العدد : ١٥٣١٦ - الجمعة ٢٨ فبراير ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٤ رجب ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣١٦ - الجمعة ٢٨ فبراير ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٤ رجب ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

من مفكرة سفير عربي في اليابان
نهاية عصر.. وإلى أين المستقبل؟

بقلم: د. خليل حسن *

السبت ٢٣ أبريل ٢٠١٦ - 03:00



وأنا أتأمل تداعيات ما سمي بالربيع العربي، أو ما سماه الاقتصادي الأمريكي جوزيف ستجلتز الحائز جائزة نوبل انتفاضة العولمة، منذ طوفان الأحداث في الشرق الأوسط مع بدايات عام 2011، حتى اضطرابات الوول ستريت في الولايات المتحدة، وبظاهرة ما سمي ثورة حزب الشاي، حتى حرائق واضطرابات الشوارع في لندن وباريس ومدريد وباقي الدول الأوروبية، ولتكمل إرهاصاتها بشكل جديد، ولتستمر بإرهاصات حرب أفغانستان والعراق وسوريا وليبيا واليمن ولبنان، بل بأزمة اللاجئين الأوروبية، وبروز اليمين الأوروبي المتطرف، وحتى الأصوات البريطانية ضد الاتحاد الأوروبي، وإلى اضطرابات البرازيل وفنزويلا، وحتى ما نشاهده اليوم من ثورة انتخابية في الولايات المتحدة. ويبدو أن العالم ينتقل من عصر العصرنة، وبناء الدولة، وقيم الحداثة والديمقراطية، إلى نذير عميق بتفكك مجتمعات العولمة، وكل ذلك بسبب إحساس عميق بالظلم، والغضب الشديد، حيث وصل تباين الثراء إلى درجات متطرفة. فهناك 63 ملياردير في العالم، يملكون ثراء بقدر ما يملكه ثلاثة مليارات ونصف المليار من سكان العالم، بل يمتد هذا التباين في الثراء لدول الغرب الديمقراطية، حيث بدأت نسب الفقر فيها تتضاعف، حتى بين البيض، كما أن 0,7% من الشعب الأمريكي يملك أكثر من 40% من ثرائه، بينما يملك 67% من الشعب الأمريكي ما يقارب 3% من هذا الثراء، بل هناك عائلة أمريكية واحدة تملك ثراء يعادل ما يملكه ثلث الشعب الأمريكي، كما أخذت الطبقة الوسطى الغربية تنكمش. فيبدو أن العالم غاضب من تركز الثراء، والسلطة، والتشريعات والقوانين، ولعبة الانتخابات، التي تشتريها حفنة صغيرة، وتلعب بها كما تشاء، لتزداد ثراء على حساب الشعوب، وخاصة بعد أن تقلصت مسؤوليات الحكومة، وتحولت إلى القطاع الخاص، وألغي كثير من القوانين والأنظمة التي تمنع الاحتكار، وتنظم وتراقب القطاع الخاص، بل تحاسبه وتحاكمه. ويبقى السؤال لعزيزي القارئ: هل نحن أمام نهاية عصر الديمقراطية والتنمية المستدامة؟ وما الذي سيلي ذلك؟ هل ستبدع الديمقراطية من جديد لتجدد نفسها، ولتخترع حكومات الألفية الثالثة المبدعة والمنتجة والمحققة للتنمية المستدامة؟ أم ستعود عقلية اليمين النازي الهتلري المتوحش، أم اليسار الستاليني المدمر من جديد، لتخلق حربا عالمية نووية، فتزول البشرية جمعاء، ليبدأ يوم القيامة، كما تنبأ البعض؟
لقد ناقش جميع هذه التحولات والتحديات العالمية المؤسفه، الاقتصادي الغربي، أناتول كاليتسكي، مؤلف كتاب «الرأسمالية 4»، في مقال بالمجلة الإلكترونية بروجيكت سنديكيت، فقال: «في مختلف أنحاء العالم اليوم، يسود شعور بنهاية عصر، وهو نذير عميق بتفكك مجتمعات، كانت مستقرة في سابق عهدها. وقد تعبر عن ذلك أبيات خالدة للشاعر ويليام بتلر ييتس، في قصيدته العظيمة، المجيء الثاني، التي كتبها في عام 1919، ويقول فيها: الأشياء تتداعى، ويعجز المركز عن الصمود، ويُطلَق العنان للفوضى تجتاح العالم.. فلا يجد الصالح سبيلا للإقناع، بينما الطالح تملؤه قوة متوقدة.. وأي وحش فظ هذا الذي يفيق أخيرا، ويمشي محدوبا صوب بيت لحم كي يولد؟ عندما ينهار كل شيء. فقد كتبت هذه الأبيات في شهر يناير من عام 1919، بعد مرور شهرين من انتهاء الحرب العالمية الأولى، وكأن الشاعر استقرأ أن السلام سوف يتقهقر، مُفسِحا المجال لأهوال أعظم، وفعلا عانى العالم بعدها من أهوال الحرب العالمية الثانية».
