العدد : ١٥٥٢٠ - السبت ١٩ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٢ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢٠ - السبت ١٩ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٢ صفر ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

المهاجرون ما بين أمريكا وأوروبا

بقلم: د.جيمس زغبي *

الثلاثاء ٢٦ أبريل ٢٠١٦ - 03:00



لقد بات واضحا أن أوروبا تعاني من معاداة السامية والإسلاموفوبيا وانعدام التسامح مع المهاجرين. سعيا لمعالجة هذه المشاكل المقلقة فقد نظمت اللجنة الأمريكية للحريات الدينية العالمية التي أنتمي إليها حلقة نقاشية مع المسلمين واليهود الأوروبيين.
لقد أبديت بعض الملاحظات في نهاية تلك الحلقة النقاشية وقد قلت على وجه الخصوص إن الولايات المتحدة الأمريكية قد تعطي نموذجا مهما غير أن ذلك لا يعني أنه يحق لها أن توجه أصابع الاتهام لأن الولايات المتحدة الأمريكية نفسها تعاني بدورها من مظاهر معاداة السامية والإسلاموفوبيا.
لقد أظهرت الأرقام الاحصائية الصادرة عن الشرطة الفيدرالية الأمريكية أن 58% من جرائم الكراهية على أساس ديني كانت موجهة ضد اليهود، مقارنة بنسبة 17% الموجهة ضد المسلمين. أما التقرير الصادر سنة 2015 عن المركز القانوني الجنوبي فقد أظهر أن هناك 34 جماعة معادية للمسلمين تنشط في الولايات المتحدة الأمريكية، إلى جانب عشرة تنظيمات تنكر المحرقة اليهودية – الهولوكوست – و19 منظمة «مسيحية الهوية» معادية للسامية.
رغم أن هذه التنظيمات المعادية للسامية خطيرة فهي تنشط على هامش المجتمع، فقد أصبحت منبوذة كما أنها لم تجد أي مكان لها في الخطاب السياسي السائد في الولايات المتحدة الأمريكية. رغم ذلك، فإن تأثير هذه الجماعات ملموس من خلال مئات جرائم الكراهية التي تؤججها وتحرض عليها.
هذا لا ينطبق على الخطاب والسلوكيات والتصرفات المعادية للمسلمين. رغم أن الكثير من الجماعات المعادية للمسلمين تنفث سمومها وكراهيتها في الزوايا المظلمة فإن الخطاب المعادي للمسلمين قد وجد طريقه إلى الخطاب السياسي الرسمي في الولايات المتحدة الأمريكية وهو ما تسبب في خلق مناخ سياسي سلبي للمسلمين الأمريكيين.
في سنة 2010 على سبيل المثال أطلقت حملة وطنية من أجل التصدي للجهود الرامية إلى بناء مركز مجتمعي في جنوب حي مانهاتن. في سنة 2012 أعلن خمسة من المرشحين للانتخابات الرئاسية أنهم لن يسمحوا لأي مسلم بالعمل في إداراتهم قبل أن يؤدي قسم الولاء للولايات المتحدة الأمريكية. في الانتخابات الرئاسية الجارية هذه السنة دعا أبرز المرشحين للانتخابات الرئاسية إلى فرض حظر على جميع المهاجرين المسلمين الراغبين في الدخول إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
لقد وجدت الحملة المعادية للمسلمين طريقها إلى الولايات المتحدة. فمنذ سنة 2010، وضعت المجالس التشريعية في 36 ولاية أو هي بصدد وضع قوانين ترمي إلى منع تطبيق الشريعة الإسلامية – وهو أمر يثير الغرابة لأنه لا أحد تقدم باقتراح لسن قانون يبيح تطبيق الشريعة الإسلامية في الولايات المتحدة الأمريكية. لقد قامت هذه الحملة المغرضة ببساطة على إثارة المخاوف وهي تتخذ من الجالية الإسلامية وقودا لتأجيج المشاعر المعادية للإسلام والمسلمين.
لقد تسببت حملة التحريض المغرضة في تداعيات كارثية على الرأي العام الأمريكي. ففي سنة 2010 أظهرت استطلاعات الرأي أن الرأي العام الأمريكي كان في أغلبه لا يزال يحمل موقفا إيجابيا تجاه المسلمين الأمريكيين – 48% موقفهم إيجابي في مقابل 33% يحملون موقفا سلبيا من المسلمين. مع حلول سنة 2015 أصبحت نسبة الايجابيين لا تتجاوز 33% في مقابل 37% يتخذون موقفا سلبيا معاديا للمسلمين.
لقد تركت هذه الحملة أثرا سلبيا على المواقف الموجهة ضد المسلمين. لقد أثرت بصفة عامة اتجاهات الرأي العام الأمريكي ضد المهاجرين القادمين من الدول الإسلامية. نتيجة لذلك أصبحت مواقف الأمريكيين لا تختلف في شيء عن مواقف بعض الأوروبيين الذين يعادون المسلمين ولا يعاملونهم بكل تسامح.
في استطلاع الرأي الذي أجرته مؤسسة زغبي لخدمات البحوث في ست دول أوروبية والولايات المتحدة الأمريكية اتضح لنا أنه، وباستثناء المملكة المتحدة – فإن أغلب الناس يرحبون بقوة بالمهاجرين الأوروبيين غير أن أغلب الناس في كل دولة من هذه البلدان تعارض استقبال المهاجرين المسلمين.
