العدد : ١٥٣١٣ - الثلاثاء ٢٥ فبراير ٢٠٢٠ م، الموافق ٠١ رجب ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣١٣ - الثلاثاء ٢٥ فبراير ٢٠٢٠ م، الموافق ٠١ رجب ١٤٤١هـ

الثقافي

سرديات
في مديح السجال: نحن والآخر مَن يختزل من! ومن ينمط من؟!

بقلم: د. ضياء عبدالله خميس الكعبيّ

السبت ٣٠ أبريل ٢٠١٦ - 03:00



لاشكَّ أنَّ الخطاب الروائي يُعد من أعقد أنواع الكتابة السردية الحديثة على الإطلاق، وخصوصًا في صدوره عن التشابك مع الخطابات الثقافية الأخرى على اختلاف تنوعاتها، ولكن يبقى للخطاب الروائي تفرّده في صدوره عن المتخيّل الروائي؛ وهذا يعني أنَّ هناك رؤية معينة للعالم يصدر عنها أي روائيّ وهو يكتب متخيّله السرديّ الروائيّ هذا. وبعض الروائيين لايكتفون بمجرد متخيّلهم الروائي فقط، وإنَّما يعضدون هذه الرؤية المتخيّلة بخطاب فكريّ صادر عنهم متمثّل في نتاجهم الفكريّ التنظيريّ. فعلي سبيل المثال نجد أنَّ الروائيّ من أصل لبنانيّ أمين معلوف الذي يكتب بالفرنسية يميز نتاجه الفكري والسردي اندماج هذين الخطين وانصهارهما في بوتقة واحدة صادرة عن الائتلاف والاتساق في إطار رؤية متناغمة ومتكاملة للذاتيّ وللشخصيّ وللكونيّ مع بعض الاختلاف بين التنظير والتطبيق. وقد قدّم أمين معلوف أربعة مؤلفات فكرية امتدَّت طوال عقدين من الزمان هي: (الحروب الصليبية كما رآها العرب) (1989) و(بدايات) (2004) و(الهويات القاتلة) (2004) و(اختلال العالم)2009، وتزامن ظهور الفكريّ وتبلوّره عند معلوف مع ظهور الروائيّ متمثلاً في سبع روايات هي القرن الأول بعد بياتريس (1977) وسمرقند (1991) وصخرة طانيوس (1994) وليون الإفريقي (1997) وحدائق النور (1998) وموانئ المشرق (1998) ورحلة بالداسار (2001). إلى جانب مسرحيتين مُثلتا في الأوبرا الفرنسية هما الأم أدريانا (2006) والحب عن بعد (2002). ونظرًا إلى أهمية الرؤية التي صدر عنها معلوف في كتبه الفكرية الأربعة المشار إليها آنفًا، وهي رؤية يتشابك فيها التاريخيّ بتأويلاته المتعددة المنفتحة مع السياسيّ والواقعيّ، سنجد هذا الأمر واضحًا في تأويله للتاريخ وفي استشرافه آمادًا أوسع للهويات الكونية بعيدًا عن التحديدات العرقية واللونية والجنسية ساعيًا إلى الاحتفاء «بالاختلاف الثقافيّ» و«بالهجنة الثقافية»، داعيًا إلى إلغاء «الهويات القاتلة» مع الإشارة إلى أنَّ للسرديّ حضوره الكبير في الفكريّ عند معلوف وللفكريّ حضوره الكبير في المقابل في السردي. ولا يعني هذا الفصل بين الفكريّ والسرديّ أنهما محوران منفصلان. ومثل هذا الاندغام بين الفكريّ والسرديّ سنجده واضحًا أيضًا في أعمال عدد كبير من الروائيين العرب مثل عبدالرحمن منيف وجبرا إبراهيم جبرا وعبدالله العروي وعبدالله خليفة وغازي القصيبيّ وتركي الحمد وغيرهم. وعلى الطرف الآخر سنجد أنَّ تمثيلات صورة العربي في رواية الآخر متعددة ومتشابكة وعلى قدرٍ كبيرٍ من الصعوبة في التحديد؛ فمن السهل لدى البعض توظيف التنميط الاختزالي لثنائية شرق في مقابل غرب كما نجد في الخطابات الاستشراقية والكولونيالية على اختلافها، ولكنَّ التمثيلات أعقد من هذا بكثير. والآخر لا يجب أن يُختزل فقط في هذه الخطابات فهناك الآخر الشرقيّ وهناك الآخر المنتمي إلى ما يُسمى بمجتمعات العالم الثالث وهناك الآخر اللاتينيّ والآخر القابع في منطقة الهوامش النائية المقصية.
