العدد : ١٥٣١٦ - الجمعة ٢٨ فبراير ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٤ رجب ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣١٦ - الجمعة ٢٨ فبراير ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٤ رجب ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

الأسرى.. في دين الإسلام

بقلم:عبدالرحمن علي البنفلاح *

الأحد ٢٤ أبريل ٢٠١٦ - 03:00



أبدى الإسلام تسامحاً مع الأسرى الذين وقعوا في أيدي المسلمين في أول غزوة غزاها الرسول (صلى الله عليه وسلم) والمسلمون في سبيل الله تعالى، حيث أسس رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مبدأً لم تعرف البشرية له مثيلاً في تاريخ حروبها، وهذا المبدأ هو تسامحه مع الأسرى باعتبارهم أناس ضعفاء وقعوا أسرى في أيدي أعدائهم المحاربين لهم، فأخذ مِنْ منْ يقدر على دفع الفداء، وأما الذين لا يملكون ما يفتدون به أنفسهم، وكان يعرف القراءة والكتابة طلب منهم أن يعلموا عشرة من أبناء المسلمين القراءة والكتابة وكان ذلك مقابل أن يحررهم من الأسر، ليس هذا فحسب، بل عاملهم أثناء الأسر أحسن معاملة، قال الله تعالى عن هذه المعاملة: «ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيرا (8) إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكورا (9)» سورة الإنسان.
وأنشأ الإسلام عقداً جديداً بين المسلمين وبين من يقع في أيديهم من الأسرى، وهو عقد ابتدعه الإسلام كحل من حلوله الرائعة والكريمة لتحرير العبيد والقضاء على الرّق، وهذا العقد يوقعه العبد مع سيده يكاتبه فيه على قدر من المال يدفعه إليه ليستعيد به حريته، ومن أجل أن يكون لهذا العقد قوته ونفاذه سجله الحق سبحانه وتعالى في قرآن يٌتلى إلى يوم القيامة، قال تعالى: «وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً حتى يغنيهم الله من فضله والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً وآتُوهُم من مال الله الذي آتَاكُم..» سورة النور33.
ونلاحظ هنا أن القرآن الكريم لم يكتف بإقرار هذا العقد، بل حض المسلمين على معونة المكاتب بالمال ليقصروا زمن بقائه في الرّق، وذلك حين قال سبحانه وتعالى: «.. وآتُوهُم من مال الله الذي آتَاكُم..» النور33.
كما تحدث القرآن عن المشرك حين لا يجد ملاذاً آمناً إلا عند المسلمين، فقال تعالى: «وإن أحدٌ من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون» سورة التوبة6. 
المشرك الذي لا يدين بدين الإسلام عندما تطارده المخاطر، ولا يجد الأمن والأمان إلا عند المسلمين لا ينبذه المسلمون، ولا يسدون في وجهه الأبواب بحجة أنه غير مسلم، بل من واجب المسلمين أن يؤمنوه ويقدموا إليه من حسن الضيافة والرعاية ما يشعره بالأمان، ثم يقرؤون عليه شيئاً من كلام الله تعالى ما يهدئ به من روعه، ويطمئن قلبه لعل الله تعالى يجعل له في ذلك خيراً، فإذا اجتمع عنده الأمن وحسن الضيافة وسمع شيئاً من القرآن، وأنه وجد عند المسلمين ما لم يجده عند غيرهم، فأمره إلى الله تعالى بعد ذلك وشاع بين الناس حسن صنيع المسلمين بالمخالفين لهم حتى وإن كانوا مشركين، ولا يكتفي المسلمون بكل ذلك، بل يسعون جاهدين إلى أن يختاروا له مكاناً آمناً يبلغوه إياه،ويكونوا بعد ذلك قد أدوا ما عليهم من واجب تجاهه كما أمرهم ربهم سبحانه وتعالى، ونلاحظ هنا أن الضمير في (مأمنه) عائد على المشرك، وكأن الآية تقول: عليكم أن توفروا له مكاناً آمناً بشروطه هو لا بشروطكم أنتم، أي مكان يراه هو آمن لا ترونه أنتم أنه آمن.
ومن تعاليم الإسلام الواجب على المسلمين الالتزام بها أنهم في الحرب لا يتبعون الفارين من جند الأعداء ليقضوا عليهم، بل يأمرهم أن يدعوهم وشأنهم لعل الله تعالى يحدث لهم بعد ذلك أمراً. 
بل لقد بلغت عناية الإسلام بالأسرى مرتبة أن جعل لهم في الزكاة، وهي ركن من أركان الإسلام نصيباً في فك رقاب الذين صاروا عبيداً أرقاء بعد وقوعهم في الأسر، قال تعالى: «إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليه والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم» سورة التوبة60.