وبعد ما يقارب خمسين عاما، وبالتحديد في عام 1967، توقعت الكاتبة الأمريكية جوان ديديون، في كتابها، عن الانهيارات الاجتماعية في أواخر ستينيات القرن العشرين، وفعلا بعد الشهر الثاني عشر من نشر الكتاب، اغتيل مارتن لوثر كنج الابن، وقتل روبرت كينيدي، واندلعت أعمال الشغب في المدن الداخلية، في مختلف أنحاء الولايات المتحدة، كما بدأ الطلاب الفرنسيون المحتجون التمرد الذي أطاح بالرئيس شارل ديجول بعد عام. وبحلول منتصف السبعينيات، خسرت أمريكا الحرب في فيتنام، كما كانت منظمات، مثل منظمة اللواء الأحمر الإيطالية، ومنظمة الصمود تحت الأرض اليسارية الأمريكية، والجيش الجمهوري الإيرلندي، ومنظمة الإرهابيين الفاشيين الجدد في إيطاليا، تشن الهجمات في مختلف أنحاء الولايات المتحدة وأوروبا، لتتحول الديمقراطية الغربية إلى مادة للسخرية بعد دعوى عزل الرئيس ريتشارد نيكسون. وقد مرت اليوم خمسون سنة أخرى، وبات العالم مرة أخرى نهبًا للمخاوف حول فشل الديمقراطية. ويبقى السؤال: هل يمكننا استخلاص بعض الدروس من تلك الفترات السابقة التي اتسمت بالشك الوجودي في الذات؟
ففي العشرينيات والثلاثينيات، وأيضًا في الستينيات والسبعينيات، ومرة أخرى اليوم، كان اليأس من السياسة مرتبطًا بخيبة الرجاء في نظام اقتصادي فاشل. بينما بدا في فترة ما بين الحربين كأن الرأسمالية محكوم عليها بالزوال بفِعل التفاوت المفرط في الثراء بين الناس، والانكماش، والبطالة الجماعية. بينما في الستينيات والسبعينيات، بدا الأمر كأن الرأسمالية تنهار لأسباب معاكسة تماما: التضخم، وردود الفِعل العكسية من قِبَل دافعي الضرائب، والمصالح التجارية ضد سياسات إعادة التوزيع التي تتبناها الحكومة الضخمة. ولا يعني ذِكر هذا النمط من الأزمات المتكررة، أن قانونًا ما من قوانين الطبيعة ينبئ بشبه انهيار للرأسمالية العالمية، كل خمسين إلى ستين عاما، ولكنه يعني إدراك حقيقة مفادها أن الرأسمالية الديمقراطية نظام متطور يستجيب للأزمات بتحول في العلاقات الاقتصادية والمؤسسات السياسية بشكل جذري. ولهذا، ينبغي لنا أن نرى في اضطرابات اليوم استجابة متوقعة لإنهيار نموذج بعينه من نماذج الرأسمالية العالمية في عام 2008، وإذا حكمنا من خلال تجارب الماضي، فربما تكون إحدى النتائج المحتملة عشر سنوات أو أكثر من البحث عن الذات والاستقرار، والتي قد تنتهي إلى تسوية جديدة لكل من السياسة والاقتصاد. وهذا ما حدث عندما أتى انتخاب مارجريت تاتشر ورونالد ريجان في أعقاب التضخم الكبير، في أوائل سبعينيات القرن الماضي، وكذلك عندما تمخضت أزمة الكساد العظيم في الثلاثينيات عن الصفقة الجديدة و«الوحش الفظ» الذي تمثل في إعادة تسليح أوروبا. وقد اتسمت كل من هاتين التسويتين بعد الأزمة بتحولات في الفِكر الاقتصادي، فضلاً عن السياسة، فقد أدى الكساد العظيم إلى اندلاع الثورة الكينزية، بسيطرة القطاع العام على الاقتصاد، جنبًا إلى جنب مع الصفقة الجديدة في السياسة، بينما استفزت الأزمات التضخمية في الستينيات والسبعينيات ثورة ميلتون فريدمان بسيطرة القطاع الخاص، التي ألهمت تاتشر وريجان.
