسعى فقط وراء هدف واحد وهو إسقاط النظام واستبداله بنظام خير منه ما كان ذلك التفرق والتمزق، ولكن يبدو والله أعلم أن الغايات مختلفة، وهذه الغايات هي من يتولى السلطة من هذه الفصائل، ومن هو الأولى بحكم سوريا؟ 
ويواصل المسلمون المؤيدون لتغيير النظام تساؤلاتهم قائلين: إذا كانت المعارضة انقسمت إلى فصائل متناحرة قبل أن يتحقق النصر ويسقط النظام، فماذا ستفعل عند سقوط النظام وتسلم المعارضة بأطيافها المختلفة السلطة.
هل نحن موعودون بتكرار المثال الأفغاني في سوريا أم.. ماذا؟!
إذن، تأخر النصر في كثير من الأحيان خيرٌ لئلا تنكشف السوءات، ويظهر ما كان خافيًا من النيات.
لقد انهزم المسلمون في غزوة حنين مع كثرة عددهم وعدتهم، وانتصروا قبل ذلك في بدر وهم قليلون في العدد والعُدَّة ولا وجه للمقارنة بين الغزوتين، لقد كشف الله تعالى بالهزيمة سوأة المسلمين الذين ظنوا أن النصر بكثرة العدد والعُدَّة، وفاتهم أو غفلوا عن قوله تعالى:«وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم» آل عمران/126.
وصدق الله العظيم: «كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون» البقرة/216.
aalbinfalah@gmail.com





كلمات دالة

aak_news