العدد : ١٥١٥٣ - الأربعاء ١٨ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٣ - الأربعاء ١٨ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ محرّم ١٤٤١هـ

شرق و غرب

الغرب ووهم الانفتاح الإيراني

بقلم: جون بيير ميشيل *

الخميس ٢٨ أبريل ٢٠١٦ - 03:00



تبددت الأوهام التي علقها الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية على إمكانية حدوث انفتاح في صلب الجمهورية الإسلامية الإيرانية عقب التوقيع على الاتفاق النووي ما بين مجموعة 5+1 بقيادة واشنطن ونظام طهران.
علق الكثير من المستثمرين أيضا الكثير من آمالهم على إمكانية اعتدال نظام طهران حتى يتسنى لهم العودة إلى السوق الإيرانية غير أن التصريحات الأخيرة التي صدرت على لسان مرشد الجمهورية الإسلامية علي خامنئي قد خيبت كل الآمال، ناهيك عن إطلاق قوات الحرس الثوري للصواريخ، وهي مؤشرات تبعث على القلق في صفوف أولئك الذين راهنوا على أن نظام طهران سيصبح أكثر رصانة واستقرارا. لقد خاب ظن هؤلاء جميعا حيث إن نظام طهران لا يزال يثير الجدل كما أنه ظل محتفظا بطبيعته البعيدة عن التوقعات.
يبلغ علي خامنئي السادسة والسبعين من عمره وقد ظل مهووسا بالحديث عن «التدخلات الخارجية» و«توشيه طبيعة الجمهورية الإسلامية» وهي ذات العبارات التي كررها في يوم 30 مارس 2016 عندما قال: «... إن أعداء الثورة الإسلامية يستخدمون الحوار والتجارة والتهديدات العسكرية وكل الوسائل الأخرى من أجل ضرب مصالحنا، لذا يجب علينا أن نكون قادرين على الدفاع عن أنفسنا في كل هذه المجالات.. إن أولئك الذين يؤكدون أن المستقبل يكمن في المفاوضات وليس في الصواريخ إنما هم جهلة أو خونة».
بعث علي خامنئي بهذا الرسالة على موقعه الرسمي بعد ساعات قليلة من تدخل فرنسا وبقية الحلفاء الغربيين في منظمة الأمم المتحدة على خلفية التجارب الصاروخية التي أجراها نظام طهران. فقد أقدمت قوات الباسدران على تجربة صاروخ يبلغ مداه 1400 كلم.
في الرسالة التي بعث بها الغربيون إلى الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة اعتبروا أن تلك التجارب الصاروخية «استفزازية ومزعزعة للاستقرار كما أنها تنتهك القرار الدولي رقم 2231 لسنة 2015».
يذكر أن القرار الدولي 2231، الصادر عن مجلس الأمن الدولي، ينص على رفع أغلب العقوبات الدولية المفروضة على نظام طهران غير أنه يبقي على البند الذي يحظر على نظام طهران إجراء أي تجارب على الصواريخ القادرة على حمل رؤوس نووية. لقد شدد الغربيون في الرسالة المذكورة في شهر مارس الماضي على أن صواريخ «شهاب 3 وقيام 1» التي أطلقت في شهر مارس 2015 قادرة فعلا بحكم تصميمها على حمل رؤوس نووية.
ماذا عن الاستثمار في إيران إذن؟
إن الجدل الذي أثارته التجارب الصاروخية وتصريحات علي خامنئي لن تؤدي إلا إلى تأخير عودة الثقة للشركات والمؤسسات الأوروبية الراغبة في الاستثمار في إيران غير أنها محبطة بسبب الإشارات المقلقة القادمة من طهران.
يبدو أن علي خامنئي لن يسلم بالواضع الجديد لما بعد إبرام الاتفاق النووي وهو سيظل يقاوم ما يسميه التغلغل الأجنبي في بلاده وقد أعاد التأكيد يوم 20 مارس 2016 في رسالته بمناسبة السنة الفارسية الجديدة على تأييده القوي لمفهوم «اقتصاد المقاومة» من أجل التصدي لدعاة «الانفتاح».
قال علي خامنئي في رسالته: «يجب أن يكون عام 1395 سنة اقتصاد المقاومة والعمل والتنفيذ. يجب على الجمهورية الإسلامية أن تتخذ الإجراءات اللازمة كي تخفف من هشاشتها في مواجهة الأعداء ومخططاتهم».
لا شك أن تعالي أصوات المتطرفين في طهران ومثل هذه المواقف والرسائل المتتالية التي يوجهها علي خامنئي تعزز الشكوك في قدرة نظام طهران على تحقيق الانفتاح الحقيقي. إن تنفيذ البند المتعلق برفع العقوبات لا يمكن أن يتحقق إلا بتوافر ضمانات بالتهدئة السياسية وعودة إيران إلى تبني الممارسات الحضارية.
