العدد : ١٥٠٦٩ - الأربعاء ٢٦ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ شوّال ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٦٩ - الأربعاء ٢٦ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ شوّال ١٤٤٠هـ

شرق و غرب

روسيا.. قزم اقتصادي.. عملاق استراتيجي

بقلم: نيكولا بافاريز

السبت ٣٠ أبريل ٢٠١٦ - 03:00



تتأهب فرنسا لتوجيه الدعوة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين لزيارة باريس في شهر أكتوبر القادم وتدشين الكاتدرائية الأرثودوكسية في الكاي برنلي. لا شك أن هذه الخطوة تؤشر إلى ذوبان الجليد عن العلاقات الدبلوماسية بين الأنظمة الديمقراطية الغربية وروسيا والتي سادها التوتر الحاد منذ إقدام سلطات موسكو على ضم شبه جزيرة القرم وانتزاعها من أوكرانيا.
لا شك أن روسيا تبدو اليوم بمظهر نسر من رأسين أكثر من أي وقت مضى. فهي من ناحية أولى تتخبط في مشاكل اقتصادية كبيرة انعكست سلبا على المجتمع الروسي غير أنها من ناحية أخرى تسجل عودة سياسية واستراتيجية ودبلوماسية مذهلة أسقطت تلك الحسابات التي راهنت على أن روسيا أصبحت مجرد قوة إقليمية في أفضل الأحوال.
لقد أقام الرئيس فلاديمير بوتين سلطته ونظامه على ثلاث دعائم رئيسية: إعادة تكريس هيبة الدولة والتصدي لعالم ما بعد نهاية الحرب الباردة والذي تهيمن عليه الولايات المتحدة الأمريكية والنهوض بالاقتصاد في ظل ارتفاع أسعار المواد الأولية الخام، الأمر الذي انعكس إيجابيا على القدرة الشرائية وساهم في صعود الطبقة الوسطى التي تضم ما لا يقل عن 90 مليون نسمة. توشك الدعامة الأولى أن تنهار تحت وطأة الفساد. أما الدعامة الثالثة فهي في حالة يرثى لها تحت وطأة الكساد المالي والاقتصادي الذي أنهك الدولة الروسية.
تعاني روسيا في الوقت الراهن من أسوأ أزمة منذ تفكك الاتحاد السوفيتي. فقد تراجع النشاط الاقتصادي بنسبة 3.7% سنة 2015 ويتوقع أن ينكمش أيضا سنة 2016 بنسبة 3.5% فيما يتواصل نزيف فرار رؤوس الأموال في ظل استمرار انهيار قيمة العملة الروسية الروبل. تنخفض معدلات الرواتب بنسبة 10% سنويا فيما تلتهب معدلات البطالة التي باتت تطول عشرات آلاف المواطنين الروس.
من الطبيعي أن تكون العواقب على الشعب الروسي وخيمة بسبب ضنك العيش. فقد ارتفع معدل الأعمار – أو الأمل في الحياة - من 59 سنة إلى 66 سنة منذ سنة 2000 غير أنه عاد الآن إلى الانحدار فيما لم تعد الطبقة الوسطى تمثل سوى 20% من إجمالي عدد السكان. أصبح أكثر من 19 مليون روسي يعانون من الفقر فيما تفاقمت الفوارق الاجتماعية.
تسارعت وتيرة تراجع الاقتصاد الروسي بسبب صدمة انخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية والعقوبات الغربية. كانت الخيبة أكبر يوم 17 ابريل عندما فشلت القمة التي عقدت في العاصمة القطرية الدوحة والتي ضمت كبار الدول المنتجة والمصدرة للذهب الأسود حيث إنَّ المملكة العربية السعودية شددت على أنها لن توافق على تجميد الإنتاج ما لم تلتزم إيران بذلك أيضا وهو ما شكل انتكاسة كبيرة لسلطات موسكو التي كانت تأمل أن يتم التوصل إلى اتفاق يسهم في رفع الأسعار. تؤكد مختلف التحليلات المختصة أن عودة الاستقرار إلى أسواق النفط العالمية سيتطلب بعض الوقت. فالذهب الأسود ليس مجرد بضاعة خاضعة لقانون العرض والطلب بل إنه أيضا ورقة مهمة تبنى عليها مختلف الحسابات السياسية والاستراتيجية.
في الحقيقة إن الأسباب الجوهرية وراء الأزمة الاقتصادية التي تتخبط فيها روسيا تعتبر داخلية أكثر منها خارجية، فالنمو لا يتوقف فقط على المواد الخام بقدر ما يتوقف أيضا على الأدمغة ورؤوس الأموال التي تفر من روسيا في الوقت الراهن فيما يظل الكساد يسود الاستثمار وروح الابتكار الاقتصادي وهو ما تسبب في انهيار حجم الصادرات ذات القيمة المضافة – باستثناء صادرات السلاح التي تشهد انتعاشة كبيرة. أما السياسة الرئاسية القائمة على التحول إلى آسيا فقد دخلت في طريق مسدود. فالاقتصاد الصيني أكبر من الاقتصاد الروسي باثنتي عشرة مرة وهو ما يعطي ثقلا كبيرة لبكين.
في روسيا قوة الدولة تتغذى من تعاسة وبؤس الشعب. فالكابوس الاقتصادي يتزامن مع عودة روسيا بشكل لافت على الساحتين الدبلوماسية والاستراتيجية في العالم. ففي أقل من عامين نجحت موسكو بقيادة الرئيس فلاديمير بوتين في تقويض النظام الأوروبي الجديد الذي ولد من رحم نهاية الحرب الباردة. استعرضت روسيا أيضا عضلاتها من خلال تدخلها العسكري في روسيا ثم إقليم ناغورني كاراباخ. لا شك أن روسيا قد همشت بذلك المجتمع الدولي وخاصة بعد ضم شبه جزيرة القرم وتفكيك جمهورية أوكرانيا المجاورة للجار العملاق روسيا.
أما على الصعيد العسكري فإن روسيا برهنت على جاهزيتها وقدراتها الكبيرة، حيث إنَّ سلطات موسكو عملت على تحديث قواتها المسلحة منذ الحرب التي خاضتها ضد جمهورية جورجيا المجاورة لها، علما أن الميزانية العسكرية قد ارتفعت من 70 إلى 92 مليار دولار منذ سنة 2011 وهو وما يمثل 4% من الناتج الخام الروسي. تراهن سلطات موسكو على بناء جيش محترف وتحديث الأسلحة – طائرة سوخوي تي-50، الدبابات الثقيلة، أسطول يضم 45 غواصة هجومية.
أما على المستوى الاستراتيجي، فإن روسيا قد أثبتت كفاءتها العسكرية وتفوقت بالتالي على التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية وهو ما تسبب في خلق حرب باردة أربكت الأوروبيين على وجه الخصوص.
أما على المستوى السياسي فقد نجح الروسي فلاديمير بوتين حتى الآن على الأقل في إنقاذ بشار الأسد ووضعه تحت سيطرة موسكو. فرضت روسيا أيضا نفسها على المستوى الدبلوماسي كقوة لا يمكن تجاهلها في الشرق الأوسط وأوروبا.
لوفيجارو






كلمات دالة

aak_news