وكانت السياسة الحكيمة في التعامل مع قضية الرق والرقيق الذين أغلبهم من أسرى الحروب أن قامت أولاً بتجفيف منابع الرّق،أي أنه سد معظم الأبواب التي يأتي منها الرّق، وعدَّد المصارف حين جعل من الكفارات عن بعض الذنوب أو الأيمان عتق رقبة،وكما أسلفنا جعل أحد مصارف الزكاة (وفي الرقاب) والمكاتبة، وهي العقود التي يتم بموجبها استعادة العبد لحريته بعد أن يوفي لسيده ما تعاهدا عليه، وبهذا يكون الإسلام إنما جاء ليشرع القضاء على الرّق لا ليشرع للرق، وهذا هو ديدن الإسلام حين يجد في واقع الناس أنظمة تتعارض مع إنسانية الإنسان، وتحط من قدره، وتهين كرامته.
ولقد عمل الصحابة (رضوان الله تعالى عليهم) بوصايا الرسول (صلى الله عليه وسلم) في الإحسان إلى الأرقاء، وكانوا يعاملونهم أفضل معاملة، فكانوا يطعمونهم مما يطعمون، ويلبسونهم مما يلبسون.
وبقدر حرص الإسلام، وبره بالأسرى، تقوم الأمم التي تصف نفسها بأنها أمم متقدمة، وتحمل لواء الحضارة دون غيرها، تقوم هذه الدول بحرمان الأسير من أبسط حقوقه التي أقرتها له القوانين والأعراف الدولية، بل قامت الولايات المتحدة الأمريكية التي تتزعم هذه الدول بنقل الأسرى من سجونها داخل أمريكا إلى سجون في بعض مستعمراتها اتي لا تخضع لهذه الأعراف وتلك القوانين، وحتى تكون أمريكا مطلقة اليد في معاملة هؤلاء الأسرى دون أن تقع تحت طائلة القانون الدولي ولو أنها لا تعترف بالقوانين والأعراف الدولية وخاصة ما يتعلق منها بالأسرى، لأنها وبعد أن صارت القطب الوحيد الذي يقود العالم جعلت نفسها دولة لا تُسأل عما تفعل، حتى أنها أرادت أن تستصدر قانوناً أممياً يمنع مساءلة الجنود الأمريكيين عما يرتكبونه في دول العالم من جرائم!!.
وتنفيذاً للسياسة الأمريكية الظالمة ما فعلته حين نقلت أسرى الحروب التي خاضتها أمريكا إلى سجون جوانتناموا «وأبوغريب»، وما أنزلته بهم من تعذيب وإهانة لهم دون رادع من ضمير ولا وازع من قانون. 
هذه السجون أنشأتها الولايات المتحدة الأمريكية في مستعمراتها، وهي لا تخضع للقوانين والأعراف الدولية تُمارس فيها أمريكا كل أنواع الظلم والتعذيب والحط من كرامة الأسرى، ولقد رفض وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد أن يضع تعريفاً لأسرى أفغانستان والعراق، وذلك حتى لا يصادف هذا التعريف أو ذاك حقاً من حقوق الأسرى المتعارف عليه دوليا، فتضطر أمريكا لمنحهم هذا الحق وهي كارهه. 
ولأنه لا يوجد هناك توصيف لهؤلاء السجناء، وبالتالي ليست هناك تهمة محددة يحاكمون عليها، ثم إذا ثبتت عليهم تقر لهم عقوبة محددة وزمن محدد لهذه العقوبة يخرجون بعدها من السجن ليمارسوا حياتهم من جديد، وأمريكا الدولة الظالمة الطاغية لا تريد لهم ذلك ولا تتمناه، فضلاً. عن أن هذه السجون تفتقد أبسط المعاملة الإنسانية. 
انظروا إلى ما فعله الإسلام بالأسرى، وكيف عاملهم، وقدَّر لهم إنسانيتهم، وأحسن إليهم وهم أسرى لديه، ولم يمتهن كرامتهم الإنسانية، ولم يغمطهم حقاً من حقوقهم الإنسانية التي كفلتها لهم القوانين والأعراف الدولية المعمول بها في دول العالم إلا أمريكا التي تتحايل على القوانين وتتهرب من الالتزام بها، وكعادة الإسلام وحسن أدبه مع المخالفين له لم يكتف بالوفاء بالحقوق بل زاد على ذلك بأن بذل إليهم الفضل، وذلك لأنّ الإسلام يحكم بشريعة الله تعالى المبرّأة من الظلم والخيانة أما الأمم التي تزعم أنها أمم حضارية، فإنهم يحكمون بشرائع بشرية فيها من الخيانة والحيف ما ينوء بحمله أصحاب الحقوق، وهي في الأغلب الأعم شرائع ظالمة حاقدة.
هذا هو وضع الأسرى في دولة الإسلام في القديم والحديث، وهو وضع لا يتغير بتغير الزمان والمكان، بل هو ثابت ثبات الشريعة الإلهية، راسخ رسوخ الجبال الرواسي،عادل بعدلها، رحيم برحمتها، أما من يزعمون أنهم دول حضارية، فيكفي أن تنظر إلى ما فعلته الولايات المتحدة الأمريكية بهم.
وهكذا سوف يبقى ما فعله الإسلام للأسرى من أعدائه شامة في جبين الدهر يشهد للإسلام بالعدل والإنصاف والتسامح، أما فعلته أمريكا في سجونها: جوانتنامو «وأبوغريب» وغيرها من السجون التابعة للدول الحضارية (المزعومة) فسوف يجلل جبين هذه الدول بالعار، ويكشف باطلها وزيفها للناس.
aalbinfalah@gmail.com





كلمات دالة

aak_news