العدد : ١٥٣٠٩ - الجمعة ٢١ فبراير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٧ جمادى الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٠٩ - الجمعة ٢١ فبراير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٧ جمادى الآخر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

الأمن الغذائي والإنتاج الزراعي في الخليج

بقلم: د. محمد عيسى الكويتي *

الأربعاء ٢٧ أبريل ٢٠١٦ - 03:40



يصرح المسؤولون الخليجيون في كل محفل وكل ملتقى بضرورة العمل على بلورة تصور متكامل وانطلاق جهود منسقة لحفز نمو اقتصادي شامل مع تكريس مبادئ السلامة والاستدامة البيئية. مثل هذه التصريحات الرسمية في المحافل الدولية والإقليمية تقابلها تصريحات محلية بأننا قطعنا شوطا كبيرا في التنمية الاقتصادية. غير ان الواقع المؤلم هو ان دول الخليج في وضع يعتمد على النفط لتمويل ميزانية الدولة بنسب عالية لا تقل عن 85% في أحسن الأحوال. ومع انخفاض إيرادات النفط دخلت دول الخليج في أزمة وتبدأ في استخدام احتياطياتها والتفكير في فرض ضرائب ورفع الرسوم والدعم عن عدد من السلع الضرورية.
إزاء مثل هذه التصريحات من قبل المسؤولين يطرح السؤال التالي نفسه: ما الذي منع دول الخليج، والبحرين بصفة خاصة، من بلورة تصور متكامل لحفز نمو اقتصادي شامل؟ ولماذا لم يتم تكريس مبادئ السلامة والاستدامة البيئية التي يدعو إليها وزير المالية في اجتماعات الربيع للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي قبل أيام؟
في هذا الجو الذي تخيم عليه أزمة انخفاض أسعار النفط، والكلام المتكرر من قبل المسؤولين في المحافل الدولية والإقليمية عن ضرورة العمل وأهمية التكامل والمحافظة على البيئة وحق الأجيال القادمة وتهديد الأمن الغذائي الخليجي والفقر المائي، تبرز بين الحين والآخر بوارق أمل في إمكانية تنمية زراعية. بوارق الأمل هذه تجعلنا نتساءل لو حظيت الزراعة باهتمام دول مجلس التعاون، وضاعفت من التوجه نحو البحث العلمي في مجالات زراعية متنوعة وضخت أموالا في الدول الخليجية مثل سلطنة عمان والإمارات وكذلك في اليمن، وعملت على تنمية القدرات واستخدام التكنولوجيا الحديثة، ماذا لو حدث ذلك؟ كيف سيكون الوضع الآن بالنسبة للأمن الغذائي في الخليج؟
في «منتدى التنمية الزراعية» الذي عقد في البحرين في 19 أبريل الجاري بتنظيم من جامعة الخليج العربي بالتعاون مع البلديات والمبادرة الوطنية لتنمية القطاع الزراعي، ترى الأمين العام للمبادرة الوطنية لتنمية القطاع الزراعي، الشيخة مريم بنت عيسى آل خليفة، أنه بإمكان القطاع الزراعي المساهمة في الأمن الغذائي على مستوى البحرين لو اتبعت عددا من التوصيات، وذكرت 29 توصية، منها المحافظة على ما تبقى من الرقعة الخضراء وحماية الأراضي الزراعية، رفع مستوى البحث العلمي في مجالات الزراعة، تركز هذه البحوث على استخدام المياه المعالجة والمياه الرمادية في الري الزراعي، وتطوير الزراعة الحديثة من دون تربة. كما عبرت الباحثة ثريا المنصوري، في نفس المنتدى، عن قلة اهتمام دول الخليج بالقول «إن عدد الأبحاث الزراعية عشرة فقط من مجموع 5800 بحث في مواضيع مختلفة.
