العدد : ١٥١٥٥ - الجمعة ٢٠ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٥ - الجمعة ٢٠ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ محرّم ١٤٤١هـ

شرق و غرب

«نظرية أوباما» دمرت العالم

بقلم: جيف جاكوبي

الخميس ٢٨ أبريل ٢٠١٦ - 03:00



قبل خمس سنوات من الآن أشاد الرئيس باراك أوباما بالحملة العسكرية التي استهدفت ليبيا وأطاحت بنظام العقيد معمر القذافي واعتبر أن تلك الحملة واحدة من أكبر الانتصارات السياسية في فترة رئاسته. أما اليوم فإنه يعتبر أن ليبيا تمثل أسوأ أخطائه التي ارتكبها منذ توليه الرئاسة.
رغم أنه قد يكون غيّر الدرجة التي حصل عليه من «أ» إلى «ف» فإنه لا يزال يتمسك بنظريته التي تحمل شعار «القيادة من الخلف»، هذا الشعار إنما يقف اليوم شاهدا على سلبية الولايات المتحدة الأمريكية واستسلامها في ظل إدارة الرئيس باراك أوباما.
في اليوم الذي قتل فيه معمر القذافي في شهر أكتوبر 2011 ادعى الرئيس أوباما لنفسه الانتصار فصرح قائلا في ذلك اليوم: «لقد حلق طيارونا الشجعان في الأجواء الليبية فيما قدم بحارتنا المساعدة اللازمة لليبيا كما أن قيادتنا في الحلف الأطلنطي قد ساهمت في توجيه تحالفنا العسكري. لقد حققنا كل أهدافنا من دون أن ننشر أي جندي على الأراضي الليبية».لقد أثبتت الأيام أن الرئيس أوباما قد ارتكب خطأ جسيما في تقييم الأمور. فقد انحدرت ليبيا سريعا وانزلقت في أتون الحرب والفوضى والعنف وتحولت إلى مرتع خصب للتنظيمات الإرهابية التي كرست شريعة الغاب.
إن ليبيا التي اعتبرها الرئيس باراك أوباما ذات مرة أكبر نصر دبلوماسي في ظل عهدته الرئاسية قد قتل فيها أكثر من عشرة آلاف شخص – بمن فيهم السفير الأمريكي كريستوفر ستيفنس وثلاثة من مساعديه على أيدي الإسلاميين بعد مرور أحد عشر شهرا على الخطاب الذي ألقاه الرئيس أوباما في حديقة «روز جاردن» واعتبر فيه أن «المهمة قد أنجزت في ليبيا».
يعترف الرئيس أوباما اليوم أن سياسته في ليبيا قد آلت إلى كارثة حقيقية. ففي الحوار الذي أجرته معه محطة فوكس نيوز اعترف بأنه لم يخطط لما بعد سقوط نظام معمر القذافي في ليبيا.
في حوارات أخرى أجريت معه لم يحمل الرئيس أوباما نفسه المسؤولية عما آلت إليه الأوضاع في ليبيا بسبب غياب خطة واضحة لفترة ما بعد سقوط نظام القذافي وراح يلقي بالمسؤولية على أوروبا ويقول إن الأوضاع الكارثية التي آلت إليها إنما تعود إلى عجز الأوروبيين عن القيام بدورهم في الفترة الانتقالية لما بعد سقوط نظام القذافي.
قال الرئيس أوباما:
«عندما أنظر إلى الوراء وأتساءل عن مكمن الخطأ فإنني أجد أن المجال يتسع للانتقادات. لقد كنت أثق كثيرا في الأوروبيين بحكم قربهم الجغرافي من ليبيا». ذلك ما قاله في الحوار الذي أجراه معه جيفري جولدبرج من مجلة «ذا آتلاتنتك» لكنه نسي أنه عندما تنسحب الولايات المتحدة فإن بقية الدول الحليفة لها تنسج على منوالها. يذكر أيضا أن الرئيس أوباما قد تدخل عسكريا في ليبيا ولم يكن يرغب في البقاء طويلا في ليبيا بعد سقوط نظام معمر القذافي.
لم يمر وقت طويل حتى خرجت ليبيا وأزمتها عن دائرة اهتمام سلطات البيت الأبيض الأمريكي. كتبت صحيفة نيويورك تايمز تقول في مقال تحليلي مطول عن الكارثة الليبية: «لم يكن الأمر يتعلق فقط بإهمال وعدم اهتمام. إنها أيضا وعلى وجه الخصوص سياسة إدارة الرئيس باراك أوباما».
لقد كانت إدارة الرئيس أوباما هي التي فرضت حدودا صارمة على أي دور أمريكي في عملية التحول الليبية، الأمر الذي جعل الكثير من الساسة والمحللين يقولون بصريح العبارة إن سلطات واشنطن قد غسلت يديها وتنصلت من أي مسؤولية على الكارثة التي تتخبط فيها ليبيا. لا غرابة أن تنزلق ليبيا إلى هذا المصير الذي نشهده اليوم.
