العدد : ١٥٣١٥ - الخميس ٢٧ يناير ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٣ رجب ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣١٥ - الخميس ٢٧ يناير ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٣ رجب ١٤٤١هـ

الثقافي

نـــبــــــض
مساحة حب في تجربة بتول حميد!

بقلم: علي الستراوي

السبت ٣٠ أبريل ٢٠١٦ - 03:00



دائما يغري شبابنا الجديد التنوع والتجريب، وأحيانًا نوغل في هذا التنوع، فنقع في مطب لا ينفعنا، بل يضرنا، فنخسر ما تمكنا فيه وأصبح لازمة يتبعنا.
هكذا هي التجارب الجديدة لدى الشباب، فكثير من هذه التجارب بدأت إما بكتابة الشعر وإما بكتابة القصة القصيرة، وبعضهم بدأ بكتابة الرواية، من دون سابقة قدمت لأدبهم وعرفتنا بمقدرتهم على الكتابة.
وهذا ليس جديدًا، لكن الجديد أن ترى كاتبًا للقصة القصيرة أو الرواية، وظل لبضع سنوات يعرف بأنه كاتب للقصة القصيرة وملزمات اللغة السردية، نفاجأ بأن القاص الفلاني أو القاصة الفلانية قد صدر لها ديوان في الأدب الشعري.
ومنذ معرفتنا للأدب، هناك من الشعراء من تناول القصيدة القصصية أمثال اليا أبو ماضي، خليل مطران رائد الشعر القصصي، والشابي.. الخ ممن عرفوا بكتابة القصة الشعرية وأبدعوا فيها.
وعندما يكتب الشاعر القصة الشعرية، كونه متمكنًا من الكتابة الشعرية، وهي أول خيوط معرفته وإلهامه لا يتجرأ على الابتعاد عن الشعر أو التجاوز له.
والسؤال: لماذا تجارب شبابنا تبدأ بالقصة، وتذهب نحو الشعر، وهذا قد أراها تجاوزا على ما تمتلكه الموهبة، كونها قاصة تنوعت الروح في ثنايا تجربتها القصصية فأبدعت في هذا المجال، وكان للسرد في حكايتها ألف باب وباب.
وهذا قد ينطبق على تجربة الشابة بتول حميد، التي ظلت تهدينا قصصًا جميلة حاكت فيها أبعاد هذا الفن عبر حكايات سردية توقع لها اكثر متابعي هذا الفن طريقًا إبداعيًا، وصوتًا قادمًا يلوح في افق ألف ليلة وليلة.
وعلى غفلة من الريح، نسمع أن هذه المبدعة في القصة والسرد بتول حميد، قد اصدرت أول دواوينها الشعرية والمسمى «افتح أزرار صمتك»، وكان السؤال حاضرًا بقوة، ألم تكن بتول ساردة للقصة والرواية، فكيف تكون شاعرة؟
فالذي يكتب في البدء الشعر، قد يكتب القصة القصيرة ويدخل في دهاليز فن السرد اكثر ممن يكتب في البدء في فنيات السرد ويذهب للشعر، هنا الإشكالية غير المحمودة.
وهذا ليس غريبًا في محيطنا الثقافي الأدبي، ولكن قلة ممن هم كتبوا القصة ثم ذهبوا إلى الشعر قد أجادوا الكتابة في الفن الجديد.
وأن تكون بتول شاعرة، فهذا سؤال متروك للقراء، وليس لي وحدي احقية في الحكم على انطلاقتها الجديدة.
ومن خلال قراءتي لديوانها الصادر حديثًا عن دار الفراشة للنشر والتوزيع اقف على بعض ما دونته في صفحات الديوان مثل قصيدة «شهرزاد» التي تقول في مطلعها:
1
ما كان لليالي شهرزاد
غواية
لو أن توقف الديك عن الصياح
مقطع يذهب بنا نحو فن القصة القصيرة، فالمفاتيح هي مفاتيح القصة وليس مفاتيح للشعر.
وفي المقطع الثاني من النص تقول بتول:
بعد ألف ليلة من الكلام المباح
مات ديك الفجر
قرأت شهرزاد علي حكاياها
تعويذة الخلود.
مثل هذه الأدوات المستعملة في النص، هي اقرب إلى القصة من الشعر، لأن الشعر له موازين اكثرها رقة في تعاملنا بها، ولا يعني هذا ان تكون قافية أو مرتبطة بحرف الروي، وبالموسيقى.
فالكثيرون ممن كتبوا الشعر بحسب تنوعهم، قافية أو قصيدة التفعيلة، أو الحر، أو النثر، هؤلاء من الكتّاب عندما تقرأ لهم يقنعونك بأنك أمام شاعر، لقدرتهم على مسك الأدوات الفنية للقصيدة، فتقرأ في نثرهم إبداع يستحوذ عليك.
ومن نفس الديوان «افتح أزرار صمتك» نقرأ من نص بعنوان: «كون مقلوب» تقول بتول فيه:
لا ضير أن نخرج من حدود المنطق
نقلب الكون
نتوسد الغيم
فلا تؤرق حلمنا قوانين الجاذبية الأرضية
نوشوش النجمات بوميض العشق
مثل هذه الأدوات أؤكد انها أدوات القاص وليست أدوات الشاعر، فالشاعر قد يرسل لغته ضمن تكوين إلهامي ليس في مفاصل جسده أداة من أدوات القصة.
ولو حاولنا أن نجعل من هذا النص اقرب في أدواته إلى الشعر من أدوات الادب السردي لغيرنا بعض الشيء ولقلنا مثلاً:
(نخرج وحدودنا مغلقة الكون
تتوسد الغيم في منطقها
وتشتعل بالجاذبية، حينما وشوش العشق نجماته)
نرى الفرق في توظيف اللغة التقريرية من اللغة الشعرية، فالأدوات بتغير نبرتها قد نجعل منها نصًّا شعريًّا، بعيدًا عن أدوات النص السردي.
وهذا ليس تقليلاً من تجربة بتول حميد، ولكن لخوفي عليها وحرصي أن تكون أقدامها الصلبة رخوة في مسيرتها الأدبية وألا تتشتت موهبتها وأن تحرص على أن تحفر في فن السرد لأنه طريقها الأول الذي هو بحاجة من بتول أن تبحث فيه وأن تظل متمسكة بشراعه في مهب رياح التغيير وبقوة تصارع التيار.
وحرصًا منا على تشجيع الموهبة قد أفردنا لقاء خاصًا أدارته الزميلة زينب إسماعيل، التي حاورت بتول حميد، مؤكدين اننا في ملحقنا الثقافي بجريدة أخبار الخليج نحرص كل الحرص على تشجيع المواهب والكتابة عنها بصدق دون زيف، ناشدين من كل ذلك أن تعرف التجارب الجديدة كيف تقتنص فرصة أن تكون مبدعة ومتنوعة في مجالات الأدب الجميل.
أخيرًا أُثني على تجربة بتول حميد الجديدة، راجيًا ان تدرسها بعناية، فهي الخيط المشدود في خاصرتنا ككتّاب نحب ادب الشباب ونسعى لترك مساحة حب في إبداعاتهم.

a.astrawi@gmail.com




كلمات دالة

aak_news