وبالتالي فقد بدا من المعقول أن نتوقع أن يتسبب انهيار الرأسمالية المالية المتحررة من الضوابط والقيود التنظيمية، في إحداث تغير هائل رابع في كل من السياسة والفِكر الاقتصادي. وإذا كانت الرأسمالية العالمية تدخل مرحلة ثورية جديدة حقا، فما سماتها المحتملة؟ فقد كانت سابقا السِمة المميزة لكل مرحلة متعاقبة من مراحل الرأسمالية العالمية التحول في الحدود بين الاقتصاد والسياسة، ففي رأسمالية القرن التاسع عشر التقليدية، كانت السياسة والاقتصاد يتجسدان من الناحية المثالية في مجالين متميزين، القطاع الحكومي العام والقطاع الخاص، وكانت التفاعلات بين الحكومة والقطاع الخاص تقتصر على تحصيل الضرائب، لتغطية نفقات المغامرات العسكرية والحماية للمصالح الخاصة القوية. وفي المرحلة الثانية الكينزية من الرأسمالية كان يُنظَر إلى الأسواق بعين الريبة، في حين اعتُبِرَ التدخل الحكومي صحيحا. وفي المرحلة الثالثة، التي هيمنت عليها مارجريت تاتشر ورونالد ريجان، انقلبت هذه الافتراضات: فكانت الحكومة خاطئة عادة، والسوق على صواب دائما. وربما يمكن تعريف المرحلة الرابعة، التي نعيشها اليوم، الاعتراف بأن الحكومات والأسواق من الممكن أن ترتكب أخطاء مأساوية، وقد يسهل ذلك تحسين الاقتصاد والسياسة.
وإذا كان العالَم معقدًا وغير متوقع، ليمنع الأسواق أو الحكومات من تحقيق أهداف اجتماعية، فقد يستلزم ذلك تصميم أنظمة جديدة من الضوابط والتوازنات، لخلق التوازنات المجتمعية الآمنة، وذلك بإعادة النظر في النظريات الاقتصادية التي سادت سابقا كالتوقعات العقلانية، وكفاءة الأسواق، وحيادية المال. كما ينبغي على الساسة أن يعيدوا النظر في كثير من البناء الأيديولوجي الخارق الذي أقيم على افتراضات أصولية السوق، ليشمل ذلك إلغاء القيود التنظيمية المالية، واستقلال البنوك المركزية، والفصل بين السياستين النقدية والمالية، والحاجة إلى التدخل الحكومي لإنتاج عملية توزيع دخل مقبولة، ودفع الإبداع، وتوفير البنية الأساسية الضرورية، وتسليم المنافع العامة. ومن الواضح أن التكنولوجيات الجديدة، وعمليات إدماج المليارات من العمال الإضافيين في الأسواق العالمية، خلقت الفرص التي ينبغي لها أن تعني مزيدا من الازدهار في العقود المقبلة، ومع ذلك يحذر الساسة المسؤولون في كل مكان مواطنيهم من خطر ركود اقتصادي قادم، سيؤدي إلى ثورة الناخبين، الذين يعتقدون أن قادتهم يملكون الأدوات الاقتصادية القوية الكفيلة بتعزيز مستويات المعيشة، فمن الممكن طباعة النقود، وتوزيعها بشكل مباشر على المواطنين، ومن الممكن رفع الحد الأدنى للأجور، للحد من التفاوت بين الناس. كما تستطيع الحكومات أن تزيد من استثماراتها في البنية الأساسية والإبداع بتكاليف لا تتجاوز الصِفر، بل من الممكن أن يعمل التنظيم المصرفي على تشجيع الإقراض بدلاً من تقييده. ولكن نشر مثل هذه السياسات الراديكالية يعني رفض النظريات التي هيمنت على الاقتصاد منذ ثمانينيات القرن العشرين، جنبا إلى جنب مع الترتيبات المؤسسية التي تقوم عليها، مثل معاهدة ماستريخت في أوروبا. ففي الواقع هناك قِلة من المسؤولين على استعداد لتحدي العقيدة الاقتصادية التي سادت قبل الأزمة، في الوقت الذي تنادي فيه الثورات الشعبوية اليوم بأن يمزق المسؤولون دليل اللوائح التنظيمية الذي تعودوا على العمل به، والعمل على تشجيع ثورة في الفِكر الاقتصادي، وإن لم يلبوا النداء فمن المؤكد أن «وحشا فظا» سوف يفيق أخيرا، لكي يقوم بهذه المهمة بالنيابة عنهم. ويبقى السؤال لعزيزي القارئ: هل سيكون هذا «الوحش»، داعش الشرق أوسطي، أو لوبين الفاشي الأوروبي، أم المياردير الجمهوري الأمريكي دونالد ترامب، أم الفقير الاشتراكي الديمقراطي برني ساندرز؟ ولنا لقاء.
* سفير مملكة البحرين في اليابان




كلمات دالة

aak_news