العدد : ١٥٠٦٧ - الاثنين ٢٤ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ شوّال ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٦٧ - الاثنين ٢٤ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ شوّال ١٤٤٠هـ

شرق و غرب

أي مستقبل لليبيا؟

بقلم: مارلين دوما

الاثنين ٢٥ أبريل ٢٠١٦ - 03:00



تحاول حكومة الوفاق الوطني المدعومة من منظمة الأمم المتحدة والتي يرأسها فايز السرج تعزيز وجودها في العاصمة الليبية طرابلس فيما تظل الفصائل والمليشيات المسلحة تنهش جسد البلاد وتتخذها رهينة بين أيديها، بينما يظل تنظيم الدولة الإسلامية - داعش - يتمدد ويهدد وحدة البلاد ومستقبلها برمته. منذ الأحداث التي عمت ليبيا سنة 2011 والتي أدت إلى سقوط نظام العقيد معمر القذافي، الذي أمضى 42 سنة في الحكم، لا تزال ليبيا، أو الجماهيرية كما كان يسميها القذافي، تجد صعوبة كبيرة في الوقوف من جديد على رجليها. أجريت أول انتخابات تشريعية سنة 2012 وقد اعتبرت آنذاك نجاحا كبيرا غير أنها لم تساعد البلاد على طي صفحة الماضي والتقدم بالتالي إلى الأمام. أظهر المسؤولون الليبيون في السلطتين التنفيذية والتشريعية أنهم غير قادرين على إيجاد أرضية تفاهم مشتركة تمكنهم من حسن إدارة المرحلة كما أنهم اصطدموا جميعا بتنامي الجماعات والفصائل المسلحة، إضافة إلى الصراعات القبلية والفساد وتفاقم ظاهرة الإرهاب. هل تنجح حكومة الوحدة في أن تفرض نفسها؟ لا شك أن المهمة التي تواجهها حكومة الوحدة الوطنية صعبة وحساسة. لقد ولدت هذه الحكومة من رحم اتفاقيات الصخيرات في المغرب وقد أوكلت إليها الآن المهمة الثقيلة التي تتمثل في قيادة ليبيا إلى شاطئ السلام في غضون سنة قابلة للتجديد ومساعدتها بالتالي على التحول إلى دولة ديمقراطية تتمتع بدستور جديد.
سيكون على هذه الحكومة الليبية الجديدة أن تضع حدا لتنامي تنظيم «داعش» بمساعدة مأمولة ومرغوبة من المجتمع الدولي والغربيين. يتعين على هذه الحكومة أن تفرض نفسها، ذلك أن «حكومة الإنقاذ الوطني» في طرابلس وحكومة البيضاء ترفضان تسليم السلطة وقد ظلتا تتصارعان منذ سنة 2014. تعتبر الحكومة الأولى أنها هي الضامن وصمام الأمان لما تسميه «ثورة 2011» وهي تتركب أساسا من الإسلاميين.
أما الحكومة الثانية فهي أكثر اعتدالا وقد ضمت إليها بعض الرموز القذافية السابقة. بعيدا عن هذه التناقضات الآيديولوجية الحادة فإنّ الراديكاليين في كلا المعسكرين يعتبرون أن هذه الحكومة الجديدة التي يرأسها فايز السراج فاقدة للشرعية. فاتفاقيات الصخيرات تنص فعلا على ضرورة أن تنال هذه الحكومة الجديدة موافقة برلمان طبرق المعترف به دوليا والذي يؤدي حكومة البيضاء. في الانتظار وصلت هذه الحكومة برئاسة فايز السرج يوم 30 مارس إلى العاصمة الليبية طرابلس، قادمة من تونس وهي توجد اليوم في قاعدة بحرية تحت حراسة مشددة.
ما هي القوى المسلحة الموجودة الآن في ليبيا؟
يقول أحد سكان العاصمة طرابلس وقد بلغ به اليأس والإحباط مبلغه: «إن كل ليبي تعترضه اليوم هو في حد ذاته مليشيا». هذا الكلام غير بعيد عن الحقيقة بالمرة. فقد أصبحت الجماعات الإرهابية المتطرفة تعد اليوم بالآلاف. ففي شهر نوفمبر الماضي أظهر تقرير أنه يوجد في ليبيا 125 ألف شخص مسلح من أفراد العصابات والمليشيات إضافة إلى أكثر من 20 مليون قطعة سلاح - أي بحساب أربعة أسلحة لكل مواطن ليبي.
تتشكل بعض هذه المليشيات المسلحة حول آيديولوجية معينة أو قبيلة أو مدينة أو زعيم وعي تتقاضى رواتب من الدولة الليبية وتتحرك في البلاد بكل استقلالية غير أنها قد تتبنى قضية ما وتدافع عنها.
عندما أطلق الجنرال المتقاعد خليفة حفتر عملية «الكرامة» في مايو 2014 من أجل تطهير مدينة بنغازي من الإسلاميين الإرهابيين وجد التأييد من عدد كبير من هذه المليشيات. في شرق ليبيا يطلق على هذه القوات «الجيش الوطني الليبي» غير أنه يتركب في الحقيقة من عديدي الفصائل والتنظيمات وهي ليست بالضرورة مؤيدة بالكامل للجنرال حفتر. يقول أحدهم: «نحن نقاتل اليوم مع الجنرال حفتر لكن ما أن تنتهي الحرب بانتصارنا فإننا سننقلب عليه».