لعل ما يثير الدهشة والاستغراب أن أوباما الذي طالما الأخطاء الفادحة التي ارتكبها سلفه في العراق قد ارتكب بدوره أخطاء أكثر خطورة وفادحة في ليبيا – حيث إن إدارته لم تستعد كما يلزم وتكن لها خطة واستراتيجية للتعامل مع فوضى وحالة انعدام الأمن والاستقرار التي تنجم عن مثل هذه التدخلات العسكرية الغربية.
في سنة 2011 كتب المؤرخ العسكري ماكس بت يقول على وجه الخصوص:
«ليس سرا أن الأمور السيئة والخطيرة تقع عندما تعمد الولايات المتحدة الأمريكية والدول الحليفة لها إلى إسقاط الرجل القوي في هذه الدولة أو تلك من دون أن تكون لديها خطة للتعامل مع ما سيأتي بعد ذلك».
لقد أثبت الرئيس أوباما أنه بارع فقط في انتقاء أخطاء وهفوات غيره على مستوى فوضى سياساتها الخارجية بدلا من أن يتعلم من أخطائهم حتى يتجنب هفوتهم وسياساتهم الخارجية الكارثية. لقد كان عليه أن يستوعب الدرس من كارثة الحرب في العراق ويدرك أن الولايات المتحدة الأمريكية لا مصلحة لها في التدخل العسكري في منطقة الشرق الأوسط كما أنه كان عليه أن يدرك أنه كلما كان التدخل العسكري كبيرا كلما كانت الكارثة أكبر. لم يشأ الرئيس أوباما وأركان إدارته أن يتعلموا هذا الدرس البليغ.
عندما أعلن الرئيس السابق جورج بوش في شهر يناير 2007 أنه ينوي إرسال قوات عسكرية إضافية إلى العراق وتطبيق استراتيجية جديدة لمواجهة حركة التمرد المتصاعدة أبدى باراك أوباما، الذي كان آنذاك سيناتورا في مجلس الشيوخ الأمريكي، سخطه الكبير على هذا التوجه وقال بالحرف الواحد: «لا أعتقد أن إرسال 20 ألف جندي إضافية سيحلون الأزمة العراقية أو يضعون حدا لأعمال العنف الطائفي التي تعصف بالبلاد وتزهق الأرواح. بل إنني أعتقد أن إرسال هذه القوات العسكرية الاضافية سيأتي بنتيجة عكسية ويزيد في تفاقم الكارثة العراقية». لقد اتضح بعد ذلك ان خطة جورج بوش قد حققت نجاحا كبيرا في العراق على عكس ما كان يتوقعه باراك أوباما.
عندما وصل أوباما إلى البيت الأبيض رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية في سنة 2009 كان تنظيم القاعدة قد أصبح مشلولا كما تقلصت الهجمات الإرهابية بنسبة 80% أصبح العراق يحكمه ساسة منتخبون ديمقراطيا. لقد كان القائد الجديد للقوات العسكرية الأمريكية سعيدا بالوضع وراح ينسب لنفسه النصر الذي تحقق في العراق, كما أن نائب الرئيس جو بايدن اعتبر أن الأمر يمثل أحد أكبر إنجازات إدارة الرئيس أوباما.
لم يشأ الرئيس أوباما إبداء الحكمة من وراء قراره بالانسحاب من العراق أو أنه لم يدرك بفراسته المعهودة أن سحب عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين فجأة من شأنه أن يحدث حالة خطيرة من الفراغ الذي ستسارع أخطر التنظيمات والأطراف وأكثرها دموية إلى استغلاله على الوجه الأكمل. لك يدرك الرئيس أوباما أنه في غياب الوجود العسكري الأمريكي فإنّ حكومة نوري المالكي التي يسيطر عليها الشيعة والموالية بشكل فاضح لإيران ستصبح أكثر تسلطا وأن النفوذ الإيراني في العراق سيتعمق وأن عهد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام – داعش – الإرهابي سيبدأ.
لم يستوعب الرئيس أوباما الدرس أيضا في سوريا وراح يتفنن في ممارسة «القيادة من الخلف», لقد راح يطلق التهديدات ويرسم «الخطوط الحمراء» بشأن الأسلحة الكيمياوية, كما راح يطالب بشار الأسد بالتنحي عن الحكم غير أن تلك التهديدات كانت جوفاء وكانت قولا من دون فعل. مع تآكل مصداقية الرئيس أوباما وتناقصها كانت النتائج والتطورات السلبية التي حدثت بعد ذلك متوقعة. فقد ارتفعت أعداد القتلى وتدفقت موجات اللاجئين والمهاجرين وتعززت الأنظمة غير الديمقراطية – من موسكو إلى بكين.
بوسطن جلوب





كلمات دالة

aak_news