العدد : ١٥٥٢٠ - السبت ١٩ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٢ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢٠ - السبت ١٩ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٢ صفر ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

كل شيء تمام.. طال عمرك

بقلم: د. زكريا خنجي

الأحد ٠١ مايو ٢٠١٦ - 03:00



لا أعرف بالضبط كم من السنوات مرت ما بين قراءتي مسرحية «المتفائل» للكاتب علي سالم وبين أن أرى أن روح هذه المسرحية يتم تطبيقها بطريقة أو بأخرى في واقعنا الحياتي.
المسرحية تتحدث باختصار عن شاب يبدو أنه يذهب بصفة يومية أو شبه يومية إلى واحدة من تلك المؤسسات لينجز عمله له، ولكن دائما وبصفة يومية يقال له إن المسؤول مشغول ولديه اجتماع وما إلى ذلك، فيعود من حيث أتى ويكرر ذلك في اليوم الثاني والثالث ولا يذكر لنا المؤلف كم من المرات كان هذا الشاب يراود هذا المكتب حتى ينجز عمله ولكنه لا ينجز. وفي النهاية فما يكون من هذا الشاب المتفائل جدًا إلا أن يقرر أن يجلس في المكتب عند السكرتيرة حتى يخرج المسؤول من مكتبه ليقابله ويروي له حكايته حتى يتم إنجاز معاملته، وحتى يصمد هذا المتفائل في مكتب السكرتيرة طوال تلك الفترة يجلب معه إفطاره والشاي والقهوة وربما غداءه وكل مستلزمات الحياة للصمود أطول فترة ممكنة.
وتدور أحداث هذه المسرحية في مكتب السكرتيرة فقط، والمسرحية كما هي طبيعة كل مسرحيات علي سالم كوميدية ساخرة من تلك النوعية التي على قدر ما تُضحك فإنها تؤلم من واقع معين يريد المؤلف أن يسلط الأضواء عليها.
وبعد حوارات طويلة من جانب واحد –وهو جانب الشاب المتفائل– مع السكرتيرة التي لا تتحدث كثيرًا خلال المسرحية إلى أن تقول إن المدير مشغول وأنه غير فاضي، ومعاناة يخوضها هذا الشاب المتفائل جدًا مع نفسه والسكرتيرة والأعراف الإدارية، وبعدما يصل إلى مرحلة اليأس جدًا، يقوم وفي حركة مفاجئة باقتحام غرف المدير ويفتح الباب ليكتشف المفاجأة، والتي هي عبارة عن أنه لا يوجد مدير، وأن السكرتيرة هي من يقوم بالأعمال كلها، فهي كل شيء، وأنها تقوم بصنع وهم وهو أن المدير موجود إلا أنه مشغول إلى درجة أنه لا يستطيع أن يقابل أحدا.
تذكرت بطريقة أو بأخرى هذه المسرحية وأنا واقف أسمع وأشاهد بعض الموظفين في إحدى المؤسسات يتحدثون إلى مدير مكتب أحد المسؤولين ويعرضون شكواهم عليه على أمل أن يحن عليهم ويخصص لهم وقتًا ليقابلوا المسؤول الأول ليعرضوا عليه شكواهم، وهذا المدير يقول بملء فمه «لا تصدعوا رأس المسؤول بمثل هذه الأحاديث فهو غير فاضي ولا يحب أن يسمع مثل هذه الموضوعات».
استغربت كثيرًا وتألمت كثيرًا وتساءلت بيني وبين نفسي، هل ما سمعته حقيقة أم أنها مسرحية أم أنهم يقومون بتمثيل مشهد درامي لمسلسل يمكن أن يعرض في التلفزيون؟
غادر مدير المكتب، فذهبت إلى أحد الذين كانوا يتحدثون مع مدير المكتب وجلست معه بانتظار الانتهاء من معاملتي، وبطريقة أو بأخرى وجدتني أتحدث معه عن الحديث الذي دار بينهم وبين مدير المكتب فقلت له: «لعل المسؤول فعلاً مشغول اليوم، يمكن أن تصبروا عدة أيام فمن المؤكد أنه سوف يقابلكم».
فقال: «أنت مسكين ولا تعرف عما تتحدث وتقول إن هي إلا أيام، وأنا أقول مرت ثلاث سنوات ونحن نطلب لقاءه، وكل مرة يأتينا الرد لا تصدعوا رأسه بمثل هذه الأحاديث».
غادرت أنا أيضًا ومازال الموضوع يدور في عقلي، وتساؤلات كثيرة لا أعرف لها إجابة، فهل المسؤول يعرف عن هذا الذي يجري؟ وإن كان يدري فهل هو راض عن تصرفات مدير مكتبه؟ أم أن مدير المكتب يتصرف من تلقاء نفسه؟ لماذا يقوم مدير المكتب بعمل حصار للمسؤول حتى يمنع الموظفين من مقابلته؟ وإن سأل المسؤول مدير مكتبه عن أحوال المؤسسة والموظفين ترى ماذا يقول مدير المكتب «كل شيء تمام طال عمرك»؟ حقيقة لا أعرف الإجابة.
هل بالفعل هذه الجملة هي التي يريد كثير من المسؤولين سماعها «كل شيء تمام طال عمرك»؟ أم هكذا يريد أن يوهمنا مديرو المكاتب والسكرتارية؟ لماذا يريدون أن يصنعوا حاجزًا بين المسؤول ومن هم مسؤولون عنهم؟ ومرة أخرى هل المسؤولين يعلمون ما يحدث خارج مكاتبهم وباسمهم؟
هذا يعني بكل بساطة أن المسؤول يعيش في بروج عاجية من الوهم الذي يُصنع حوله، ليس مهمًا من يقوم بصناعة هذا الوهم، ولكنه للأسف مسجون في هذا الوهم الذي يعتقد أنه قصر من العاج البراق.