أما في غرب إفريقيا، فإنّ تنظيم «فجر ليبيا» - أي جماعة الإخوان المسلمين، ظل يسيطر منذ سنة 2014 على أغلب المناطق الواقعة في غرب ليبيا. بدأ هذا الائتلاف الاخواني يتحلل ويتفكك خلال الأشهر القليلة الماضية تحت تأثير مفاوضات الصخيرات في المغرب تحت إشراف منظمة الأمم المتحدة. أصبحت بعض الكتائب التابعة لفجر ليبيا الاخوانية تعترف بالحكومة الليبية الجديدة، بل وتتولى حمايتها، فيما تظل بعض الكتائب الأخرى ترفض الاعتراف بها.
هل يمكن أن يسيطر تنظيم داعش على ليبيا؟
لقد أصبح تنظيم داعش الإرهابي يتمدد في ليبيا وينخر جسد «الجماهيرية» سابقا. بدأ ظهور هذا التنظيم الإرهابي في موفى سنة 2014 في ليبيا وقد اتخذ من مدينة «درنة» في شرق ليبيا معقلا له قبل أن ينتقل إلى منطقة سرت في وسط ليبيا على ضفة البحر الأبيض المتوسط.
يسيطر تنظيم داعش اليوم على منطقة تمتد على مسافة 250 كلم عرضا وتحيط به مجموعة من التنظيمات المتطرفة المسلحة التي تحاول أن تحتوي هذا التنظيم. يضم تنظيم داعش في ليبيا اليوم ما بين 4000 و6000 رجل وذلك وفق الأرقام الإحصائية التي صدرت عن قيادة القوات الأمريكية في إفريقيا.
لا شك أن هذه الأرقام تقديرية وأولوية وهي في ارتفاع مستمر في ظل التطورات الأخيرة في كل من سوريا والعراق. يأتي هؤلاء المسلحون عبر البحر والجو ومن دول الجوار وفق الأجهزة الأمنية الليبية نفسها التي تعترف بمدى صعوبة مراقبة الحدود المترامية الأطراف.
يستبعد أن ينجح تنظيم داعش في التمدد والسيطرة على كامل المناطق الليبية. فمساحة ليبيا أكبر من مساحة فرنسا مرتين ونصف ويوجد على أراضيها عديد من التنظيمات والمليشيات الإسلامية المتطرفة والمتناحرة فيما بينها.
في شهر يونيو الماضي، تم طرد تنظيم داعش الإرهابي من مدينة درنة من قبل تنظيمات مقربة من القاعدة. في البداية كان تنظيم داعش يلقى القبول نسبيا من سكان مدينة سرت التي همشها «الثوار» بدعوى أنها موالية للقذافي غير أن هذا الوضع قد يتغير ليطرد تنظيم داعش مرة أخرى من مدينة سرت الليبية.
في مطلع سنة 2016، شهدنا عديدا من الجماعات المتناحرة فيما بينها في ليبيا - حرس المنشآت النفطية يدعمون حكومة البيضاء فيما تؤيد كتائب مصراتة حكومة طرابلس الاخوانية. صحيح أن تنظيم داعش لا يسيطر على كامل البلاد أو حتى على جزء كبير منها غير أنه يظل قدرة كبيرة على إثارة القلاقل والتوترات. تكررت الهجمات التي تستهدف المنشآت الحيوية، وخاصة منها المنشآت النفطية، الأمر الذي ألحق ضررا فادحا باقتصاد الذهب الأسود الذي يمثل شريان الحياة في ليبيا. في منتصف شهر فبراير 2016 لم يتجاوز إنتاج ليبيا من النفط 360 ألف برميل يوميا بعد أن كان يفوق مليونا وستمائة ألف برميل يوميا في سنة 2012.
ما مصير القذافيين؟
سجلت الساحة الليبية بداية عودة أنصار النظام الليبي السابق. ففي يوم 12 ابريل أعلنت وسائل الإعلام الليبية وصول الطيب السافي الذي كان يعتبر أحد الأيادي اليمنى للعقيد معمر القذافي. بعد أن أمضى سنوات طويلة في المنفى كلفه العقيد القذافي بالتصدي لمظاهرات سنة 2011 وقد استقبلته اليوم قبيلة كبيرة وقوية قرب مدينة طبرق لدى عودته من الخارج.
كذلك نجد أن بعض الشخصيات المقترحة اليوم لتولي مناصب وزارية في الحكومة الليبية الجديدة متهمون بدعم الجماهيرية الليبية من قبل في عهد معمر القذافي. تروج إشاعات منذ عدة أشهر بأن سيف الإسلام القذافي يتمتع بكامل حريته في مدينة الزنتان.
في سنة 2011 قبض على سيف الإسلام القذافي وأصبح سجينا في مدينة الزنتان الصغيرة وهو ابن العقيد الراحل معمر القذافي وقد حكم عليه بالإعدام غيابيا في الصيف الماضي. في الحوار الذي أجرته صحيفة لوفيجارو في شهر ابريل قال أحمد قداف الدم، وهو ابن عم معمر القذافي، أنه يستطيع تعبئة 70 ألف رجل من مصر وتونس حيث يعيش الكثير من أنصار العقيد القذافي في المنفى.
يتعين أن تتركز الجهود في المستقبل القريب على توحيد الليبيين في وجه تنظيم داعش وبقية الجماعات الإسلامية الإرهابية الأخرى بمختلف مشاربها. يتهم أحمد قذاف الدم بالازدواجية ولم يغفر له أنه قال سنة 2015 من منفاه في القاهرة أن مقاتلي تنظيم داعش الإرهابي هم «شباب قلوبهم نقية». تلقت بعض الأطراف الليبية هذه التصريحات لتقول إن «القذافيين» يعملون كل ما في وسعهم من أجل زعزعة استقرار البلاد ومن ثم العودة إلى الحكم في طرابلس.
لوفيجارو





كلمات دالة

aak_news