ويضيف بعض المزارعين ان في عام 2016 لوحدها تم تجريف 7 مزارع كبيرة كانت تساهم في الإنتاج الزراعي تم توزيع الأراضي إلى قسائم سكنية بالرغم من وجود أراض قريبة خالية يمكن استخدامها للسكن. هذا يعبر عن تدني التعاون بين القطاع الإنتاجي (الصناعي والزراعي) وبين البحث العلمي في الجامعات. وبالرغم من هذا القصور الرسمي نجد ان هناك تجارب في البحرين واهتماما شخصيا من قبل جمعيات أهلية وعدد كبير من الأشخاص منهم مثلا الأستاذ عبدالحميد عبدالغفار والدكتور حسين المهدي وآخرون يكرسون الكثير من وقتهم وأموالهم لزراعة الساحات في المساجد وبعض المناطق العامة ومساعدة المزارعين باستخدام بعض تقنيات الزراعة الحديثة.
هذه التوصيات والتجارب ليس بالضرورة كل ما يحتاج إليه القطاع الزراعي ولكن اهتمام الحكومات، في البحرين على الأقل، لو توجه إلى هذا الجانب سوف يخرج برؤية أكثر تكاملية لتنمية القطاع الزراعي على مستوى البحرين والدفع به ليكون مشروعا خليجيا.
من هذه التجارب ذكرت الصحافة المحلية تجربة المهندس عبدالكريم حسن الذي تخلى عن وظيفته الحكومية كمهندس مدني قبل خمسة أعوام وتحول إلى الزراعة بمشروع صغير «الحدائق المعلقة للإنتاج الزراعي» على ارض صغيرة في إحدى قرى البحرين. واليوم يدير شركة عالمية كورية متخصصة في تكنولوجيا الزراعة. أنشأ مزرعته على ارض للأوقاف وحصل على تمويل من «تمكين» وبنك البحرين للتنمية (بالرغم من صعوبة الإجراءات في توفير الضمان المالي)، وتعاون مع شركة محلية للتسويق في الخليج. هذه الشركة تنفذ الآن مشروعات مماثلة في الخليج.
هذه التجارب والجهود من قبل هواة ومزارعين وبعض الجمعيات الأهلية لن تتمكن من معالجة قضية الأمن الغذائي في البحرين والخليج لكنها توضح من دون شك ان الإمكانيات متوافرة في المساهمة في نجاح نسبي في الأمن الغذائي الخليجي. لكن الأمر يحتاج إلى وعي رسمي بجسامة القضية وخطرها على الأمن القومي. لا تزال مساهمة قطاع الزراعة في البحرين لا تتجاوز 2% من الناتج المحلي، ولا تزال أراض صالحة للزراعة لم يتم استغلالها، ويواجه قطاع الزراعة تقليصا في ميزانيته.
إن الأراضي الزراعية في المنطقة ليست قليلة. تتمتع سلطنة عُمان مثلا بمساحة غير قليلة من الأراضي الزراعية وكذلك اليمن، كما توجد في الإمارات (رأس الخيمة مثلا) أراض يمكن استغلالها للزراعة وكذلك في المملكة العربية السعودية. ما ينقصنا هو الاهتمام الرسمي ووضع رؤية خليجية بدلا من تحويل الأراضي الزراعية إلى أبراج صخرية لسكن الأجانب. لذلك فإن التحدي الكبير الذي يواجه قطاع الزراعة هو مواجهة الجشع والفهم المنحرف للتنمية من قبل المسؤولين على أنها بناء ونهضة عمرانية في حين أنها لا تتعدى تحويل موارد حية إلى خرسانة صماء سوف نعجز عن صيانتها في المستقبل القريب. إذا لم نتدارك الوضع وتبدأ الحكومات بتنفيذ ما يقوله المسؤولون في كل مناسبة «إطلاق جهود منسقة لحفز نمو اقتصادي شامل مع تكريس مبادئ السلامة والاستدامة البيئية» فإن الوضع سيكون صعبا.
mkuwaiti@batelco.com.bh





كلمات دالة

aak_news