لقد أنتج منظور مابعد الحداثة اشتغالاً تاريخيًا مغايرًا لما كان سائدًا في مدرسة الحوليات التاريخية التي كانت مهيمنة في مجال كتابة التاريخ الأوروبيّ وتأريخه. وقد وفّر هذا الاشتغال وهذا المنظور المغاير عناية كبرى بتواريخ الهوامش والتوابع والهويات، وخاصة أن عددًا لا بأس به من منظري ما بعد الحداثة وما بعد الكولونيالية يأتون من عرقيات آسيوية، وهو ما يكسر طوق المركزية الغربية النقدية. ويحضر في هذا المجال اسماء كل من إدوارد سعيد وهومي بابا وإعجاز أحمد وجياتري سبيفاك وغيرهم. والجدير بالذكر أن كلاً من هومي بابا وسبيفاك وديبيش تشاكرابارتي يصنفون ضمن مدرسة أو جماعة دراسات التابع Subaltern Studies». وقد انطلقت هذه الجماعة من دراسة الدور التاريخي للجماعات التابعة مثل الفلاحين والعمال والنساء في صناعة التاريخ الهندي، وهو دور تجاهله المؤرخون الغربيون والهنود ذوو التوجه القومي إلى الاهتمام بمسألة أوسع هي كتابة تاريخ الهند أو مناطق أخرى غير غربية بأشكال تخالف وتنتقد رؤية للعالم تتخذ من أوروبا مركزًا ومحورًا لها». وهذه الجماعة تقوم بتفكيك التاريخ انطلاقًا من تحليل الخطاب المضاد للكولونيالية الغربية وإلى جانب هؤلاء النقاد شكّل الخروج على المركزيات التاريخية عمل عدد من المنظرين والنقاد والفلاسفة والمؤرخين الأوروبيين والأمريكيين مثل ميشيل فوكو وجاك دريدا وجيل دولوز وبول ريكور وهايدن وايت وتودوروف وغيرهم. أخلصُ إلى القول بأنَّ المشهد معقد جدًا ومن الصعب أن يختزل اختزالاً تنميطيًا تبسيطيًا.
إنَّ المثقفين العرب مسؤولون وبدرجات عما يحصل لنا من تنميط اختزاليّ في جزء من الخطاب الروائيّ العربيّ وفي الخطابات الأخرى مثل السينما ووسائل التواصل الاجتماعيّ والمسرح وجميع الوسائط الإعلامية والإبداعية. يجب علينا أولاً تحسين صورتنا وتواصلنا مع أنفسنا..مع الداخل العربي وتقبّل أنَّ هذه الحضارة العربية الإسلامية الكبيرة كانت حضارة استوعبت التعدديات الثقافية في إطارها بدرجة يتفاوت فيها الاستيعاب من عصر ومن عهد إلى آخر. ولكن هناك ممارسات كثيرة على هذا التعدّد وذلك الاستيعاب وعلى تلك الخطابات السجالية المتعددة التي أُنتجت في إطار تلك الخصوصيات الثقافية وفي إطار المختلف والمؤتلف. ماذا يعني أن يؤلف النصراني يحيى بن عَدي في العصر العبّاسي كتبًا تضمنت ردوده على من انتقد مذهبه الديني من النصارى الآخرين ومن المسلمين؟! ولم يُقتل عدي رغم آرائه المخالفة تلك. ولا أعني من كلامي أنني أتحدث عن مجتمعات مثالية نقية لحرية التعبير، ولكني أقول للأسف هذه المساحات فقدناها لأننا انشغلنا جميعًا بتنميط أنفسنا مع بعضنا بعضا، وبات الواحد منا يشكّلُ آخر الآخر في منظور الجماعات التي لا ينتمي إليها فكريًا وسياسيًا وآيديولوجيا وثقافيًا. وهذا أفرز فكر التطرّف باختلاف خطاباته المتشددة لإقصاء الذين لا ينتمون إلى الجماعة. وللأسف أصبح الشباب ضحية لوقود التطرف هذا.. ما الذي يجعل حركات متطرفة تهيمن على أفكار الشباب وتستقطبهم ويجدون فيها جاذبية كبرى؟.. ذلك لأنّ المثقفين تخلوا عن أدوارهم الإصلاحية التنويرية وتركوا مساحات وفراغًا كبيرًا لمثل هذه الحركات المتطرفة. نحن بحاجة إلى مصارحة أنفسنا وتفكيك خطاباتنا الثقافية وتفكيك ذواتنا قبل الحديث عن تمثيلاتنا لدى الآخر على اختلاف هذا الآخر!

أستاذة السرديات والنقد الأدبي
الحديث المساعد، كلية الآداب، جامعة البحرين







كلمات دالة

aak_news