لدينا إذن مشكلة مشتركة. هناك أيضا دروس يمكن أن نتعلمها من التجربة الأمريكية التي قد تكون مفيدة للأوروبيين. رغم المناخ السلبي السائد في الوقت الراهن، والذي تسبب به دعاة الإسلاموفوبيا والمتعصبون، فإن الولايات المتحدة الأمريكية قد استطاعت من قبل أن تشق طريقها وتتغلب على نزعات انعدام التسامح وأمكنها أن تصلح بالتالي أخطاءها. يمكن أن نجد الحل في طبيعة الهوية الأمريكية التي أثبتت قدرتها على استيعاب الجميع.
لقد جاء المهاجرون من مختلف أنحاء العالم إلى الولايات المتحدة الأمريكية – وتجشموا الصعاب في البداية قبل أن يصبحوا بعد ذلك «أمريكيين». في منتصف القرن التاسع عشر، أضرمت النار في الكنائس الايرلندية والكاثوليكية ومنازل المهاجرين الايرلنديين حتى تحولت إلى ركام ورماد. تعرض المهاجرون القادمون من أوروبا الشرقية والوسطى إلى الشيطنة واعتبروا مجرد «كسالى وسكيرين».
اعتبر المهاجرون السوريون «حشرات» و«قمامة» فيما تعرض المهاجرون الايطاليون للشنق في الجنوب في مطلع القرن العشرين كما تعرضوا للاضطهاد واعتبروا فوضويين ومخربين.. أما اليهود فقد كانوا يوصفون بأنهم اشتراكيون أو شيوعيون. كان الأمريكيون من أصل ألماني وإيطالي وياباني يتعرضون للاعتقال ويزج بهم في السجون في فترة الحرب العالمية الثانية.
لم تتوقف الحكاية عند ذلك الحد. فرغم الحملات التي يشنها المتعصبون فإن العامل العرقي لم يكن سهلا كما أن بعض الأطراف ظلت ترفض قدوم الجماعات الجديدة من المهاجرين – لكن في النهاية كان المتعصبون دائما يخسرون معاركهم كما أن مسألة اكتساب الجنسية الأمريكية كانت دائما تنتصر في نهاية المطاف.
لقد تحولت مسألة اكتساب الجنسية الأمريكية إلى ما يشبه الكيمياء وهو ما أسهم في تطور الولايات المتحدة الأمريكية. مع تدفق موجات من المهاجرين الذين أصبحوا أمريكيين تغيرت فكرة الهوية الأمريكية. لا يمكن اليوم أن نتحدث عن الثقافة أو الموضة أو الموسيقى أو تقاليد الطبخ الأمريكية من دون أن نلمس بصمة الايرلنديين والبولنديين والألمان والايطاليين والأفارقة والاسبان واليهود والعرب أيضا.
هذه القدرة على استيعاب الجميع في بوتقة واحدة هي أكبر ما يميز الولايات المتحدة الأمريكية عن التجارب الأوروبية. هذه مسألة بالغة الأهمية لأنها مثل بصيص النور في آخر النفق وتعكس التنوع العرقي في الولايات المتحدة الأمريكية.
لقد جربت هذا كله من خلال حياتي الخاصة وحياة الجالية التي أنتمي إليها. رغم الخطاب الذي يروجه اليوم أمثال دونالد ترامب وجنجريتش وتيد كروز ومن لف لفهم فإن التغيير سيأتي في غضون جيل. تتمثل المشكلة في أن هذا المسار الذي يميز الولايات المتحدة الأمريكية لا ينطبق بعد على أوروبا. فرغم مرور ثلاثة أجيال على وجود الباكستانيين في المملكة المتحدة ومهاجرين من شمال إفريقيا في فرنسا والأكراد في ألمانيا فإنه لا يزال ينظر إليهم على أنهم أجانب.
لقد تجلى هذا الواقع الأليم من خلال مقال رأي نشر في صحيفة نيويورك تايمز وقد عبر من خلاله ضياء حيدر الرحمن عن خيبة أمله الكبيرة لأن الناس لا يزالون يسمونه «البنغالي» رغم أنه يحمل جواز السفر البريطاني ولا يملك جواز سفر بنغالي.. بل إنه لا يتحدث اللغة البنغالية وقد تلقى تعليمه في بريطانيا وظل يعمل على مدى الأعوام الماضية في بريطانيا.
يختتم ضياء حيدر الرحمن قائلا: «إن بريطانيا تعاني من مشكلة ثقافية راسخة في العلاقة مع الآخرين، الأمر الذي يجعل السكان الأصليين يجدون صعوبة كبيرة في اعتباري «مواطن بريطاني».
رغم هذه المشكلة التي نشترك فيها مع أوروبا فإن للولايات المتحدة الأمريكية أن تقدم الدرس وترسي النموذج. قد يتطلب هذا الأمر بعض الوقت – كما هو الشأن في كل عصر – لأن المتعصبين سيظلون يعيشون بيننا، غير أن مهاجرينا وأطفالنا يصبحون في نهاية المطاف أمريكيين ويساهمون بالتالي في تغيير معنى أن تكون أمريكيا.
اسألوا باراك أوباما وبيرني ساندرز ولين بانيتا ونورم مينيتا. بل اسألوا شخصا ينحدر من عائلة سورية-لبنانية مهاجرة بشكل غير قانوني، وقد أصبح أمريكيا في نهاية المطاف.
* رئيس المعهد العربي الأمريكي





كلمات دالة

aak_news