العدد : ١٥١٢٧ - الجمعة ٢٣ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥١٢٧ - الجمعة ٢٣ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

شرق و غرب

حكومة الوفاق الليبية والمهمة الصعبة

بقلم: طارق عثمان

الاثنين ٢٥ أبريل ٢٠١٦ - 03:00




يأتي تشكيل حكومة الوفاق الوطني الليبية ليتوج أشهرا كاملة من المفاوضات المكثفة ما بين الفصائل الليبية المتناحرة، بإشراف من منظمة الأمم المتحدة وعديد من الدول الأوروبية. يبدو الآن أن العديد من المليشيات والقبائل المتنفذة مستعدة للتعامل مع هذه الحكومة الليبية الجديدة.
راحت بعض العواصم الأوروبية تعمل على تشجيع مليشيا مدينة مصراتة القوية على تقديم الدعم السياسي واللوجيستي لحكومة الوفاق الوطني الليبية الجديدة. تحسنت الأوضاع الأمنية في ليبيا خلال الفترة الماضية مقارنة بما كان عليه الوضع خلال الأعوام الثلاثة الماضية، الأمر الذي شجع عديدا من الدول الأوروبية على البدء في إعادة فتح سفاراتها في العاصمة الليبية.
تبدو المؤشرات الاقتصادية في ليبيا في الوقت الراهن مشجعة وفي تحسن مستمر. فرغم الفوضى التي سادت البلاد خلال الأعوام القليلة الماضية فإن عديدا من المؤشرات تظهر أن الصناعة البترولية قادرة على رفع معدلات الإنتاج. رغم أن الأسعار قد تراجعت بأكثر من 60% خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية فإن القدرات التصديرية النفطية تظل تمثل المصدر الرئيس للإيرادات لأي سلطة حكم مركزية تنتصب في طرابلس وتبدأ في تسيير دواليب البلاد، وهي مهمة ليست بالسهلة. يجب أن نأخذ في الاعتبار التأثيرات الإيجابية التي ستنجر عن ضخ استثمارات مهمة من أجل تحسين البنى التحتية للصناعة البترولية في ليبيا.
يتعين مع ذلك على القادة الأوروبيين أن يتوخوا الحذر اللازم. صحيح أن هذه التطورات الجارية في ليبيا مشجعة وتمثل بصيصا من الأمل في محيط إقليمي ودولي قاتم الصورة غير أن البلاد لا تزال تواجه تحديات بالغة الصعوبة والتعقيد. فعلى المدى القصير نشهد اليوم انقسامات كبيرة ما بين برلمان طبرق في شرق ليبيا والمؤتمر الوطني العام المناهض له في طرابلس بغرب البلاد.
هذه الانقسامات الحادة ناجمة عن الاختلافات العميقة حول بعض المفاهيم الأساسية مثل طبيعة النظام السياسي (مركزي أو فيدرالي) إضافة إلى نزعة السعي لحماية المصالح الشخصية لأن كلا البرلمانين يريدان الحفاظ على نفوذهما في المرحلة القادمة من تاريخ ليبيا.
رغم أنها تبدو مشجعة للوهلة فإنّ هذه التطورات الأخرى لا تأتي بحلول للتحدي الأساسي الذي تواجهه ليبيا ما بعد سقوط نظام معمر القذافي سنة 2011 - غياب البنى التحتية المؤسساتية التي يمكن أن تعتمد عليها الحكومة المركزية في طرابلس حتى تكرس السلطة التنفيذية وتمكنها من الاضطلاع بمسؤولياتها وممارسة صلاحياتها.
يصعب في الحقيقة سد هذا الفراغ وإيجاد حلول سريعة لغياب البنى المؤسساتية اللازمة. مهما كان حجم الإيرادات النفطية المالية فإنها لا توفر الحلول العاجلة للتحديات التي تواجهها ليبيا والمشاكل التي تتخبط فيها. هذا ليس بالأمر الغريب. ففي العديد من الدول العربية، نلاحظ أن تدفق رؤوس الأموال وزيادة تدفق الإيرادات النفطية لم تساهم في تحسين الأوضاع بقدر ما زادت في تفاقم المشاكل الناجمة عن سوء الحكم الرشيد أو غيابه الكامل.
إذ لا تتطلب عملية بناء مؤسسات الدولة الوظيفية رؤوس الأموال الكبيرة بقدر ما تتطلب الدعم السياسي الضروري الذي لن يتحقق إلا من خلال المفاوضات الفعالة المستدامة. فبعد كل تلك الصراعات السياسية ومظاهر العنف الدامية التي سادت ليبيا على مدى الأعوام الأربعة الماضية يصعب إرساء مؤسسات تتمتع بالنضج الوظيفي اللازم خلال الأعوام القليلة التي ستتولى خلالها حكومة الوفاق الوطني تسيير شؤون البلاد.
لا شك أيضا أن مناخ العنف والتهديدات الكبيرة المرتبطة بالجماعات الإسلامية الإرهابية المتطرفة لن تختفي بين عشية وضحاها من ليبيا. قبل سنة 2011 لم تشهد ليبيا على مر الأعوام الماضية أي مواجهات عنيفة ما بين العلمانية والإسلام السياسي الذي بات يشكل خطرا كبيرا على المجتمعات العربية التي تنشد التنوير والانفتاح من أجل مسارية متطلبات العصر. فرغم الانتهاكات التي كانت ترتكب في عهد نظام العقيد معمر القذافي فقد كانت ليبيا توفر التعليم الابتدائي والمتوسط والثانوي لأغلب السكان.
مقارنة ببقية الدول المجاورة لها، لم تعانِ ليبيا من مشكلة كبيرة تتعلق بتفشي الأمية كما أن أغلب الليبيين منفتحون على العالم الخارجي. أما تهديد الجماعات الإسلامية الإرهابية المتطرفة فهي تعود أساسا إلى غياب مؤسسات الدولة.
أدى سقوط نظام العقيد معمر القذافي إلى خلق حالة من الفراغ الخطير وهو ما استغلته الجماعات الإسلامية الإرهابية وغير الإسلامية وقد أصبح لها حضور على الساحة الليبية وتستأثر بنسبة كبيرة من الموارد المالية، الأمر الذي يجعل اليوم من الصعب اجتثاثها بعد أن مدت عروقها.
لا شك أن هذه الجماعات الإسلامية الإرهابية ستقاتل سعيا للحفاظ على مواقعها كما أن الجماعات غير الإسلامية الأخرى لن تتخلى بسهولة عن نفوذها الذي اكتسبته بعد سقوط القذافي أو تتخلى عن أسلحتها في وقت تزدهر فيه تجارة السلاح في ليبيا. هذا كله يعني أن السلطة المركزية الليبية لن تكون قادرة في مستقبل قريب على فرض سيطرتها على حركة السلاح في البلاد.
يمكن أن نلمس بصيصا من الأمل في ليبيا ولا بدَّ من العمل على تعزيزه حتى يكبر الأمل وتتسع رقعته. يجب قبل ذلك على صناع السياسة أن ينظروا إلى الوضع في ليبيا بكل موضوعية. فالطريق إلى الأمن والاستقرار في ليبيا سيكون صعبا ومؤلما ومفروشا بالأشواك.
لوفيجارو





كلمات دالة

aak_news