وهؤلاء الذين يقومون بدور السكرتيرة –كما في المسرحية– ومدير المكتب –كما في الواقع– وأناس كثيرون هم من يعرف بالبطانة، وتعرف البطانة أنها ما يبطن به الثوب من الداخل أي هو الجزء الملاصق لجسم الإنسان، فهذه الفئة من الناس هم من يكونون أقرب إلى المسؤول من غيرهم له، وكلما ارتقى المسؤول في الوظيفة زاد أعداد بطانته ومن يحومون حوله ويستفيدون منه، وهم الذين يصنعون البرج العاجي الذي يعيش فيه ويخلقون حوله وهم بأنه كل الذي يقوم به هو أفضل مما يجب أن يكون، وأن من يرأسهم يعيشون في أفضل حالتهم، ويرددون على مسامعه بطريقة أو بأخرى وربما بلكنات مختلفة بحسب البلد واللغة «كل شيء تمام طال عمرك»، وهؤلاء الذين حذر الله تعالى منهم في سورة آل عمران – الآية 118 حينما قال (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون).
هؤلاء الفئة، أقصد البطانة، هم من يدمر المسؤول في المقام الأول، وهم من يدمر المؤسسات، وهم من يدمر الأوطان، لأنهم ببساطة لا يفكرون إلا في أنفسهم.
وفي المقابل وجد أحد المسؤولين أن الأعمال الإدارية والمكتبية تأخذ من وقته كثيرا، وأن هذه الأعمال تمنعه أن يجالس الموظفين، فلا يستطيع أن يسمع لهم ويسمع تفكيرهم وأحاديثهم ويسمعونه، ففكر بطريقة مبتكرة تساعده على هدم هذا البرج المصنوع من الوهم، فأعلن ما أسماه «ساعة شفافية».
فما ساعة الشفافية تلك؟
أعلن ذلك المسؤول عن ساعة محددة، وفي يوم محدد من كل أسبوع بصفة دورية يلتقي ويجتمع فيها بكل موظفي المؤسسة ومن غير رسميات، ويسمح في تلك الساعة للموظف أن يقول كل ما يريد أن يقول ومن غير أي قيود، لذلك سميت هذه الساعة «بساعة الشفافية».
ونجحت الفكرة أيما نجاح، فكان الموظفون والمسؤولون والجميع يستعد لهذا اللقاء الدوري الأسبوعي ويحرص على الحضور، وهذا ما أدى إلى زيادة الانضباط الوظيفي في المؤسسة سواء من قبل الموظفين أو من المسؤولين، وكذلك تزايدت الإنتاجية وتحسن أداء العمل وارتقت المؤسسة بفعل ساعة شفافية.
هذا المسؤول شعر بأهمية المسؤولية الملقاة على عاتقه، فتصرف على هذا الأساس، أما الأول الذي يعيش في برج عاجي من الوهم، فلم يعرف ماهية المسؤولية، ولم يدرك أهميتها وثقلها عند الله سبحانه وتعالى، فالمسؤول الذي يعرف عظم المسؤولية ينجح في وظيفته وحياته وفي النهاية يشعر برضى في نفسه، أما الذي لا يشعر إلا بالكرسي الذي يجلس عليه فقط، فإنّ الكرسي قد ينقلب عليه في لحظة فتنقلب معه كل الموازين.
لذلك فإنه حتى ترتقي الأمم والمؤسسات يجب أن تلغى عبارة «كل شيء تمام.. طال عمرك» أيًا ما كان يقولها، وإلى أي مسؤول، فكل مسؤول مسؤول، سواء كان مسؤولا عن شخص واحد أو شعب كامل، فهو مسؤول أمام الله سبحانه وتعالى عن كل الذي يجري عليهم. لذلك فهم الفاروق عمر بن الخطاب رضى الله عنه هذه المسؤولية عندما قال: «لو أن بغلة تعثرت في العراق، لسألني الله عنها يوم القيامة، لماذا لم تسوِّ لها الطريق يا عمر»، فلو كان مسؤولونا يشعرون بهذه الشفافية وبهذا الحس لتطورت أعمالنا ولما بقيت ورقة في نهاية الدوام لم تنجز.
وكلنا يذكر الحديث النبوي الشريف المتفق عليه الذي يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم «عَنْ عبداللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمسؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مسؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مسؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مسؤولةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهُوَ مسؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ»، فهو صلى الله عليه وسلم لم يستثنِ حتى الخادم من تلك المسؤولية، فكيف بمن ولته الحكومة مسؤولية عمل معين وأغلق من أمامه ومن خلفه الأبواب وعاش في برج عاجي من الوهم، وعاش يعتقد أنه قد بلغ مرتبة لا يصل إليها أحد؟
هذا الإنسان عندما تأتي الأوامر بإعفائه من منصبه، ينهار وربما يصاب باكتئاب، ولا يخرج من بيته عدة أشهر أو سنوات، وذلك بسبب أنه اعتقد أنَّ هذا الكرسي دائم، وأن الذين منعوه من الناس والموظفين فإنهم يمكن أن يمنعوا القدر، لذلك لا هو استمر في منصبه ولا وجد من يواسيه، ولا وجد من يترحم على أيامه، وكل ذلك بسبب «كل شيء تمام طال عمرك».
Zkhunji@hotmail.com





كلمات دالة

aak_news