في الأثناء لا يزال نظام الملالي كدأبه دائما يشن حملة داخلية مسعورة لقمع الشعب الإيراني، ناهيك عن أن تقارير منظمة الأمم المتحدة وتقارير منظمات حقوق الانسان تظهر أن إيران تمتلك الرقم القياسي من حيث معدل الاعدامات. في الأثناء يظل العشرات يقبعون في سجون نظام طهران من صحفيين ونشطاء حقوق الانسان والنشطاء النسويين والمعارضين السياسيين في تنظيم مجاهدي خلق وغيره من التنظيمات الأخرى.
أما على المستوى الخارجي فإن النظام الثيوقراطي في طهران لا يزال يدعم ديكتاتور دمشق ويشارك في المعارك ضد المعارضة السورية المعتدلة وتقتيل أبناء الشعب السوري. أما في اليمن ولبنان والبحرين والعراق فإن إيران لا تزال كعهدها دائما تدعم المتطرفين في الداخل وتؤجج الصراعات المحلية والإقليمية، من دون أن ننسى الاستفزازات البالستية عقب إبرام الاتفاق النووي.
لم تتوافر الظروف الملائمة لأصحاب المال والأعمال في إيران في ظل استمرار ذات السياسات التي ينتهجها نظام طهران. يجب أن نتحدث عن التحديات الأخرى التي تتعلق بالنظام البنكي الإيراني الذي يظل حتى اليوم مرتبطا بتنظيف الأموال ودعم الإرهاب.
إن الشركات التي ترغب في الاستثمار في إيران لا تزال متخوفة من العقوبات المفروضة على جهاز الباسدران، والذي يمثل الجيش العقائدي والحرس الوفي للمرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية علي خامنئي والذراع الطويلة لضرب كل صوت معارض. لا يزال جهاز الباسدران صنفا في قائمة المنظمات الإرهابية في الولايات المتحدة الأمريكية التي تحظر تمكينه من أي خدمات مصرفية ومالية. يظل جهاز الباسدران المقرب من علي خامنئي يسيطر على 50% من مقدرات الاقتصاد الإيراني. يعمل جهاز الباسدران على التخفي بأشكال عديدة يصعب أحينا التفطن إليها.
آفة تأكل النظام الإيراني من الداخل
لا شك أن نظام المرشد الأعلى يعاني من عدم قدرته وعجزه عن إصلاح نفسه بنفسه. فكل انفتاح على الخارج أو تراخٍ إنما يعتبر في نظر نظام طهران خطرا يتهدد وجود الجمهورية الإسلامية في بلد عرف انتفاضة شعبية كبيرة سنة 2009.
إن نظام طهران يعاني من قلة شعبيته وهو يعتمد على القمع والرقابة، وهو يدل على هشاشته وعدم استقراره، ناهيك عن أن علي خامنئي قد أصيب مؤخرا بانتكاسات متتالية في الانتخابات البرلمانية وانتخابات مجلس الخبراء وقد بات يخشى على مستقل النظام العقائدي الذي وضع أسسه الخميني منذ سنة 1979.
اعتبر بعض المحللين أن التجارب الصاروخية البالستية التي أجرتها إيران مؤخرا كي تستعرض عضلاتها إنما تمثل وسيلة يائسة لجأ إليها علي خامنئي ونظامه وجهاز الباسدران الموالي له من أجل فرض سلطته.
إن هذا الهوس بمستقبل وجود الجمهورية الإسلامية الإيرانية وخطاب نظام طهران المتكرر «خطر التغلغل الغربي» و«مؤامرات الأعداء» إنما يعودان أساسيا إلى حقيقة واحدة: نظام طهران يعيش على هامش القيم الحديثة وهو يقوم على نظرية الحكم المطلق الذي يجسده شخص واحد. يتعلق الأمر بالمرشد الأعلى الذي تتعالى الأصوات في إيران من بين معارضيه لتنحيته وإلغاء الفلسفة التي يقوم عليها نظام الحكم في طهران والذي يفتقر إلى أدنى شروط الحكم الرشيد.
يجد نظام طهران اليوم نفسه أمام إشكالية صعبة - فالانفتاح يعني التخلي عن فكرة ومفهوم المرشد الأعلى قبضة جهاز الباسدران. إن مثل هذا التمشي سيمثل علامة ضعف في علاقة النظام بالشعب الذي ينتظر الفرصة السانحة كي يتخلص من هذا النظام الذي يعيش على هامش الحداثة.
* جون بيير ميشيل، نائب برلماني وسيناتور فرنسي سابق
هافنجتون بوست






كلمات دالة

aak_news