العدد : ١٥٣١٣ - الثلاثاء ٢٥ فبراير ٢٠٢٠ م، الموافق ٠١ رجب ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣١٣ - الثلاثاء ٢٥ فبراير ٢٠٢٠ م، الموافق ٠١ رجب ١٤٤١هـ

الثقافي

قضايا ثقافية
إنسانية الشعر

بقلم: سلمان الحايكي

السبت ٣٠ أبريل ٢٠١٦ - 03:00



الإنسان هو أكبر حجماً من الشعر ولو حتى اجتمعت القصائد كلها سواء التي كُتبت باللغة العربية أو غيرها من اللغات العالمية ما تساوت مع الإنسان المخلوق الذي صُنع لخدمة الحياة البشرية وتوصيل القيم لبناء الكون وفقاً للقواعد الإلهية التي رسمها الخالق العظيم.
إن الصراع الذي يدور في المجتمعات اليوم هو صراع غير إنساني لأنّ الشعر لا يتدخل في حسمه ولو تدخل واستمع إليه المتنافسون لاقتنعوا إن بإمكانه أن يُحوِّل العالم إلى بقعة جميلة كالتي نرددها على مسامع الجميع:
(الخضرة والماء والوجه الحسن).
لو تحولت الحياة البشرية إلى خُضرة لما شاهدنا الرمال الحارة ولا الصحراء وما احتجنا إلى التقنيات الصناعية التي زادت التنافس حدةً بين الكائنات البشرية وأوصلتهم إلى درجة التحارب والعداء لأنّ من يصنع الخضرة هو الإنسان.
ولو توفر الماء للكائنات الحية ما قرأنا الأخبار التي تقول إن هناك دولاً تتنازع على مصبات المياه وكل دولة تريد أن تتحكم في المنبع وتفرض قيوداً على الآخرين بل تُحاول أن تقتل الإنسان بالعطش وتسلبه الحياة.
أما الوجه الحسن الذي جاء في آخر الجملة فهو تعبير إعجازي عن الجمال الشمولي فلا دخل لجمال الوجه فيه ولا التقاطيع ولا الطول أو القُصرِ أو الامتلاء أو النحافة إنما الجمال المقصود هو الجمال الإنساني لأنّ من يصل إلى هذه الدرجة يكون هو من استوعب وأدرك ما بداخل الإنسان.
إن الشعر الحقيقي ليس ذلك الكلام الفارغ الذي يُنمي الشعور بالتصحر ويقاطع الخضرة ويجفف منابع المياه ومن الطبيعي ان القضاء على أي مساحة خضراء هو القضاء على الجمال ولا يمكن أن نكمل الترتيب المنطقي للوصف البلاغي إن قلنا (الخضرة والماء) فماذا بعدهما؟!
الجمال هو إنتاج للخضرة والماء ولا يمكن للجمال أن يصنع نفسه بنفسه ما لم تتوافر الخضرة التي تعيش على الماء وبالتالي يكون الجمال حاضراً لأنّ مقومات حضوره مضمونة.
في العديد من القصائد تجد الشعراء يُثيرون الكثير من الأحاسيس الجمالية وأحياناً لا تخلو قصيدة أو أي إنتاج نثري من التطرق إلى مسألة الجمال لأنه الركيزة الأساسية التي توصل كل المخلوقات البشرية إلى مجتمع آمن خالٍ من التناقضات التي يتوهم الإنسان في صناعتها ولا يجني من ورائها غير الديون المتراكمة للقضاء على كل ما هو جميل فوق الكرة الأرضية.
يقول الكاتب الروسي المعروف (تولستوي): (إن الجمال الحقيقي نفس جميلة في جسد جميل) وهو كلام يؤيد ما شرحناه آنفاً بأن المخلوق البشري لا يشعر بالجمال إلاَّ إذا عاشه وأنتج من خلاله جمالا آخر.
إن الكائن البشري يحاول أن يكون جميلاً لكنه يقف على أرضية قبيحة ولهذا يتعامل مع الواقع الحضاري مُستسلماً للقوى التي تجبره على الشعور بالقبح رغم ان بعضاً من الشعراء حوَّلوا الصحراء الجرداء إلى واحات خضراء وأمامي مئات من الأمثلة الشعرية والتي تطالب أن يتحول الكون الإنساني إلى إنسانيٍّ حقيقي ويعرف الإنسان إنه في الشعر يتذوق إنسانيته ولا يحسب نفسه عالة على الكون ويمكننا أن نستخلص من فلسفة عميد البلاغة العربية الإمام علي (عليه السلام) هذا النموذج الذي يقول فيه للإنسان:
(وتحسبُ إنك جرمٌ صغيرٌ
وفيكَ انطوى العالمُ الأكبرُ)
إن الإنسان هو قوة للشعر لكن الكثيرين من الشعراء يقودونه إلى الصحراء والعطش المستمر ونزف الدماءْ.
Sah.33883@hotmail.com





كلمات دالة

aak_news